متطوعون فرنسيون في الجيش الإسرائيلي شباب فرنسيون ينخرطون في صفوف جيش العدو

المميز

تم إنشاء الفيلق الأجنبي في فرنسا عام 1831 من قبل لويس ـ فيليب بهدف تجميع مختلف الفرق العسكرية الأجنبية العاملة داخل الجيش الفرنسي. وكان هذا الفيلق مخصصاً في تلك الأيام لأعمال الغزو الاستعماري، لكنه أصبح اليوم مجرد إرث من الماضي لا يخدم أي ضرورة سياسية أو عسكرية. ويمكن الانضمام إليه من قبل أي إنسان دون تمييز؛ وهو يسهل الحصول على الجنسية الفرنسية، إلا أنه لا يعطي الحق بالحصول عليها إلا لمن يجرح في المعارك، في حال تقدمه بطلب بهذا الخصوص.

أما في الولايات المتحدة، فإن الشرط الوحيد للدخول في الجيش هو الحيازة المسبقة لـ “البطاقة الخضراء”، أي أن يكون المرشح مقيماً في البلاد بشكل شرعي ودائم. وهنالك حوالي 30 ألف أجنبي يرتدون البزة العسكرية الأميركية، كما أن خمسة آلاف أجنبي ينضمون سنوياً إلى الجيش الأميركي. وهذا يمكنهم من الحصول بسرعة أكبر وبشكل مؤكد على الجنسية الأميركية. وبالطبع، فإن الجيش الأميركي يعجبه أن يستقبل بين صفوفه مجندين جدداً هم أكثر انضباطاً ورغبة في ذلك من الأميركيين الأصيلين حيث إن حماستهم للانضمام إلى الجيش تميل نحو الانخفاض. وبموجب المعايير المعتمدة في المرحلة ما بعد الاستعمارية، تسمح بريطانيا بتجنيد رعايا بلدان الكومنولث، في حين تستقبل إسبانيا رعايا مستعمراتها السابقة في أميركا الجنوبية. أما روسيا، فتعطي هذا الحق للناطقين بالروسية من رعايا الجمهوريات السوفياتية السابقة.
أما إسرائيل فهي تشكل حالة فريدة لأنها تسمح لكل شخص غير إسرائيلي بالخدمة في وحداتها القتالية شرط أن يكون يهودياً، هو أو أحد ابويه أو جديه.

قادة من الشباب للجاليات اليهودية

في إسرائيل برامج مختلفة تسمح لكل يهودي غير إسرائيلي بالانضمام إلى الجيش دون أن يصبح بذلك إسرائيلياً. ويعود ذلك إلى أواخر الحرب العالمية الثانية عندما قدم بضعة آلاف من المتطوعين المتحدرين من عشرات البلدان والمؤيدين للقضية الصهيونية، لدعم قيام دولة إسرائيل بالسلاح. وبعد قيام الدولة عام 1948، كان هؤلاء -وهم يعرفون باسم الـ ” ماحال”- يساعدون الجيش الإسرائيلي في المواجهات مع البلدان العربية المجاورة. وما زال هذا الوضع قائماً إلى اليوم، وظل اسم “ماحال” يطلق على برنامج إلحاق اليهود الأجانب بالوحدات الإسرائيلية المقاتلة. أما المدة التي يخدم خلالها هؤلاء المتطوعون فهي 18 شهراً تشتمل على القيام بمهمات في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وعند نهاية هذه المدة يمكن للمتطوعين أن يطلبوا الحصول على الجنسية الإسرائيلية، ولكن يكون عليهم أن يخدموا في الجيش لفترة إضافية هي 10 أشهر للرجال و6 أشهر للنساء العازبات، وذلك لكي ينطبق عليهم شرط أداء الخدمة العسكرية الإجبارية المفروض على كل إسرائيلي.

وهنالك إمكانيات أخرى مفتوحة أمام اليهود غير الإسرائيليين للخدمة في الجيش الإسرائيلي. منها التطوع لمدة ثلاثة أسابيع كحد أقصى (برنامج “سار إيل” لمن بلغوا السادسة عشرة من العمر)، أو لمدة شهرين (برنامج “مارفا” حيث يحصل المتطوع على راتب في حدود 1500 دولار). وفي الحالتين الأخيرتين، يحتفظ المتطوعون بوضعهم كمدنيين مع كونهم يرتدون اللباس العسكري، ويعيشون داخل ثكنات الجيش النظامي، ويقومون -بالنسبة لـ “سار إيل”- بأعمال الخدمة اللوجستية في القواعد العسكرية أو، -بالنسبة لـ “مارفا”- يتلقون تدريباً على القتال. وفي الحالتين، يقومون بنشاطات إضافية كالخضوع لدورات “تثقيفية” حول إسرائيل والصهيونية.

وخلافاً لمعظم البلدان الأخرى، ليس الحصول على الجنسية الإسرائيلية هو ما يدفع هؤلاء المتطوعين إلى التطوع. فما يسمى بقانون “العودة” المطبق منذ العام 1950 يمنح الجنسية الإسرائيلية لكل يهودي يهاجر إلى إسرائيل. أما الهدف من استقبال هؤلاء المتطوعين وإدخالهم في الجيش فهو تمكين “شباب يهود في جميع أنحاء العالم من تعزيز علاقتهم بإسرائيل وبالشعب اليهودي عبر التطوع للخدمة في الجيش. فبرامج قوات الدفاع الإسرائيلية تهدف إلى الدفاع عن إسرائيل، البلد الديموقراطي الوحيد في الشرق الأوسط، وإلى تزويد الجاليات اليهودية بقادة شباب، أكفاء، ومتحمسين”.

مع ذلك، يبدو عدد المتطوعين في صفوف “ماحال” قليلاً نسبياً. ففي مقالة نشرتها “جوريزاليم بوست” عام 2007، فإن ما لا يزيد إلا قليلاً عن ألف يهودي غير إسرائيلي قد تطوعوا خلال الفترة الممتدة من 1988 إلى 2007 لقضاء 18 شهراً في صفوف الجيش الإسرائيلي. وبالنظر إلى عدم توافر إحصاءات عن “ماحال”، فإن الإحصاءات المتوافرة عن “سار إيل” تصلح كمعيار لتكوين فكرة عن الوضع : فمن بين 4011 مشارك في “سار إيل” عام 2012، كان العدد الأكبر من المشاركين القادمين من حوالي 60 بلداً شملها البحث من الجنسيتين الأميركية والفرنسية، حيث بلغ عددهم 1221 يهودياً أميركياً و1086 يهودياً فرنسياً.

إن الهدف من هذه البرامج ذات الطبيعة العسكرية، ومن سائر البرامج المدنية التي ينخرط فيها اليهود غير الإسرائيليين، هو تعزيز شبكات التضامن مع الصهيونية ودعمها من الناحية الإيديولوجية داخل الجاليات اليهودية في العالم. وقد اعتمدت هذه الاستراتيجية منذ قيام إسرائيل. فالكثيرون من اليهود غير الإسرائيليين، وخصوصاً في فرنسا، يعلنون انتماءهم المعنوي لإسرائيل كما ولو أن الأمر بالنسبة لهم هو التعويض عن عدم كونهم مواطنين في هذا البلد “المهدد” بشكل دائم والذي ينبغي لكل يهودي أن يشارك في دعمه. ويبدو أن هذه البرامج، عسكرية كانت أم مدنية، تحقق أغراضها لأن المشاركين فيها يعودون بوجه عام إلى البلدان التي قدموا منها وهم أشد تمسكاً بقضية إسرائيل مما كانوا عليه في السابق.
لكن مفارقة واضحة تنجم عن هذا الوضع : هنالك، من جهة، تعلق بإسرائيل من قبل يهود الخارج يعبر عن نفسه في أوروبا وغيرها من خلال تصاعد الهجرة اليهودية، خصوصاً من فرنسا، نحو إسرائيل : ارتفع عدد المهاجرين بنسبة 49 % (من 1469 إلى 2185 مهاجراً) خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2013، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2012. لكن نسبة متزايدة ايضاً من الإسرائيليين يغادرون إسرائيل، خصوصاً نحو أميركا الشمالية وأوروبا، بحثاً عن حياة أفضل من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية، وللخلاص من حالة الحرب الدائمة. والواقع، أن حركة الهجرة نحو إسرائيل تتراجع، حيث إن عدد الإسرائيليين الذين يغادرون إسرائيل أصبح مساوياً لعدد المهاجرين إليها، أي 16 ألفاً في العام 2012.

امين نتنياهو، والذي يخلط بشكل مقصود بين العداء للصهيونية والعداء للسامية، يهدف إلى تنشيط هجرة اليهود إلى إسرائيل في صفوف الجاليات اليهودية في العالم. هذا الخطاب الذي يتناقله المدافعون عن إسرائيل في الخارج يؤدي، لا من غير نجاح، إلى تعزيز المفهوم السائد حول اللاسامية مع كونه مفهوماً بعيداً عن الواقع الملموس. كما يسهم هذا الخطاب في تقوية مظاهر التضامن التي يمثلها انضمام أعداد من اليهود غير الإسرائيليين إلى الجش الإسرائيلي للمساهمة، خلال بعض الوقت، في حماية تماسك “الدولة اليهودية”. ففي خطاب ألقاه في آب / أغسطس 2012 ترحيباً بمجموعة من اليهود الأميركييين القادمين للانضمام إلى الجيش الإسرائيلي، قال نتنياهو: “إننا نشهد اليوم صعود لا سامية جديدة شرسة، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا في وجه ذلك. إن المهمة الأكثر أهمية هي الدفاع عن الدولة اليهودية. هذا ما نقوم به، وهذا ما ستقومون به، وأنا فخور بكم”.
Marc Cher-Leparrain
دبلوماسي سابق في الشرق الأوسط.

بقلم سيزيف السوري ــــــــــــالسّامية ، ما هي ، ولماذا ؟

المميز

في الغرب تهمة تعتبر أشد و أدقّ رقبة من التمييز العنصري ، إنها الأنتيسمايت، أو الأنتيسيميتيزم..أو معاداة السامية..
لا بد أن مصطلح السامية قد مر عليكم في حياتكم مئات المرات، في الكتب المدرسية، والدينية، والتاريخية، والثقافية، و الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، وفي المؤتمرات ( والمؤامرات) العالمية، ويستعمله الكثير من الكتاب والمعلقين و المؤرخين حتى هنا على الفيسبوك، فما حكاية هذا المصطلح.. ولماذا يجب أن ننتبه له ولا نستخدمه ؟

يقال، تعود هذه التسمية، النسبة، كما يعرف الجميع، لسام بن نوح، النبي المعروف.
لا يوجد هذا المصطلح في أي كتاب من كتب التاريخ إلا نقلاً عن كتاب واحد، وهو التوراة اليهودية، ثم تلقفته كتب دينية تلت التوراة، ولا تزال قضية الإسرائيليات في القرآن تشغل بال الفقهاء ويختلفون حولها.

ما يهمنا هنا أن هذا المصطلح غير موجود في الآثار أوالأحافير أوالرقم، بل تم خلقها في كتاب شعب الله المختار.

هنا لا بد من ذكر تعريفي للتوراة، والذي يوافقني عليه العديد من المؤرخين غير المنحازين أو المؤدلجين، غربيون وشرقيون وعرب، أننا يجب أن ننظر للتوراة كتراث أدبي، سرقه اليهود من تاريخ منطقتنا، سوريا، بعد أن حرّفوا هذا التراث بما يتناسب مع عقليتهم البدوية الرعوية حينها، لتحقيق أهداف باتت معروفة للجميع.

لا يهمني إن كانت التوراة المعروفة هي غير الأصلية! أو ان التوراة المعروفة تم كتابتها من قبل أحبار اليهود بعد النبي موسى بستمئة عام أو ثمانمئة، بل يهمني أن التوراة كانت حتى القرن الماضي المرجع الأقوى والمعتمد إن لم يكن الوحيد لتاريخ البشرية، ولولا المكتشفات الاثرية خاصةً في القرن الماضي، لبقي الحال كذلك.

ماذا تقول التوراة عن السامية؟ بعد الطوفان الأخير، لم يبق إلا من اصطحبهم النبي نوح من كل زوجين اثنين من مختلف الكائنات، و بعض عائلته وأولاده، سام و حام ويافث، سام أبو العرق الأبيض الحالي، وحام أبو (العرق الأسود ؟! فهل نحن السوريون سود أم أنها العنصرية والكراهية ..في كتاب مقدس!) ، طبعاً يوجد أيضاً من المؤرخين من يقول ان سام هذا كان موجوداً، ولم يكن ولداً لنوح، لكن التوراة سرقت اسمه وحرّفت قصته، و هذا لا يغير شيئاً بالنتيجة التي سنصل إليها.

الحادثة التي (تؤرخها) التوراة، وكانَ نُوحٌ أوَّلَ فلاَحِ غرسَ كَرْمًا. وشربَ نُوحٌ مِنَ الخمرِ، فسَكِرَ وتَعَرَّى في خيمَتِه. فرأى حامٌ أبو كنعانَ عَورَةَ أبيهِ، فأخبَرَ أخويهِ وهُما خارِجا. فأخذَ سامٌ ويافَثُ ثوبًا وألقَياهُ على أكتافِهِما. ومَشيا إلى الوراءِ لِيَستُرا عَورَة أبيهِما، وكانَ وجهاهُما إلى الخلْفِ، فما أبصَرا عَورَةَ أبيهِما. فلمَّا أفاقَ نُوحٌ مِنْ سُكْرِهِ عَلِمَ بِما فعَلَ بِهِ اَبنُهُ الصَّغيرُ، فقالَ: (( مَلعونٌ كنعانُ! عبدًا ذليلاً يكونُ لإخوَتِهِ)). (التكوين 9 : 20-25)

أول ما يدعو للاستغراب، لماذا يلعن الرب كنعان ، و أبوه حام هو من وجبت عليه اللعنة! تناقضات عديدة لكن الغاية واحدة..
كان لدى حام عدة أولاد كما ذكروا ، لكن المستهدف كان كنعان، وكنعان أبو السوريين، وبالتالي فالسوريون هم عبيد اليهود، بعد أن حلت عليهم لعنة نبي الله ..

(يدّعي اليهود بأنّهم أبناء الله دون سائر البشر. وقد اختلقوا هذه القصّة ليترفعوا فوق الكنعانيين ويزدروهم و من ثم يعطوا أنفسهم الحقَّ في قَتْلهم وإذلاْلهم) ، ولاغتصاب جزء من أرضهم، أرضهم التي وعد رب اسرائيل أبناءه بها، وهذا في نفس الكتاب أيضاً ، التوراة..

كان لا بد للتوراة أن تجد سبباً للعن هؤلاء الكنعان، هؤلاء السوريين، لأنها كما نقول كل مرة، معركة وجود، بين فكرين متناقضين منذ الأزل، الباقي تعرفونه..

ثم كرّت السّبحة، لأن التوراة قالت…، وهي دين سماوي، والسماوي مقدس، ومخالفته أو انتقاده كفر، و لأن الإسلام تبنى إسرائيليات أو تم إدخالها فيه عن طريق أحبار اليهود أو غيرهم ..فقد أصبحت السامية و أخواتها، ركناً مهماً من أركان الجهل المقدس..وهذه قصة نبي، فمن يجرؤ على تكذيبها؟

و الأخطر من ذلك، أن أيادي اليهود قد لعبت عبر التاريخ بموضوع خطير، و هو دمج التوراة ( العهد القديم)، مع الإنجيل ، ليكونا معاً الكتاب المقدس، وبذلك أصبح الكثيرون من مسيحيي العالم، يؤمنون بما يؤمن به اليهود، و إلا كانوا كفرة..!

فوكابيولاريز :
1- لمن لا يحبذ العودة للتاريخ، أو ينتقدها، ما رأيك بأن لا نعرف حكاية هذا المصطلح، مع أنك تعرف أثره على كل ما حصل في العالم منذ التوراة إلى اليوم، وليس في سوريا فقط، بل في معظم أنحاء العالم، ولا زال يحكم، ويحاكم، ويتحكّم ، بالإنسانية جمعاء، وبحاضر ومستقبل البشرية ؟! أيها الحاضريّ ، المستقبليّ ، الواقعيّ ..
2- اختلقت التوراة مواضيع و مقولات وحوادث ومصطلحات تحتاج للحديث عنها وتعريتها، مثل مصطلح -الفراعنة-، و – السبي البابلي الأول والثاني – وغيرها، وهذه مواضيع أخرى قادمة.
3- قصة نوح هي نفسها تماماً ما عدا اسمه، واسم الإله، قصة أوتنابشتيم في الأسطورة السورية قبل التوراة بآلاف السنوات، بطل قصة الطوفان نفسه أوتنابشتيم، هو أيضاً من ذهب إليه جلجامش في رحلته الطويلة بحثاً عن الخلود، وهو من أعطاه نبتة الخلود، التي سرقتها منه الأفعى أثناء عودته لأوروك..
4- قصة النبي موسى، ووضعه في صندوق خشية قتله، ثم وجدته زوجة الملك، و أخذته وربته …الخ، هي نفسها قصة سرجون الأكادي، قبلها بآلاف السنوات..

بقلم: طوني كارتالوتشي ———–ما هي تداعيات انتصار سورية على الهيمنة الغربية ؟

المميز

منذ 2011، كانت سوريا هدفاً لمحاولة مدعومة من الخارج لتغيير النظام. حيث قام المحتجون بالنزول إلى الشوارع في أنحاء متفرقة من سوريا على إيقاع “الربيع العربي” الذي خططت له الولايات المتحدة، وتشكيل غطاء للمتشددين المسلحين الذين كانت تحضرهم الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة السعودية – تبعاً للوثائق المتوفرة الآن – منذ سنة 2007 على الأقل.
فقد تنبأت مقالة الصحفي الفائز بجائزة “بوليتزر” سيمور هيرش، التي تحمل عنوان “إعادة التوجيه: التحول الاستراتيجي في السياسة الأمريكية شرق الأوسطية”:
” ومن أجل تدمير إيران، المكونة من غالبية شيعية، قررت إدارة بوش إعادة ترتيب أولوياتها في الشرق الأوسط. ففي لبنان، تعاونت الإدارة مع الحكومة السعودية، السنية، في عمليات سرية تهدف إلى إضعاف حزب الله، المنظمة الشيعية المدعومة من إيران. كما شاركت الولايات المتحدة في عمليات سرية تستهدف إيران وحليفتها سوريا. وقد تجلى أحد نتائج هذه النشاطات في تعزيز المجموعات السنية المتطرفة التي تتبنى رؤية متطرفة للإسلام، كما تعادي أمريكا وتساند القاعدة.”
كانت عملية زعزعة استقرار سوريا تسير بالتزامن مع البلدان العربية الأخرى، بما في ذلك تونس وليبيا ومصر. ففي تونس ومصر كان السقوط سياسياً، حيث ترافق مع عنف محدود في الشارع. أما في ليبيا فقد كان السقوط مطلقاً – حيث تم تمزيق البلد بشكل كامل بين ما يسمى “المقاتلين من أجل الحرية” والذين تبينَ فيما بعد أنهم ليسوا سوى متشددين من القاعدة ينتمون إلى “المجموعة المقاتلة الإسلامية الليبية”.
فاجأت الحربُ الغربية الخاطفة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط العديدَ من البلدان. فقد أدى عجزها عن الرد بشكل فعال على “الحرب اللونية” المنسقة خلال 3 سنوات من زعزعة الاستقرار الإقليمي إلى تغيير الأنظمة، وحتى الحرب.
أما في سوريا، فقد صمدت الحكومة وصمد الشعب، ومن ثم قاما بالرد على الهجوم.
في كانون الثاني/يناير 2013، بدا واضحاً أن قوات الأمن السورية قد قلبت الطاولة على المسلحين المدعومين من الخارج الذين كانوا يتدفقون طيلة سنتين عبر الحدود ويزرعون الفوضى القاتلة في كافة أنحاء البلاد. وقد تم تحقيق المكاسب الراسخة في كل مكان، من الشمال بالقرب من المدينة السورية الأكبر، حلب، وعلى طول الحدود اللبنانية، وبشكل خاص في مدينة درعا الجنوبية، التي تسمى “مهد الانتفاضة”.
استمر الإعلام الغربي في تصوير الوضع في سوريا على أنه متقلقل، حيث أن الحكومة السورية تتهاوى وأن مقاتليهم بالوكالة على وشك تحقيق خرق كبير. أما في الواقع فقد أطبق الياس على واشنطن ولندن وتل أبيب. فقد جرت محاولات لجر البلاد إلى حرب واسعة عبر الهجمات الإسرائيلية المباشرة على الأراضي السورية لكنها لم تنجح، ومع قدوم آب/أغسطس 2013 وصل اليأس بالغرب إلى درجة التخطيط لتدخل مباشر لإنقاذ قواته بالوكالة، حتى أن الغربيين قاموا بهجوم كيماوي على أطراف مدينة دمشق لتبرير تدخلهم. ولكن لخيبة أمل الغرب، لم يفشل هذا الهجوم في تزويده بالذريعة اللازمة للتدخل البماشر فقط، بل أدى إلى تدمير مصداقيته وموقفه الدولي أيضاً.
لم يعد انتصار سوريا خافياً على أحد
برزت انتصارات سوريا الأخيرة ضد الغزاة من مقاتلي الغرب بالوكالة بشكل ناصع في يبرود هذا الشهر، هذه المدينة الواقعة على بعد 80 كم شمال غرب العاصمة دمشق والتي كانت معقلاً استراتيجياً لحملات المسلحين ضد السوريين واللبنانيين عبر الحدود المجاورة. كانت يبرود تعتبر في قبضة المسلحين طيلة فترة النزاع. ولكن مع استعادة النظام والأمن في يبرود، ومع فرار الفصائل المسلحة بأعداد كبيرة، يبدو أن العمليات العسكرية الضخمة ضد سوريا قد شارفت على نهايتها وتحولت، بدلاً من ذلك، إلى حملة إرهابية محدودة.
ليس بمقدور الغرب أن يصورَ مقاتليه بالوكالة كقوة معارضة فعالة سياسياً واجتماعياً, والآن استراتيجياً. فقد تمكنت القوات السورية من دحر المسلحين إلى الحدود السورية.
في هذا اليوم، لجأت تركيا إلى الهجوم، حيث زعمت أنها أسقطت طائرة سورية أثناء اشتباك القوات السورية مع المسلحين على الحدود. وفي مدينة درعا الجنوبية المحاذية للحدود السورية-الأردنية، فإن “الجبهة الجنوبية” المزعومة المشكلة من 49 فصيلاً مسلحاً والتي تضم، تبعاً للمزاعم السائدة، حوالي 30,000 مقاتلاً في صفوفها قد تعرضت للتشكيك حتى من قبل المصادر الغربية التي وصفت هذه القوة بأنها “مجرد تحالف على الورق”.
قدمت “منحة كارنيغي للسلام العالمي” تقريراً مقلقاً حول الدعم العسكري المستمر للإرهابيين المتدفقين إلى سوريا من الأردن، والمسلحين والمموَلين من الولايات المتحدة والسعودية – على الرغم من ادعاءات البلدين باستيائهما من قطر لقيامها بالشيء نفسه. ففي تقريرها المعنوَن “هل ’الجبهة الغربية‘ موجودة؟”، زعمت هذه المؤسسة:
“تبعاً لمصادرَ عديدة، كان الدعم لا يزال مستمراً للمتمردين في الجنوب منذ نهاية شهر شباط/فبراير، حيث تم إنفاق مبالغ كبيرة من المال على رواتب المتمردين والشاحنات السعودية المتوجهة نحو الحدود الأردنية-السورية. ولكن دون زيادة كبيرة في الدعم، وربما إضافة الأسلحة النوعية مثل الصواريخ المضادة للطائرات، من الصعب على المرء أن يتخيلَ أي تقدم فعلي للمتمردين – أو أنهم سيتمكنون من التوحد حول قيادة واحدة.”
يبدو أنها الدفعة الأخيرة اليائسة التي تقدمها قوة استنفذت كافة قواها ضد الجيش السوري القوي المتمسك بمواقعه. وبينما لا يزال الغرب يحاول إذكاء العنف في سوريا، يبدو أن الانتصارات التي يحققها الجيش السوري قد وصلت إلى مرحلة لا يمكن لأي قدر من الدعم غير المباشر أن يغيرها. فحرب الوكالة، التي افتقدت إلى التدخل العسكري على نطاق واسع من قبل القوى الغربية، قد باءت بالفشل.
ماذا يعني الانتصار السوري بالنسبة للهيمنة الغربية
يعود البحث الحديث عن الهيمنة الغربية إلى نهاية “الحرب الباردة” عندما كان هناك اعتقاد راسخ لدى “وول ستريت” و لندن بإمكانية إعادة ترتيب الكوكب تحت سيطرتهما في غياب أي قوة عظمى تقف في وجههما. فقد بدا من الثورات الملونة في أوروبا الشرقية، وتدمير روسيا في التسعينيات من القرن الماضي، وحرب العراق الأولى، وتقسيم البلقان، أن إعادة الترتيب هذه تسير على قدم وساق. لكن روسيا والصين والهند وبلدان نامية أخرى نهضت بسرعة فائقة أدت غلى تحجيم تدريجي لطموحات الغرب.
واليوم، مع خروج الغرب من العراق، وغرقه في مستنقع أفغانستان، وانكشاف مخططاته العدوانية في ليبيا، وحصاره في سوريا وأوكرانيا، لا يبدو فقط أن الطموحات الغربية قد تعرضت للتحجيم ولكن يمكن، في الحقيقة، أنها تواجه خطراً عكسياً.
إن فشل الغرب في سوريا يبعث برسالة إلى الأهداف الأخرى للتدخل الغربي. ليس هناك أي حاجة للتهاون أو التفاوض، وليس هناك أي حاجة لتملق الأعراف التي لفقها الغرب لتقييد البلدان المستهدفة. وفي حقيقة الأمر، فإن كل ما تفعله هذه البلدان من خلال مراعاتها لهذه الأعراف هو إضعاف نفسها عبر التزامها بالقواعد التي يطالب الغرب الآخرين الالتزام بها بينما يقوم هو بانتهاكها بشكل متعمد.
بينما يضاعف الغرب من عجزه المتنامي على الصعيد الكوني من خلال إصراره على البحث المستمر عن نموذج القطب الواحد الفاشل المتأسس على تحقيق الهيمنة الكونية، تصر بلدان مثل روسيا والصين على الشراكة مع الأمم الأخرى في عالم متعدد الأقطاب – دون فرض الإملاءات على الدول الأخرى ودون انتهاك سيادتها.
إن فشل الغرب في سوريا مؤشر على أن قوته ونفوذه في تراجع، كما أنه يقدم مثالاً حديثاً على المخاطر التاريخية التي تواجهها الإمبراطورية من خلال توسعها وتمددها. فحتى لو تمكن الغرب من عكس فشله في سوريا، فإن سمعته وشرعيته قد تمرغتا بالوحل بحيث أن أية محاولة من هذا النوع يقوم بها بعد سوريا ستكون ضرباً من المستحيل.
يتباكى الصحفيون وصناع السياسة الغربيون حول “تراجع” الدبلوماسية الغربية – لكن هذه السياسة لا تواجه سوى “التراجع” لأنها اختارت العنجهية في المقام الأول. فبمقدور أمة تلعب دوراً إيجابياً وبناءً على المستوى العالمي أن تكون مؤثرة إن هي احترمت من تتفاعل معه وأن تقود إلى التغيير عبر تقديم مثال ينال إعجاب الآخرين. فبالنسبة إلى الغرب وإخضاعه الآخرين لقرون طويلة، لا يبدو هذا المفهوم غريباً فقط بل أقلَ إغراءً من النظام المتهاوي الذي يتربع على عرشه الآن.
إن انتصار سوريا يعني أنه على الرغم من إمكانية نهب الغرب لبلدان أخرى في المستقبل القريب والمتوسط، فإن قوته ونفوذه سيواجهان تراجعاً مستمراً.
بالنسبة إلى سوريا والبلدان الأخرى التي تواجه إمكانية محاولة زعزعة استقرارها داخل حدودها نفسها، فقد تعلمت درساً مكلفاً للغاية حول محاولة استيعاب ومجاملة الطموحات الغربية. إذ إن التمسك بالموقف الأخلاقي منذ البداية، وامتلاك وسائل الإعلام المحلية التي تخاطب الجمهور العالمي مثل قناة “تلفزيون بريس” الإيرانية و “روسيا اليوم” الروسية لتقديم وجهات نظر هذه البلدان للعالم، يمكن البلد المستهدَف من الصمود والقتال، إن دعت الحاجة إلى ذلك. أما محاولة اللجوء إلى النظام الذي شكله الغرب نفسه لتحقيق الهيمنة الكونية – بما في ذلك “الأمم المتحدة”، ومنظمات حقوق الإنسان التابعة لها، والإعلام العالمي – يعني الدخول في اللعبة الغربية، واللعب تبعاً لقوانينها، وبشروطها هي، مما يعني الخسارة المحتمة.

قرن من الحروب الامريكية

المميز

ليست الولايات المتحدة الأميركية كسواها من المستعمرات السابقة، لأنها، بعد نيل استقلالها وتوطيد أركانها، باشرت سلسلة من التدخلات العسكرية، بشكل تضاعف إلى حد كبير في القرن العشرين. رغم ذلك، لم تبن الولايات المتحدة إمبراطورية استعمارية على غرار سالفاتها الفرنسية والبريطانية وإنما اعتمدت على جولات التدخل في هذا البلد أو ذلك، لإسقاط حكومة هنا، وحماية “مصلحة قومية حيوية” هناك. وعلى الرغم من أن هذا التدخل التزم في البداية دائرة إقليمية، فحصر مجاله في الأميركيتين وفقا لمبدأ مونرو، ألا أنه سرعان ما امتد التدخل في غضون الحرب الباردة وما تلاها ليشمل مختلف القارات.
في ما يلي لائحة صاغها زولتان غروسمان عن التدخلات العسكرية الأميركية على امتداد قرن. ونشر في كتاب “لماذا يكره العالم أميركا” ؟ لضياء الدين سرادار وميريل واين ديفيز (دار فايار).
داكوتا الجنوبية-1890
قوات أرضية قتل 300 هندي الأكوتاس في واندو ودكني.
الأرجنتين – 1890
قوات أرضية. حماية المصالح في بوانيس أيرس.
تشيلي 1891
قوات أرضية. مواجهة بين البحرية والمتمردين المحليين.
هايتي، 1891
قوات أرضية، قمع ثورة العمال السود في جزيرة ناقاسا من قبل الولايات المتحدة.
أيدهو، 1892
قوات أرضية، الجيش يقمع المضربين في مناجم الفضة.
هاواي، 1893؟
قوات بحرية، قوات أرضية. ضم المملكة المستقلة.
شيكاغو، 1894
قوات على الأرض. قمع المضربين في سكك الحديد – 340 قتيلا
نيكاراغو، 1894-1895
قوات أرضية. احتلال “بلوفيلد” لمدة شهر.
الصين 1894-1895
القوات البحرية، قوات أرضية، دخول قوات المارينز.
كوريا، 1894-1896
قوات أرضية، توقيف لقوات مارينز في سيول أثناء النزاع.
باناما، 1895
قوات أرضية، قوات بحرية. دخول المارينز إلى الريف الكولومبي.
نيكاراغوا، 1896
قوات أرضية، دخول قوات المارينز إلى مرفأ كورينتو؟.
الصين، 1898-1900
قوات أرضية. القوات الأجنبية تحارب الـ”بوكسيرز”.
الفيلبين، 1898-1900؟
قوات بحرية، قوات أرضية. الاستيلاء على الفيلبين، الممتلكات الأسبانية 600 ألف قتيل فيلبيني.
كوبا 1898-1902؟
قوات بحرية، قوات أرضية. الاستيلاء على كوبا، ممتلكات إسبانية. صمود قاعدة بحرية.
بورتو ريكو 1898؟
قوات بحرية، قوات أرضية. الاستيلاء على بورتوركيو، ممتلكات إسبانية، استمرار الاحتلال.
غوام 1898؟
قوات بحرية، قوات أرضية. الاستيلاء على غوام.ممتلكات إسبانية. لا تزال مستعملة كقاعدة.
مينيزوتا، 1898
قوات أرضية، الجيش يواجه هنود الـ”شيبيواس” في لييش لايك.
نياكاراغو، 1898
قوات أرضية، دخول المارينز إلى مرفأ “سان خوان ديل سور”.
أيداهو،1899-1901
قوات أرضية. الجيش يحتل منجم”كوردالين”coeur dAlene
أوكلاهوما، 1901
قوات أرضية. الجيش يقمع ثورة هنود “الكربكس”.
باناما،1901-1904
قوات بحرية، قوات أرضية. فصل باناما عن كولومبيا في عام 1903، وضم منطقة القناة عام 1914 وضم منطقة القناة عام 1914، ولغلية عام1991.
هندوراس 1903
قوات أرضية. تدخل المارينز في الثورة
جمهورية الدومينيك، 1903-1904
قوات أرضية، حماية المصالح الأميركية المهددة من الثورة.
كوريا 1904-1905
قوات أرضية. دخول قوات المارينز أثناء الحرب بين اليابان وروسيا.
كوبا، 1906-1909
قوات أرضية. إنزال قوات المارينز في الوقت الذي كانت البلاد تجري فيه انتخاباتها الديموقراطية.
نيكاراغوا، 1907:
قوات أرضية. نشوء بروتوكول “دبلوماسية الولار”.
هوندوراس، 1907
قوات أرضية. إنزال قوات المارينز اثناء الحرب مع نيكاراغوا.
باناما، 1908:
قوات أرضية. تدخل قوات المارينز أثناء مواجهات انتخابية.
نيكاراغوا، 1910
قوات أرضية. إنزال قوات المارينز في بلوفيلدز وكورينتو.
هوندوراس، 1911.
قوات أرضية. حماية المصالح الأميركية المهددة من قبل الحرب الأهلية.
الصين 1911-1941
قوات بحرية، قوات أرضية. احتلال دائم مع وقوع انفجارات قوية.
كوبا، 1912
قوات أرضية. حماية المصالح الأميركية في هافانا.
باناما، 1912
قوات أرضية. إنزال قوات المارينز اثناء الإنتخابات.
هوندوارس، 1912
قوات أرضية، قوات المارينز تحمي المصالح الاقتصادية الأميركية .
نيكاراغوا، 1912،1933
قوات أرضية، قصف دائم. عشرون سنة من الاحتلال.
معارك مع الثوار.
مكسيك، 1913
قوات بحرية. إخلاء القوات الأميركية أثناء الثورة.
جمهورية الدمينيك، 1914
قوات بحرية. معارك إلى جانب الثوار للاستيلاء على السان دومينيك.
كولورادو، 1914
قوات أرضية، الجيش أوقف إضراب عمال المناجم.
المكسيك، 1914-1918
قوات بحرية، قوات أرضية. سلسلة تدخلات ضد الوطنيين.
هايتيي 1914-1934
قوات أرضية، قصف متواصل. تسعة عشر عاما من الاحتلال تلت محاولات التمرد.
جمهورية الدمينيك، 1916-1624
قوات أرضية. 8 سنوات من الاحتلال من قبل المارينز.
كوبا، 1917-1933
قوات أرضية. احتلال عسكري، خضوع لنظام الحماية الاقتصادية.
الحرب العالمية الأولى: 1917-1918
قوات بحرية، قوات أرضية. معارك ضد ألمانيا.
روسيا، 1918-1922
قوات بحرية، قوات أرضية. خمس إنزالات بحرية لمحاربة “البولوشفيين”.
باناما، 1918-1920
قوات. أرضية. “عمليات بوليسية” تلي المشاكل التي أعقبت الانتخابات.
يوغوسلافيا، 1919
قوات أرضية، إنزال المارينز في “رالماسي” لمساعدة إيطاليا في مواجهتها مع صربيا.
هوندوراس، 1919
قوات أرضية. إنزال قوات المارينز أثناء الحملةالانتخابية.
غواتيمالا، 1920
قوات أرضية. 15 يوم من التدخلات ضد الاتحاديين.
فيرجينيا الغربية، 1920-1921
قوات أرضية، قصف متواصل. الجيش يتدخل ضد عمال المناجم.
تركيا، 1922
قوات أرضية. معارك ضد الوطنيين في “سميرن” (إيزمير)
الصين، 1922،1927
قوات بحرية، قوات أرضية. نشر القوات أثناء الثورة الوطنية.
هوندوراس، 1924-1925
قوات أرضية. إنزال المارينز مرتين أثناء المعركة الانتخابية.
باناما، 1925
قوات قمع الإضراب العام من قبل المارينز.
الصين، 1927-1934
قوات أرضية. انتشار المارينز في جميع أنحاء البلاد.
سلفادور،1932
قوات بحرية. بعث معدات حربية أثناء ثورة فابريانو مارتي.
واشنطن، 1932
قوات أرضية. الجيش يضع حد لمظاهرة قدامى المحاربين في الحرب العالمية الأولى المطالبين بتعويضات مالية.
الحرب العالمية الثالثة: 1941-1945
قوات بحرية، قوات أرضية، قصف دائم، قنبلة نووية.
ديترويت 1943
قوات. الجيش يقمع” ثورة السود”
إيران، 1946
تحذير نووي. وجوب انسحاب القوات السوفياتية من الشمال (الازير بايجيان الإيراني).
يوغوسلافيا، 1946
قوات بحرية، استنفار أميركي بعد إنزال طائرة أميركية.
أوروغواي، 1947
تهديد نووي. نشر القوات المسلحة للتخويف
اليونان، 1947، 1949
الولايات المتحدة توجه اليمين المتشدد أثناء الحرب الأهلية.
الصين، 1948، 1949
قوات أرضية. قوات المارينز تخلي المنطقة من الأميركيين قبل انتصار الشيوعيين.
ألمانيا 1984
تهديد نووي. مسلحون أميركيون ذوو تجهيزات نووية يحمون الجسر الجوي في برلين
الفليبين، 1948،1954
الـ”أي أي” توجه المتمردين “الهوكس”.
بوتكوريكو، 1950
قمع المتمردين الاستقلالين في “بوتس”
كوريا، 1950-1953
قوات أرضية، بحرية، قصف، تهديد نووي. حالة مسدودة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية من جهة والصين وكوريا الشمالية من جهة أخرى. تهديد باللجوء للقنبلة(A) عام 1950، وجود قواعد أميركية حتى يومنا هذا.
إيران 1953
الـ”سي أي أي” تسقط الديموقراطية وتضع الشاه على رأس السلطة.
فيتنام 1954
تهديد نووي. اقتراح بتقديم قنابل للفرنسيين المحاصرين.
غوانتلاما، 1954
قصف، تهديد نووي. الـ”سي أي أي” ترأس عملية إنزال المنفيين بعد تأميم أراض تابعة لشركات أميركية من قبل الحكومة الجديدة. نشر مسلحين في نيكاراغوا.
فيتنام، 1960،1975
قوات أرضية، قوات بحرية، قصف، تهديد نووي. معارك ضد الـ”فيت-كونغ” في الفيتنام الجنوبية وضد الفيتنام الشمالية: مليون إلى مليوني قتيل في أطول الحروب الأميركية. التهديد باللجوء إلى القنبلة النووية، بين 1968-1967
كوبا، 1961
فشل محاولة إنزال المنفيين المعادين لكاسترو، والتي قادتها ال”سي أي أي”.
ألمانيا 1961
تهديد نووي. حذر عالمي أثناء أزمة جدار برلين.
كوبا، 1962
تهديد نووي، حصار بحري اثناء أزمة الصواريخ. تجنب الحرب مع روسيا في اللحظة الأخيرة.
لاووس، 1962
تنام النفوذ العسكري اثناء حرب العصابات.
مصر، 1956
تهديد نووي، قوات أرضية. الطلب من السوفيات عدم التدخل في أزمة السويس. قيام المارينز بإخلاء المنطقة من الجانب.
لبنان، 1958
قوات ارضية، قوات بحرية. قمع المارينز لثورة المتمردين.
العراق، 1958
تهديد نووي. إنذار العراق بعدم اجتياح الكويت.
الصين، 1958
تهديد نووي، مطالبة بعدم التحرك ضد تايوان.
باناما، 1958
قوات أرضية. مظاهرات ضد رفع العلم تؤدي إلى مواجهات عنيفة.
باناما، 1964
قوات أرضية. باناميون يفتحون النار لاسترجاع القناة.
إندونيسيا، 1965
مليون قتيل في الإنقلاب الذي دعمته الـ”سي أي أي”.
جمهورية الدمينيك، 1965،1966
قوات أرضية. إنزال لقوات المارينز أثناء الحملة الانتخابية.
غواتيمالا، 1966،1967
الـBERETS~VERTS يتدخلون ضد المتمردين.
ديترويت 1967
قوات أرضية. مواجهة بين الجيش والواطنين السود، 43 قتيلا
الولايات المتحدة ،1968
قوات أرضية. انتشار 61 ألف جندي في البلاد بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ
كمبوديا، 1969، 1975
قصف، قوات أرضية، قوات بحرية. مليونا قتيل خلال 6سنوات من القصف، المجاعة والفوضى السياسية.
عمان، 1970
الولايات المتحدة تقود عملية إنزال القوات البرية الإيرانية.
لاوس، 1971، 1973
الولايات المتحدة تقود عملية اجتياح الفيتنام الجنوبي. “سجادة قنابل” في المناطق الريفية.
داكوتا الجنوبية، 1973
الجيش يقود حصار لاكوتاس في واونديد كني.
الشرق الأوسط، 1973
تهديد نووي. حذر عالمي أثناء حرب 1973
التشيلي، 1973
الـ”سي أي أي” تدعم انقلابا أسقط الرئيس الماركسي المنتخب سلفادور الليندي.
كامبوديا، 1975
قوات أرضية، قصف، غاز. تفتيش مركب بحري، وقوع 28 قتيلا في حادث هليكوبتر.
أنغولا، 1967، 1992
الـ”سي أي أي” تساعد المتمردين المدعومين من قبل إفريقيا الجنوبية.
إيران، 1980
قوات أرضة، تهديد نووي، فشل نحاولات القصف. محاولة تحرير الرهائن في السفارة. سقوط 8جنود في حادث هليكوبتر. إنذار السوفيات بعدم التدخل في الثورة.
لبيا، 1981
jets بحرية.
سلفادور 1981-1992
قوات أرضية. بعث مستشارين، تحليق جوي لدعم الحرب على المتمردين. اشتباكات قصيرة بسبب الرهائن.
نيكاراغوا، 1981-1990
قوات بحرية. الـ”سي أي أي” تدير عملية إنزال المبعدين المعاديين للثورة وتزرع الغاما ضد القوات الثورة.
لبنان،1982-1984
قوات بحرية، قصف، قوات أرضية. قوات المارينز تطرد منظمة التحرير الفلسطينية وتساعد ميليشيا الكتائب. المواقع السورية تخضع لقصف القوات البحرية المسلحة.
هوندواس، 1983-1989
قوات أرضية. المساعدة على بناء قواعد بالقرب من الحدود.
غرانادا، 1983-1984
قوات أرضية، قصف، دخول الجزيرة بعد 4 سنوات من الثورة.
إيران، 1984
تحليق طيران، إسقاط طائرتين إيرانيتين في الخليج الفارسي.
ليبيا، 1986
قصف، قوات بحرية. ضربات جوية لإسقاط الحكومة الوطنية.
بوليفيا،1986
قوات أرضية. الجيش يساهم في الحملة ضد الكوكايين.
إيران، 1987-1988
قوات بحرية، قصف. الولايات المتحدة تتدخل لصالح العراق خلال الحرب.
ليبيا، 1981
jet بحرية
الجزر العذارى 1989
قوات أرضية. مشاكل مع السكان السود.
الفيلبين،1989
تحليق طيران، غطاء جوي لحماية الحكومة من خطر الانقلابات.
باناما، 1989،1990
قوات أرضية، قصف، 27 ألف جندي يطردون الحكومة الوطنية، توقيف القادية، أكثر من 200 قتيل.
ليبيريا، 1990
قوات أرضية. إخلاء المنطقة من السكان الأجانب.
السعودية، 1990-1991
قوات أرضية، طيران. احتجاج على العراق بعد غزوه لدولة الكويت، 54 ألف جندي إلى عمان. قطر، البحرية، الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل
العراق، 1990
قوات بحرية، قصف،قوات أرضية حصارات المرافئ العراقية والأردنية، ضربات أكثر من 200 ألف قتيل عملية غزو العراق والكويت، إنشاء منطقة حظر جوي في الشمال الكردي والجنوبي الشيعي. تدمير شامل للقوة العسكرية العراقية.
الكويت، 1991
قوات بحرية، قوات أرضية، استعراش العائلة الملكية الكويتية.
لويس أنجلوس، 1992، 1992
قوات أرضة. الاستعانة بالجيش والمارنز لقمع الفتنة ضد الشرطة.
الصومال، 1992-1994
قوات أرضية، قوات بحرية، قصف. احتلال من قبل الأمم المتحدة بطلب من الولايات المتحدة خلال الحرب الأهلية. حملة على الفتنة في مقاديشو.
يوغسلافيا، 1992-1994
قوات بحرية. حصار حلف الأطلسي لصربيا ومونتينغرو.
البوسنة، 1993-1995
طيران، قصف منطقة حظر جوي خلال الحرب الأهلية. إسقاط طائرات. قصف على الضرب.
هايتي، 1994-1996
قوات أرضية، قوات بحرية. حصار على الحكومة العسكرية. بعث قوات الرئيس ارتيزيد إلى الحكم بعد الانقلاب.
كرواتيا، 1995
قصف، الاعتداء على المنطقة الجوية الصربية في كاراجينا قبل الهجوم الصربي.
زائير (كونغو) 1996-1997
قوات أرضية. بعث قوات المارينز إلى مخيمات اللاجئين الهوتسي في رواندا، في المنطقة التي بدأت فيها الثورة الكونغولية.
ليبريا، 1997
قوات أرضية. الجنود يطلقون النار أثناء إخلاء الأجانب للمنظمة.
ألبانيا، 1997
قوات أرضية الجنود يطلقون النار أثناء إخلاء الأجانب للمنظمة..
السودان، 1998
صواريخ. الهجوم على مصنع أدوات صيدلة، اعتقد أنه مصنع “إرهابي” لتصنيع مادة النوروتوكسيك
أفغانستان، 1998
صواريخ الهجوم على مخيمات تدريبية سابقة للـ”سي أي أي” استولت عليها جماعات إسلامية أصولية متهمنة بالعمليات ضد السفارات الأميركية.
العراق، 1998
قصف، صواريخ. أربعة أيام من القصف الجوي المكثف بعدما بالسماح لهم بدخول بعض المواقع.

المركز العربي للدراسات المستقبلية

المخدرات وآلة الحرب الأميركية >>>>>>مقابلة أجراها ماكسيم شيكس مع بيتر دال سكوت

المميز

مقابلة أجراها ماكسيم شيكس مع بيتر دال سكوت
عن موقع Raiseau Voltaire
18 تموز / يوليو 2013

بيتر دال سكوت هو شاعر وأستاذ في العلوم السياسية واللغة الانكليزية في جامعة كاليفورنيا (باركلي) وديبلوماسي كندي سابق. من مؤلفاته كتاب بعنوان “الطريق نحو الفوضى العالمية الجديدة” (مترجم إلى الفرنسية). كتابه الأخير يحمل عنوان “آلة الحرب الأميركية” (مترجم أيضاً إلى الفرنسية). وهو متقاعد حالياً ويعكف على وضع دراسة تفصيلية للنظام القائم في الولايات المتحدة.

ـ في كتابكم الأخير “آلة الحرب الأميركية”، أجريتم دراسة معمقة لما أسميتموه بـ “شبكة المخدرات العالمية”. هل يمكنكم أن تضيئوا لنا على هذا الموضوع ؟

* قبل كل شيء، اسمحوا لي بأن أعرف ما أقصده بـ “شبكة المخدرات”. فالمخدرات لا تدخل إلى الولايات المتحدة بطرق سحرية. ففي بعض الأحيان يتم إدخال شحنات كبيرة من المخدرات إلى الولايات المتحدة بموافقة أو / وبتواطؤ مباشر من قبل وكالة الاستخبارات المركزية. يمكنني إيضاح ذلك بمثال من كتابي “آلة الحرب الأميركية”. أتحدث في هذا الكتاب عن الجنرال رامون جوليان دافيلا، مدير إحدى وحدات مكافحة المخدرات التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي) في فنزويلا، والذي اتهم في ميامي بإدخال طن من الكوكايين إلى الولايات المتحدة بطريقة سرية. بحسب نيويورك تايمز، وافقت سي آي إي، رغم اعتراضات إدارة مكافحة المخدرات، على إدخال طن على الأقل من الكوكايين الصافي عبر مطار ميامي الدولي، وذلك كوسيلة للحصول على معلومات عن مجمعات المخدرات في كولومبيا. وتقول صحيفة وول ستريت جورنال بأن الجنرال دافيلا قد أدخل إلى الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية ما مجموعه 22 طناً من المخدرات. ومع هذا، لم تطلب السلطات الأميركية إلى فنزويلا تسليمه لمحاكمته. فوق ذلك، وعندما أوقف دافيلا في فنزويلا، عام 2007، بتهمة التخطيط لاغتيال هيغو شافيز، كان ملف التهمة الموجهة إليه ما يزال محفوظاً في ميامي. ولا عجب في ذلك، فالرجل كان يتعاون مع سي آي إي.

غير أن شبكة المخدرات التي تديرها سي آي إي لا تقتصر على الولايات المتحدة وفنزويلا. فهذه الشبكة توسعت باستمرار خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فالحقيقة أن الولايات المتحدة سعت إلى ممارسة نفوذها في عدد من مناطق العالم، ولكن لم يكن بإمكانها، بوصفها دولة ديموقراطية، أن ترسل الجيش الأميركي إلى تلك المناطق. وعلى هذا قامت بإنشاء “جيوش إسناد” بتمويل من مهربي المخدرات المحليين. وشيئاً فشيئاً، أصبح هذا النمط العملاني قاعدة عامة. وهذه المسألة هي من الموضوعات الرئيسية التي أعالجها في كتابي “آلة الحرب الأميركية”. فقد درست فيه تحديداً “عملية بابر” التي أطلقت عام 1950 من قبل جيش تشكل من أنصار شانغ كاي شيك الفارين من الثورة الصينية إلى برمانيا حيث قاموا بتنظيم عمليات تهريب المخدرات في المنطقة. وعندما تبين أن هذا الجيش لم يكن فاعلاً بالمرة، عمدت سي آي إي إلى تشكيل قواتها الخاصة في تايلند. وقد اعترف الضابط المسؤول عن هذه القوات بأنها كانت تمول عملياتها من خلال ضبط كميات كبيرة من المخدرات.

ومن خلال عملهم على التوسع في تهريب المخدرات في جنوب شرق آسيا، شكل أنصار شانغ كاي شيك، بوصفهم جيشاً للإسناد، شكلوا سابقة لما سيصبح عادة معتمدة من قبل سي آي إي : التعاون السري ـ من أجل شن الحروب في الهند الصينية وبحر الصين الجنوبي خلال فترة الخمسينات والستينات والسبعينات ـ مع جماعات تحصل على التمويل بفضل المخدرات، ثم في أفغانستان وأميركا الوسطى في فترة الثمانينات، وبعدها في كولومبيا خلال فترة التسعينات، قبل العودة مجدداً إلى أفغانستان في العام 2001. ومن يقف وراء ذلك هي الدوائر التابعة لـ سي آي إي، أي الفرق المكلفة بإدارة العمليات السرية. ويمكننا أن نلاحظ منذ نهاية الحرب كيف أن عملاء هذه الدوائر الذين يحصلون على التمويل بفضل ما تحققه عمليات تهريب المخدرات من أرباح، ينتقلون من قارة إلى قارة لتنفيذ المهام وفق الترسيمة نفسها. وهذا ما يسمح لنا بالحديث عن وجود شبكة عالمية للمخدرات.

ـ فوق ذلك، تلاحظ في كتابك “آلة الحرب الأميركية” أن إنتاج المخدرات غالباً ما يزدهر في المناطق التي يتم فيها تدخل الجيش الأميركي و/أو أجهزة الاستخبارات الأميركية، وأنه يتراجع مع نهاية مثل هذه التدخلات. هل تعتقد، في ظل الانسحاب التدريجي لقوات الناتو، أن إنتاج المخدرات في أفغانستان سينخفض مع الانسحاب الكامل ؟

* من المهم أن نلاحظ في الحالة الأفغانية أن المنطقة الحدودية الأفغانية ـ الباكستانية قد أصبحت مركزية في تهريب الأفيون على المستوى الدولي خلال فترة السبعينات، وذلك بالتوازي مع انحسار التهريب في جنوب شرق آسيا. وخلال فترة الثمانينات، تعززت أنشطة سي آي إي بشكل واسع ولكن غير مباشر ضد الاتحاد السوفياتي في الحرب الأفغانية. وقد تباهى زبيغنيو بريجنسكي أمام الرئيس كارتر بكونه قد جعل للسوفيات “فييتنام خاصة بهم” في أفغانستان. ولكنه، نشر في الوقت نفسه وباء الهيرويين في الولايات المتحدة. فالواقع أن كميات ضئيلة من الأفيون كانت تنتقل من الهلال الذهبي إلى الولايات المتحدة قبل العام 1979. غير أن إحصاءات رسمية بينت أن 60 بالمئة من الهيرويين الذي دخل إلى الولايات المتحدة هو ممول رئيسي للحروب الاميركية
وكما ذكرت في كتابي “آلة الحرب الأميركية”، فإن التكلفة الاجتماعية لتلك الحرب التي تتغذى على المخدرات ما تزال ماثلة بتداعياتها حتى اليوم. على سبيل المثال، هنالك اليوم خمسة ملايين مدمن على الهيرويين في باكستان وحدها. مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قد كثفت في العام 2001، وبالتعاون مع جماعات التهريب، من المحاولات الهادفة إلى فرض عملية بناء قومي في معظم أرجاء ذلك البلد الذي يضم ما لا يقل عن اثنتي عشرة مجموعة إتنية كبرى تتكلم لغات مختلفة. ففي تلك الفترة، لم يكن هنالك أي غموض في نية الولايات المتحدة باستخدام مهربي المخدرات في مشروعها للتمركز في أفغانستان. فقد أنشأت سي أي إي تحالفاً خاصاً بها عام 2001 من أجل مواجهة طالبان من خلال تجنيد ـ وحتى استيراد ـ مهربي مخدرات سبق وتعاملوا معها في فترة الثمانينات. وكما في لاوس عام 1959، وأفغانستان عام 1980، شكل التدخل الأميركي نعمة لشركات المخدرات العالمية. فمع توسع الفوضى في المناطق الريفية الأفغانية وتسارع حركة النقل الجوي، ارتفع إنتاج الأفيون بمستوى يزيد على الضعفين، وذلك من 3276 طناً عام 2000 إلى 8200 طن عام 2007، بعد أن مقتصراً على 185 طناً عام 2001، أي عندما منع من قبل طالبان.

وقد بات من غير الممكن اليوم تحديد مسار تطور إنتاج المخدرات في أفغانستان. وإذا ما اكتفت الولايات المتحدة والناتو بالانسحاب وإخلاء المجال للفوضى، فإن الجميع سيتضررون من ذلك باستثناء المهربين الذين سيستفيدون من تلك الفوضى في أنشطتهم غير الشرعية. لذا، فإن التعاون ضروري بين أفغانستان وجميع البلدان المجاورة بما فيها روسيا والصين المجاورتين لبلدان آسيا الوسطى. وقد اقترح “المجلس الدولي للأمن والتنمية” شراء الأفيون الأفغاني واستخدامه للأغراض الطبية في بلدان العالم الثالث حيث الحاجة إلى ذلك ماسة جداً. لكن واشنطن تعارض هذا الإجراء الذي يصعب تنفيذه بسبب غياب نظام متين وفعال للمحافظة على الأمن. وأياً يكن الأمر، لا بد من إيجاد حل متعدد الأطراف تشارك فيه إيران التي تعاني بشكل كبير من تهريب المخدرات القادمة من أفغانستان. خصوصاً وأن إيران هي البلد الأكثر نشاطاً في مكافحة تصدير المخدرات الأفغانية والذي يتعرض لأكبر الخسائر البشرية بفعل أنشطة التهريب. وعلى هذا الأساس، لا بد من الاعتراف بإيران كحليف مركز في مكافحة هذا الوباء. ولكن المشكلة أن أسباباً أخرى تجعل الغرب يتعامل مع إيران كعدو.

ـ كتابك “آلة الحرب الأميركية” يبين تحديداً كيف أن قسماً مهماً من عائدات المخدرات يغذي النظام المصرفي العالمي، ومنه مصارف الولايات المتحدة، ليشكل بذلك “اقتصاد مخدرات” حقيقي. كيف تنظرون من هذا المنظور إلى قضية “اتحاد مصارف هونغ-شنغهاي” البريطاني (إتش إس بي سي) ؟

* قبل كل شيء، تقودنا فضيحة تبيض الأموال من قبل شبيسي إلى الاعتقاد بأن استخدام أرباح المخدرات من قبل هذا المصرف يمكنه أن يكون قد أسهم في تمويل الإرهاب، على ما كشفته إحدى لجان مجلس الشيوخ الأميركي في تموز / يوليو 2012. فوق ذلك، ذكر تقرير جديد صادر عن مجلس الشيوخ أن “ما بين 300 مليار دولار و1000 مليار دولار تأتي من مصادر إجرامية يتم تبييضها سنوياً من قبل مختلف مصارف العالم، وأن نصف هذه الأموال تمر عبر مصارف في الولايات المتحدة”. وفي هذا السياق، تشرح لنا المصادر الحكومية أن “إتش إس بي سي” لن يصار إلى تفكيكه لأنه أكثر من مهم في الهندسة المالية الغربية. وهنا، لا بد من أن نتذكر أن آنطونيو ماريا كوستا، مدير “مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والجريمة” قد أكد “أن المليارات التي تتحصل من المخدرات حالت في العام 2008، لحظة وصول الأزمة المالية العالمية إلى ذروتها، دون انهيار النظام المالي العالمي”.
لقد اتفق “إتش إس بي سي” مع وزارة العدل الأميركية على أن يدفع غرامة بمقدار 1،92 مليار دولار لتجنب ملاحقته قضائياً. وهكذا، نفهم من حكومة الولايات المتحدة أن أحداً لن تتم ملاحقته بسبب هذا النوع من الجرائم، لأن هذا المصرف يشكل، كما ذكرت آنفاً، جزأً لا يتجزأ من النظام المالي. إنه اعتراف حاسم. ففي الواقع، أن جميع المصارف الكبرى ذات الأهمية بما هي متكاملة مع النظام، وليس “إتش إس بي سي” وحده، قد أقرت بأنها أقامت فروعاً خاصة جرى تصميمها لتبييض المال الوسخ (المصارف الخاصة). بعضها دفع غرامات باهظة لكنها تظل في العادة أقل بكثير مما تحققه من أرباح عن طريق تبييض الأموال. ومهما بقيت هذه المخالفات بمنأى عن المحاسبة، فإن النظام سيستمر بالعمل على هذا المنوال. إنها فضيحة حقيقية. تصوروا شخصاً عادياً يتم إيقافه وبحوزته بضعة غرامات من الكوكايين. من الأرجح أنه سيسجن، لكن “إتش إس بي سي” يمكنها أن تقوم بتبييض حوالي 7 مليارات دولار من عائدات المخدرات عن طريق فرعها المكسيكي دون أن يسجن أحد. ففي الواقع، تشكل المخدرات أحد العناصر الرئيسية الداعمة للدولار. ومن هنا جاءت عبارة “ناركونومي” (اقتصاد المخدرات).

إن السلع الثلاث الأولى التي يجري تبادلها في التجارة العالمية هي البترول ثم الأسلحة والمخدرات، وهذه العناصر متصلة ببعضها البعض، وهي ما يغذي المصارف بالطريقة ذاتها، وهذا ما يفسر استيعاب النظام المصرفي العالمي لمعظم أموال تجارة المخدرات. ولهذا السبب بينت في كتابي “آلة الحرب الأميركية” كيف أن قسماً من عائدات المخدرات يستخدم في تمويل بعض العمليات العسكرية السرية التي تنفذها الولايات المتحدة، كما قمت بتحليل تداعيات ذلك.

ـ منذ عشر سنوات، شنت إدارة بوش حربها على العراق دون المرور بمجلس الأمن الدولي. ما هي النتائج التي استخلصتموها من هذه الحرب، تحديداً من زاوية تكلفتها البشرية والمالية ؟

* بنظري، هنالك كارثتان كبيرتان في السياسة الخارجية التي اعتمدها الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة. هاتان الكارثتان هما حرب فييتنام التي لم تكن ضرورية، وحرب العراق التي كانت أقل من ضرورية. كان الهدف المعلن لحرب العراق هو إقامة الديموقراطية في هذا البلد، الأمر الذي لم يكن غير وهم حقيقي. فالشعب العراقي هو وحده من يقرر إذا ما كان يعيش حالياً في ظروف أفضل مما كانت عليه قبل الحرب. وأنا أشك في أنه سيجيب بـ “نعم” فيما لو تمت مشاورته حول هذا الموضوع.
كانت هذه الحرب كارثة من زاوية تكلفتها البشرية والمالية، وذلك بالنسبة لكل من العراق والولايات المتحدة. غير أن نائب الرئيس السابق، ديك تشيني، صرح مؤخراً بأنه كان سيعود إلى فعل الشيء نفسه “في هذه الدقيقة”. والواقع أن الفاينانشال تايمز قد ذكرت مؤخراً أن عقوداً وقعت من قبل متعاقدين مع حكومة الولايات المتحدة بأكثر من 138 مليار دولار في إطار إعادة إعمار العراق

الحرب على العراق .. مشروع القرن الأميركي الجديد
وحدها شركة “كيلوغ براون وروت”، وهي أحد فروع هاليبورتن التي كان يرئسها ديك تشيني قبل أن يصبح نائباً للرئيس، وقعت عقوداً فيدرالية بما لا يقل عن 39،5 مليار دولار منذ العام 2003. ولا بد من أن نتذكر أيضاً أن ديك تشيني ودونالد رامسفيلد قد وقعا نهاية العام 2000، أي قبل عام من 11/9، على دراسة هامة تم إعدادها من قبل جماعة الضغط التابعة للمحافظين الجدد والتي تحمل اسم “مشروع القرن الأميركي الجديد”. والدراسة المذكورة تحمل عنوان “إعادة بناء الدفاعات الأميركية” وتطالب تحديداً بإضافة زيادة كبيرة على موازنة الدفاع، وبقلب نظام الحكم في العراق، وبإبقاء الجيوش الأميركية في منطقة الخليج الفارسي حتى بعد سقوط الدكتاتور العراقي.
وبالرغم من التكلفة البشرية والمالية للحرب على العراق، فإن بعض الشركات الخاصة قد حققت فوائد ضخمة من هذه الحرب، كما شرحت في كتابي “آلة الحرب الأميركية”. وأخيراً عندما نلاحظ التوترات الحادة في الشرق الأدنى، بين الشيعة المدعومين من إيران والسنة المدعومين من المملكة العربية السعودية وقطر، لا يجب أن ننسى أن الحرب على العراق لعبت دوراً كبيراً في زعزعة هذه المنطقة.

ـ بالمناسبة، ما هي وجهة نظرك حول الوضع في سوريا والحلول الممكنة لهذا الصراع ؟
* بالنظر إلى الوضع المعقد في هذا البلد، ليست هنالك إجابة بسيطة حول ما ينبغي فعله في سوريا، أقله على المستوى المحلي. مع هذا، أنا مقتنع بما أنا ديبلوماسي سابق، أننا بحاجة إلى توافق بين القوى الكبرى. فروسيا تصر على ضرورة التمسك باتفاق جنيف. لكن هذا ليس موقف الولايات المتحدة التي سبق لها أن تجاوزت قرار مجلس الأمن بخصوص ليبيا، والتي تحاول الآن كسر إمكانية التفاهم بخصوص سوريا. ذلك ما لا ينبغي فعله بنظري لأن التوافق الدولي ضروري، وإلا فإنه من الممكن للحرب بالوكالة بين الشيعة والسنة في الشرق الأدنى أن تجر السعودية وإيران إلى المواجهة. وهذا قد يجر إلى مواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا. فقد نشبت الحرب العالمية الأولى بهذه الصورة حيث أن شرارتها كانت حدثاً محلياً في البوسنة. والحرب العالمية الثانية بدأت بحرب بالوكالة في إسبانيا. يمكننا ويتوجب علينا أن نتجنب تكرار مثل هذه المآسي.

ـ ولكن ألا تعتقدون بأن الولايات المتحدة تسعى اليوم، على العكس من ذلك، إلى التفاهم مع روسيا، بشكل أساسي من خلال ديبلوماسية جون كيري ؟
* لكي أجيبك، اسمح لي بأن ألفت إلى التشابه بين ما جرى في أفغانستان وآسيا الوسطى، خلال فترة التسعينات، بعد الانسحاب السوفياتي. المشكلة التي تتردد كثيرا في الولايات المتحدة تتعلق بصعوبة التوصل إلى توافق داخل الحكومة، بسبب وجود الكثير من الوكالات التي تسعى إلى تحقيق أغراض متعارضة. ينجم عن هذا عدم وجود إمكانية للتوصل إلى سياسة متماسكة وموحدة، وهذا تحديداً ما لاحظناه على مستوى أفغانستان في العام 1990.
كانت وزارة الخارجية الأميركية تريد التوصل بأي ثمن إلى اتفاق مع روسيا، لكن سي آي إي كانت تواصل العمل مع حلفائها تجار المخدرات و/أو الجهاديين في أفغانستان الذين لم يكن في نيتهم إنهاء هذا التعاون. وبالتالي، كان هنالك، إلى حد ما، نوع من التنافس في أفغانستان بين وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات. وفي تلك الفترة، أصاب ستروبي تالبوت، وهو صديق مقرب للرئيس كلينتون، وكان يمثله في وزارة الخارجية، عندما صرح بأن على الولايات المتحدة أن تتوصل إلى اتفاق مع روسيا في آسيا الوسطى، لا أن تنظر إلى تلك المنطقة على أنها “رقعة شطرنج كبيرة” نستطيع فيها، وفق مفهوم زبيغنيو بريجنسكي، أن نحرك الأحداث بالشكل الملائم لنا. إلا أن سي آي إي والبنتاغون كانا يعقدان في الوقت نفسه اتفاقات سرية مع أوزبكستان، وهذه الاتفاقات نسفت كل ما كان يسعى ستروبي إلى تحقيقه. وأنا لا أعتقد اليوم بأن مثل هذه الانقسامات الداخلية بين الأجهزة الديبلوماسية والأمنية في الولايات المتحدة قد تلاشت.
على أي حال، فإن عقيدة وولفوويتز التي اعتمدت اعتباراً من العام 2001، كانت تدعو منذ العام 1992 إلى إحكام السيطرة الأميركية الكاملة على العالم. بموازاة ذلك، سعت عناصر أكثر اعتدالاً في وزارة الخارجية إلى إيجاد حلول سلمية وتفاوضية عن طريق الأمم المتحدة. إلا أنه من غير الممكن التفاوض من أجل السلام في وقت ندعو فيه إلى السيطرة على العالم بالقوة العسكرية. ولسوء الحظ، كانت الغلبة في معظم الأحيان للصقور المتشددين، وذلك لسبب وجيه وبسيط هو استئثارهم بالميزانيات الأكبر، الأمر الذي أسهم في تعزيز آلة الحرب الأميركية. فالواقع أن التوصل إلى تسويات ديبلوماسية يفضي فوراً إلى تضاؤل ميزانيات الصقور، وهذا ما يفسر كون أسوأ الحلول هي ما تتجه نحو الهيمنة على السياسة الخارجية الأميركية. وهذا ما قد يمنع التوصل، تحديداً، إلى توافق ديبلوماسي بين الولايات المتحدة وروسيا حول الصراع السوري.

Raiseau Voltaire

قواعد واشنطن: مسار أميركا إلى الحرب الدائمة

المميز

شغل مستقبلُ القوة الأميركية المفكرين منذ عقود، خاصة عقب سقوط الاتحاد السوفياتي، وانتقال العالم إلى نظام الأحادية القطبية وسيطرة الولايات المتحدة. ومن أهم المؤلفات الصادرة منذئذ حول الموضوع كتاب المؤرخ بول كينيدي -أستاذ التاريخ بجامعة ييل الأميركية- بعنوان «قيام وسقوط القوى العظمى» وقد أكد من خلاله أن تصاعد تكاليف الإمبراطوريات بما يتجاوز عوائدها يؤدي لسقوطها، وكتاب جوزيف ناي -أكاديمي ومسؤول سابق بالبنتاغون- «حتمية القيادة الأميركية» الذي طرح مفهوم الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية، وأنها بخصائصها اللينة تستطيع الاستمرار رغم تغير معطياتها الداخلية وظروف العالم الموضوعية. وتناول المسألة أيضا المؤرخ الاقتصادي البريطاني نيال فيرغسون في كتابه «الصنم: قيام وسقوط الإمبراطورية الأميركية» حيث بدا متشائما إزاء مستقبل القوة الأميركية مقارنة بكتبه المبكرة، نظرًا لعدم عقلانية السلوك الاقتصادي الأميركي في العقود الماضية وسيره نحو الفوضى، خاصة في أعقاب الأزمة المالية الأميركية العالمية أواخر عام 2008. وقدم الاقتصادي الأميركي جوزيف ستغلتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد والأستاذ بجامعة كولومبيا رؤيته في كتاب «السقوط إلى الهاوية» وهو عنوان واضح الدلالة على مستقبل الرأسمالية وقلعتها.

وقد رأى مفكرون أميركيون أن علة التجربة الأميركية مشروعها الإمبراطوري، الذي يمثل نقيضا لمشروعها كجمهورية «أرض الأحرار» و« دار الشجعان»، حيث تمارس نفوذها عالميًا بالمثال الديمقراطي وقيم الحرية وتقرير المصير. لكن الجذور الأولى للمشروع الأميركي حملت ملامح المشروع الإمبراطوري التوسعي التدخلي. فالدستور يعطي الرئيس صلاحيات شبه إمبراطورية، والروح الأميركية التي تستلهم «الوعد الإلهي» و«أرض الميعاد» وتمثلات أمة الإيمان و «مدينة على جبل» في العهد القديم، تكرس الطبيعة التوسعية للمشروع الأميركي. ويتفاقم الأمر بنزعة التدخل القائمة على فكرة خطرة بالوجدان الأميركي تقول بفردانية وتميز الثورة الأميركية وأنها الثورة الشرعية الحقة، وبارتباط قيام الولايات المتحدة بدور هام لها في الأجندة الإلهية ومصير البشرية.

وهناك أكثر من مشروع وجهد فكري لدراسة المشروع الإمبراطوري الأميركي منذ تسعينات القرن الماضي، من بينها كتاب السياسي المحافظ والمرشح الرئاسي الجمهوري السابق باتريك بيوكانن؛ ومؤلفات المفكر والأكاديمي الراحل تشالمرز جونسن (1931-2010) وهو الأبرز بهذا المجال. فقد شارك بتأسيس «مشروع الإمبراطورية الأميركية» البحثي، وله مؤلفات أخرى مثل: «النكسة: تكاليف وعواقب الإمبراطورية الأميركية» و«أحزان إمبراطورية: النزعة العسكرية، والسرية، ونهاية الجمهورية»؛ و«أيام الجمهورية الأميركية الأخيرة». وشارك بتأسيس هذا المشروع المفكر توم إنغلهارت، ويصدر نشرة فكرية، ونشر له: «نهاية ثقافة النصر: أميركا الحرب الباردة وخيبة أمل جيل»؛ و«الطريقة الأمريكية في الحرب: كيف أصبحت حروب بوش حروبا لأوباما»، وضمت صفحة تقريظ الأخير أسماء المفكرين المعارضين للنزعة الإمبراطورية مثل آدم هوتشايلد، ريبكا سولنِت، جوان كول، ووفي صدارتهم أندرو باسيفيتش مؤلف الكتاب الذي نعرضه. ويلاحظ أن هؤلاء المفكرين تتفاوت مواقفهم الفكرية بين محافظ وليبرالي ويساري، لكنهم لا يتمتعون بالقبول في الأوساط الصهيونية، خاصة اللوبي الإسرائيلي وأنصاره بالكونغرس والبيت الأبيض.

مبدأ حديقتنا أولا

مؤلف الكتاب أندرو باسيفيتش أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن، وعقيد متقاعد من الجيش الأميركي. وهو مؤلف كتاب «النزعة العسكرية الأميركية الجديدة»، ولديه كتب أخرى. ونشرت دراساته بمجلات مثل «فورين أفيرز» و«أتلانتيك منثلي» و«نيشن»، وصحف مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال».

يقول باسيفيتش إن العالم -كما يقال باستمرار- أصبح أصغر من أي وقت مضى، وأكثر تعقيدا وخطورة. لذلك يصبح ضروريا للدولة أن تكثف الجهود المبذولة «للحفاظ على أمن أميركا» ودعم قضية السلام العالمي في آن واحد. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف أن تخصص الولايات المتحدة مزيدا من الأموال لوزارة الدفاع لتطوير وسائل جديدة للحصول على القوة، ولتكون متأهبة لحملات جديدة تعتبر ضرورية لإحلال السلام (أو لتحرير) أحد الأماكن المضطربة في العالم. ويمكن ببعض الصعوبة حساب تكلفة هذه الجهود، حيث تصرف مليارات الدولارات، لتضاف سنويا إلى الدَيْن القومي، وعدد الجنود الأميركيين القتلى والجرحى.

وضمن مستوى أعمق، نجد أن التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية والإنسانية الناجمة عن سياسات واشنطن الإمبراطورية والتدخلية أضخم وأفدح من أن يتم قياسها. فهناك عائلات مزقها فقدان أحد أفرادها؛ وجنود يحملون ندوب القتال الجسدية أو النفسية؛ واستمرار بيروقراطية ثقيلة الوطء تقتات على جو السرية والمواراة والخداع الصريح وتشويه الأولويات القومية. حيث تمتص كبريات الشركات والمصالح الصناعية العسكرية الموارد القومية وتحرفها عن الضرورات والأولويات، بالإضافة إلى التدمير البيئي الذي يأتي نتاجا ثانويا للحرب والاستعداد لها؛ وإضعاف ثقافة الحياة المدنية لصالح عسكرة المجتمع. وينتج هذا عندما يتحمل الجنود وحدهم أعباء شن الحروب الدائمة، بينما تدعي غالبية المواطنين تبجيلهم، حتى لو كانوا يتجاهلونهم أو ينتفعون بخدمتهم.

المبرر الذي يمكن تقديمه في هذا السياق هو أن واجبات قيادة الولايات المتحدة العالمية تتطلب أن تتولى بنفسها معالجة مشكلات تعاني منها باكستان واليمن والصومال، بالقدر الذي يفرض عليها التصدي لمشكلات تعاني منها أفغانستان والعراق. وبينما هناك أدلة قليلة تشير لاحتمال جدوى هذه الجهود، لا دليل مطلقا يشير إلى أن جهود أميركا ستدعم السلام العالمي. أما إن كان هدف واشنطن الحقيقي -كما يظن كثيرون- أقرب للسيطرة والهيمنة، فسنجد أدلة وفيرة تظهر أنه مشروع هزيمة للذات.

يتساءل منتقدو السياسات الأميركية عن جدوى محاولة إعادة تشكيل العالم قسرا على صورة أميركا. فهم يعتقدون أن مجرد المحاولة مسعًى فاسدٌ وشكل إمبريالي ونزوع نحو العسكرة، مما يقوض المؤسسات الجمهورية بالبلاد. ليس هذا رأي حزب واحد، بل هنالك وجهات نظر كثيرة تتبنى هذا الرأي، وتصر على أنه إذا ما كان للولايات المتحدة مهمة ما، فهي أن تكون نموذجا للحرية لا أن تفرض هذا النموذج.

ومن المعارضين جورج كينان الدبلوماسي الشهير الذي تحول لاحقا إلى مؤرخ، وهو محافظ ثقافيا، وكذلك السيناتور وليم فولبرايت ليبرالي عالمي التوجه. وهناك أيضا الناقد الاجتماعي المؤثر كريستوفر لاش، وهو يقدم نفسه كمفكر راديكالي، وأيضا مارتن لوثر كنغ، الذي يمكن القول إنه الشخصية الأخلاقية الأكثر تأثيرا في القرن الأميركي الماضي.

كتب كينان إلى أحد معارفه أثناء الحرب الكورية قائلا إن الأميركيين يعرضون بلادهم ومصالحهم للأذى لفترة طويلة جدا. وكان قد كتب «يبدو لي أن بلدنا تشوهه عيوب كثيرة -بعضها خطير جدا- ونحن مدركون لوجودها بشكل شامل، لكننا نفتقر إلى التصميم وقوة المجتمع المدني اللازمين لتصحيحها»، وهنا الخطر الحقيقي. وأضاف أن «ما يجب أن يكون على المحك هو واجبنا تجاه أنفسنا وتجاه مُثلِنا القومية». وفي إحدى محاضراته قبل فترة، عاد كينان إلى هذا الموضوع حيث قال إن المراقبين من الخارج يرون أميركا بلا هدف اجتماعي ملموس أعلى من الإثراء الذاتي للفرد، حيث يحدث هذا الإثراء أولا في سلع مادية وأدوات تثار الشكوك حول فائدتها في تحقيق رضا أعمق بالحياة، وهذه رؤية تفشل في بث الحماسة والثقة في المستقبل.

وكان كينان يؤمن أنه بدلا من الهوس بشأن الخطر الذي يمثله الاتحاد السوفياتي، تحتاج الأمة الأميركية لترتيب بيتها من الداخل، بإظهار القدرة على رعاية «علاقة سليمة حقيقية بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان ونفسه». يمكن للأميركيين «عندها وللمرة الأولى أن يكون لديهم ما يقولونه للناس في أي مكان آخر»، وربما يصيرون أيضا «مصدر إلهام للآخرين».

بعد عِقد على مقولات كينان، وفي خضم حرب أخرى مثيرة للشكوك، يقيّم السيناتور فولبرايت تداعيات الاعتقاد بأن رخاء ورفاه الولايات المتحدة نفسها يتطلب التدخل المستمر بشؤون الدول. فكتب أنه «ليس واجبًا ولا حقًا للولايات المتحدة أن تصنف مشكلات العالم بأن حلها يحتاج لتطبيق قواعد واشنطن». وكتب فولبرايت -رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ- أنه «تحدث أشياء كثيرة بأماكن كثيرة، وهي إما أنها لا تخصنا أو تعنينا أو هي على أي حال خارج نطاق قوتنا أو مواردنا أو حكمتنا». لقد مضى وقت طويل جدًا بالنسبة للولايات المتحدة لتكرّس نفسها فقط لفعل الخير في العالم، سواء بالجهود المباشرة أو بقوة القدوة والمثال الذي تقدمه. وأن تتخلى عن «فكرة التبشير الحافلة بمزاعم كونها شرطيَّ العالم».

ووافقه على ذلك كريستوفر لاش الذي قضى عشرات السنين في تشريح الثقافة الأميركية بجرأة، قائلا إن «الوعد الحقيقي الذي تقدمه الحياة الأميركية نجده في الأمل في أن تكون الجمهورية التي تمثل مصدرا لإلهام بقية العالم أخلاقيًا وسياسيًا، وليست مركزا لإمبراطورية العالم الجديدة».

وذهب مارتن لوثر كنغ أبعد من ذلك. ففي خطابه ربيع عام 1967، عن الحرب في فيتنام، أصر على أن الوقت حان «لكل من لديهم ضمير كي يدعوا أميركا للعودة إلى الوطن». وقبل أن تحاول أميركا إنقاذ الآخرين، ينبغي لها الاعتراف بخطاياها وأوجه قصورها وتصحيحها.

وبالنسبة لأي من هؤلاء الرجال، فإن العودة إلى الوطن لا تعني السلبية أو العزلة. إنها تعني إعادة النظر في الأولويات القومية. وطغيان النزعة العسكرية على السياسة الأميركية، والمتمثلة قبل كل شيء بحرب فيتنام، حوّل انتباه البلاد عن مواصلة دعوتها الحقيقية. فلا يزال العمل الشاق لتكوين مجتمع حر أبعد ما يكون عن الانتهاء. ولن تتمكن الولايات المتحدة من التعامل مع ما أشار إليه مارتن لوثر كنغ بـ«الثالوث العملاق: العنصرية، والمادية، والعسكرة»، إلا بالابتعاد عن الحرب.

يستحق المبدأ الأساسي الذي يؤمن به كل من هؤلاء الرجال أن يجدد فيه النظر اليوم، وهذا المبدأ هو أحد أشكال القناعات التي وضعها لأول مرة المؤسسون لمبدأ “زراعة حديقتنا أولا». وجوهر هذا المبدأ هو أن تحقق أميركا ذاتها وتتمثل قيمها التأسيسية، وتسعى لإنجاز التطلعات التي تمت صياغتها في إعلان الاستقلال والدستور الأميركي، بحسب تأويلاتها المتواترة والمتتابعة لاحقا، وفي ضوء خبرات تم اكتسابها.

ومن ثم فإن الهدف السليم للسياسة الأميركية ليس تخليص البشرية أو فرض نظام عالمي محدد، ولا العمل شرطيًا لكوكب الأرض بقوة السلاح. بل إتاحة الفرصة للأميركيين لتأكيد حقهم في تحديد اختياراتهم وغاياتهم وسعيهم لإقامة اتحاد أفضل في بلادهم. وأي سياسة تعرقل هذا المشروع، كما تفعل الحرب المفتوحة، تعد سياسة ضالة وخبيثة.

ومن خلال إظهار جدوى تأسيس منهج للحياة قائم على القيم الإنسانية الليبرالية، قد تساعد الولايات المتحدة على إضاءة الطريق أمام من يسعون إلى الحرية. أو كما صاغها راندولف بورن بقوله إن «التحول في الداخل أساسي لنتمكن من العطاء بدون مقابل». إلا أن سمة «العطاء بدون مقابل» تعد فائدة إضافية- مكافأة- وليست الغاية المركزية للحياة الأميركية.

وإذا كانت الولايات المتحدة لديهامهمة إنقاذ، فهي قبل كل شيء إنقاذ نفسها. وفي هذا الشأن، تحتاج قائمة الشرور (العنصرية والمادية والعسكرة) التي سجلها الدكتور مارتن لوثر كنغ إلى شيء من التغيير والتبديل. إن عدد الخطايا التي تتطلب التكفير عنها حاليا يتجاوز الثلاث خطايا. ومع ذلك فإن كنغ -بإصراره أن على أميركا شفاء روحها أولا- يظل اليوم هو الحكيم الذي يحسن الأميركيون صنعا بالإصغاء إليه.

الثالوث البديل

بحسب باسيفيتش، هنالك أيضًا تقليد بديل يمكن للأميركيين أن يلوذوا به، إذا ما اختاروا ذلك. و يرجع هذا المبدأ إلى أصول الجمهورية المضادة للإمبريالية، التي كاد يطويها النسيان. و يتلخص هذا المبدأ في شعار «لا تعبث بمصيري»، وهو تقليد يحث على عدم السعي لإثارة المشكلات، لكن يصر على منح الآخرين الاحترام الواجب للولايات المتحدة. وليتم تحديثه بما يتناسب مع العصر الحالي، يمكن ترجمة هذا الشعار إلى البديل التالي للثالوث المقدس الذي شخّصه مارتن لوثر كنغ.

أولاً: إن غاية الجيش الأميركي ليس محاربة الشر أو إعادة تشكيل العالم، بل الدفاع عن الولايات المتحدة ومصالحها الأكثر حيوية. ومع أن القوة العسكرية تظل ضرورية، لكنها بذاتها ليست جيدة ولا مرغوبة. فأي دولة تُعرّف نفسها من خلال هيمنتها العسكرية، تضع نفسها على طريق الهلاك، وهو ما أدركته الأجيال السابقة من الأميركيين بالفطرة. أما التفوق العسكري، فإن الدروس المستفادة بشأنه من الماضي واضحة تماما، فهو وهم والسعي وراءه دعوة للفساد. لذلك، ينبغي للولايات المتحدة الحفاظ فقط على القوات اللازمة لإنجاز مهمة الدفاع الأساسية للمؤسسة العسكرية.

ثانيًا: موقع العمل الرئيسي للجندي الأميركي هو أميركا. ولا ينبغي للجيش الأميركي أن يتحول إلى شرطي في العالم أو قوة احتلال. إلا أن أسبابا عديدة قد تستدعي إقامة وجود عسكري بالخارج مؤقتًا. وبدلا من أن يصير هذا هو القاعدة، وجب على الأميركيين أن يعتبروا ذلك شذوذًا يستلزم نقاشًا عامًا وتفويضًا مسبقًا من الكونغرس. ويُعد تفكيك الشبكة الواسعة من قواعد البنتاغون العسكرية القائمة عملية طويلة. حيث ينبغي إعطاء أولوية التفكيك لمناطق جغرافية يكلف فيها الوجود الأميركي كثيرًا ويحقق قليلاً. ووفقا لهذه المعايير، ينبغي للقوات الأميركية الانسحاب فورًا من الخليج ووسط آسيا.

ثالثًا: اتفاقًا مع مبدأ الحرب العادلة، ينبغي للولايات المتحدة عدم استخدام القوة إلا عندما تكون هي الحل الأخير، على أن يكون هذا في حالة الدفاع عن النفس فقط. أما مبدأ الرئيس السابق بوش (الابن) الخاص بالحرب الوقائية -يحق للولايات المتحدة منح نفسها حقًا حصريًا باستخدام القوة ضد تهديدات مزعومة حتى قبل تجسد هذه التهديدات- فهو مبدأ غير مقبول أخلاقيًا واستراتيجيًا، وهو النقيض الفعلي للحكمة السياسية المستنيرة. لقد فرض جورج بوش (الابن) هذا المبدأ مسبقًا ليبرر غزوًا مضللاً بلا ضرورة للعراق عام 2003. ولا يزال هذا المبدأ ينتظر إلغاء صريحًا من سلطات واشنطن. وعلى الولايات المتحدة ألا تشن مرة أخرى «حرب اختيار» في ضوء أوهام تقول إن العنف يوفر طريقًا مختصرًا لحل تعقيدات التاريخ.

وعندما يصبح هذا الثالوث البديل أساسًا لصنع السياسة بواشنطن، ستليها تغيرات هائلة في موقف الأمن القومي للولايات المتحدة. وسيتم حينها خفض الإنفاق العسكري بشكل ملموس؛ وسيتقلص تواجد وزارة الدفاع الأميركية عالميًا، وستنخفض أرباح مصانع الأسلحة، كما ستغلق الشركات «الاستشارية» بمحيط واشنطن -والتي تقدم خدماتها للحكومة- أبوابها. كما ستتضاءل صفوف مراكز الأبحاث المتخصصة بشؤون الدفاع. وستضيِق هذه التغيرات بدورها مجال الخيارات المتاحة لاستخدام القوة، وستلزم صناع السياسات بمزيد من ضبط النفس إزاء التدخل في الدول الأخرى. ومع التخلص من تخصيص موارد لإعادة إعمار بغداد أو كابول، فإن قضية إعادة إعمار كليفلاند وديترويت قد تجذب أخيرًا الاهتمام.

اختيار

كان الرئيس ليندون جونسن يأمل أن يكون الإرث الذي يتركه، برنامج الإصلاح الداخلي الطموح المعروف بـ«المجتمع العظيم». لكن بدلاً من ذلك، ترك جونسن لخلفه أمة منقسمة بمرارة، تعاني مشكلات كثيرة ويشيع فيها التشاؤم. وكان اتباع نهج مختلف سيتطلب من جونسن الخروج عن قواعد واشنطن. حيث افتقد جونسن كغيره من الرؤساء الشجاعة اللازمة لذلك.

هنا يكمن المغزى الحقيقي -وربما المأساوي أيضا- في قرار الرئيس باراك أوباما، خلال سنته الرئاسية الأولى، بتصعيد الجهد الحربي الأميركي بأفغانستان. وعندما أبقى أوباما روبرت غيتس وزيرًا للدفاع وعيّن جنرالاً مستشارًا للأمن القومي وآخر مديرًا للمخابرات، أكد أنه لا يفكر في التحول عن النمط القائم لسياسات الأمن القومي، بقصد أو بغير قصد. فقد قدم الرئيس بهذه القرارات ولاءه الكامل لـ«إجماع واشنطن»، وأزال أي شكوك عالقة بشأن استمرارية هذا الولاء.

وبرر أوباما في خطابه الذي ألقاه مطلع ديسمبر/ كانون الأول عام 2009— حين شرح لطلاب أكاديمية «ويست بوينت» العسكرية أسبابًا تجعله يشعر بضرورة توسيع حرب دخلت عامها التاسع أنه «كما لم تفعل أي دولة أخرى، تعهدت الولايات المتحدة بضمان الأمن العالمي لأكثر من ستة عقود، وهو وقت شهد انهيار الأسوار وفتح الأسواق وإنقاذ الملايين من الفقر، وتقدمًا علميًا غير مسبوق، وآفاقا متقدمة لحرية الإنسان». وأراد أوباما أن يعرف الجميع أنه بإرسال قوات إضافية بعشرات الآلاف للقتال بأفغانستان، تستكمل إدارته عملاً بدأه أسلافه، وأن سياساتهم سياساته.

العقود الستة التي أشار إليها أوباما في تقديمه الذي يجمل التاريخ الحديث ببراعة، هي سنوات صعود العقيدة الأميركية والثالوث الأميركي المقدس (العنصرية والمادية والعسكرة) إلى موقع تفوق وسيطرة بلا جدال. هذا ما فعله الرئيس الذي جاء إلى السلطة متعهدا بتغيير طريقة عمل واشنطن، لقد أعرب عن نيته في إبقاء هذا العنصر بالغ الأهمية والموروث من الإدارات السابقة دون مساس. ومثل جونسن الذي تبنى أجندة إصلاح داخلي جريئة، لكنه اضطر للتوافق مع الواقع القائم، اختار أوباما أيضا التوافق مع إجماع واشنطن.

ويتضح أن أي تصوّر حول تسامح واشنطن مع أي منهج يعيد التفكير بقواعد واشنطن، يعد مشاركة في الخداع المتعمد للذات. فواشنطن لديها الكثير لتخسره إذا فعلت ذلك. وإن كان للتغيير أن يأتي يومًا، فيجب أن يأتي من الشعب. وطالما لم يدرك الأميركيون الحقيقة، فستستمر واشنطن في طريقها.

لذلك فإن الحاجة إلى التعليم -استدعاء الأميركيين لتحمل مسؤوليات المواطنة الفاعلة المرتبطة بقضايا الأمة- أصبحت حاجة ماسة. وبالنسبة لباسيفيتش، فقد صار التعليم ممكنًا منذ زمن طويل. أما مواجهة الأوهام (بما فيها أوهامه الشخصية) -وتشريح المتناقضات المحيطة بالسياسة الأميركية- فهي عملية مؤلمة وصعبة. لكنها تضمنت لحظات ابتهاج عظيم، كما حررته من الأوهام. إن الوعي الذاتي والقدرة على رؤية الأشياء هبة عظيمة.

يعتقد المؤلف أن على الأميركيين اليوم أن يحسبوا حساب التعارض متفاوت النسب والأقدار. فمن خلال وعودها بالازدهار والسلام، تدفع قواعد واشنطن بالولايات المتحدة نحو الحروب المتواصلة والإفلاس. وفي الأفق يلوح حطام سفينة أسطورية. ويرى أن الاعتراف بالخطر الذي تواجهه البلاد يعني أن نجعل التعليم ممكنًا، وربما تغيير المسار ممكنًا أيضًا. أما تجاهل الخطر بشكل إرادي فيعني التواطؤ على تدمير ما يعلن معظم الأميركيون اعتزازهم به. نحن أيضا علينا أن نختار، بحسب باسيفيتش

المصدر:مركز الرافدين

بقلم: المهدي داريوس ناظم روايا/ ————- الحلف الأطلسي و إسرائيل أدوات أمريكا للحرب في الشرق الأوسط

المميز

الحلف الأطلسي و إسرائيل أدوات أمريكا للحرب في الشرق الأوسط
المهدي داريوش ناظم رعایا / المهدي داريوس نازيمروايا
دور الحلف الأطلسي في حروب الشرق الأوسط الشرق

أضحى الحلف الأطلسي أداة لدعم الأهداف البريطانية الأمريكية والفرنسية الألمانية. ورغم خلافات داخلية بين أعضائه، فإن مصالح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل ـ التي أضحت تعامل منذ ٢٠٠٥ كعضو فعلي في الحلف ـ ترتبط بشكل وثيق داخله.

عسكرة الخليج العربي والمشرق طرف القوات الأجنبية

تمت عسكرة الشرق الأوسط منذ نهاية السبعينيات على مرحلتين متباينتين؛ فكانت الأولى بريطانية- أمريكية، انطلقت مع الحرب بين العراق وإيران، وتمثلت الثانية في جهد موحد للحلف الأطلسي، ولفرنسا وألمانيا فيها دور مركزي.
ورغم أن عسكرة المشرق قد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء إسرائيل، فإن الحلف الأطلسي لم يكن له دور واضح في هذا المسلسل إلا منذ إطلاق ” الحرب العالمية على الإرهاب” سنة ٢٠٠١.

“باريس وبرلين تكشفا دورهما في “الحرب العالمية على الإرهاب”

منذ انطلاق “الحرب العالمية على الإرهاب،” ساند الاتحاد الأوروبي بشكل فعلي، تابعا في ذلك فرنسا وألمانيا، السياسة الخارجية البريطانية ـ الأمريكية. وأسفر ذلك عن انتشار واسع النطاق لوحدات الحلف الأطلسي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ويرتقب أن يضطلع كل من الحلف الأطلسي وإسرائيل بمسؤوليات أكبر في حال اندلاع مواجهات إقليمية مستقبلية مع إيران وسوريا. وهذا واضح عندما نراقب تمركز جيوش الحلف الأطلسي والبوارج الحربية في الشرق الأوسط وأفغانستان وعلى كل من الحدود الإيرانية والسورية.

مبادرة السلام العربية : اتفاقية مكة و الفصل بـين غزة والضفة الغربية

لا يمكن فهم الوجهة التي يقود إليها الخط المرسوم في أنابوليس، الفلسطينيين والمشرق، دون فهم ما حدث في فلسطين منذ ٢٠٠١. للوصول إلى أنابوليس يجب أن نقر بما حصل بين حركتي حماس وفتح وبالخديعة المحكمة المتمثلة في دور السعودية في اتفاقية مكة وبالأهداف البعيدة المدى لأمريكا وحلفائها في الشرق الأوسط وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.

لقد أدركت أمريكا والاتحاد الأوروبي أن حركة فتح لا تمثل الإرادة الشعبية للفلسطينيين وأن أحزاب أخرى يمكن أن تنزع السلطة من بين يدي حركة فتح. وهذا ما لا يروق إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لأنهم بحاجة لقادة فتح الفاسدين لكي يطبقوا مخططاتهم البعيدة المدى في الأراضي الفلسطينية المحتلة وشرق البحر الأبيض المتوسط و الشرق الأوسط.
في سنة ٢٠٠٥ بدأت وزارة الخارجية للولايات المتحدة وإسرائيل تتهيآن لمواجهة فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية؛ ووقتها وضعت استراتيجية لتصفية ليس حركة حماس فحسب، بل كل أشكال المقاومة الفلسطينية الشرعية للمخططات الأجنبية التي ارتهنت الفلسطينيين منذ “النكبة.”
كانت إسرائيل وأمريكا وحلفائهما، ومن ضمنهم الاتحاد الأوروبي، يدركون أن حركة حماس لن تقبل أبدا بما تخططه واشنطن للفلسطينيين و للشرق الأوسط؛ بمعنى أن حماس تعارض بكل بساطة مشروع “الشرق الأوسط الجديد” والاتحاد المتوسطي الذي سيتمخض عنه في المشرق. وخلال هذا المسار كانت مبادرة السلام العربية لسنة ٢٠٠٢ هي البوابة التي ستسمح بإقامة كل من الشرق الأوسط الجديد والاتحاد المتوسطي.
فمع قيام السعوديين بدورهم ضمن المبادرة الأمريكية المتعلقة بـ “الشرق الأوسط الجديد”، تم الإيقاع بحركة فتح ودفعها لمحاربة حركة حماس حتى يتوجب إيجاد اتفاقية بين الطرفين. وهكذا قبلت حركة حماس بالتوصل إلى اتفاقية لحرصها، بصفتها الحزب الفلسطيني الحاكم، على صيانة الوحدة الفلسطينية. وهنا دخلت السعودية مجددا على الخط، من خلال دورها في ترتيب اتفاقية مكة، ولم تكن السعودية قد اعترفت بعد دبلوماسيا بحركة حماس. غير أن هذه الاتفاقية لم تكن سوى فخ للإيقاع بحركة حماس، حيث لم يكن واردا منذ البداية أن تبرم هدنة بين الحركتين لتدوم، ولا أن تشكل حكومة وحدة وطنية لتستمر. فاتفاقية مكة قد حددت مسبقا لإضفاء الشرعية على الذي سيحدث فيما بعد، والمتمثل في إشعال حرب أهلية فلسطينية مصغرة في غزة.
وبعد توقيع اتفاقية مكة تلقى عناصر من حركة فتح بقيادة محمد دحلان (الخاضع لتوجيهات الأمريكي كيت دايتون) أمرا من أمريكا وإسرائيل بالإطاحة بالحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس. ولا يستبعد وجود مخططين احتياطيين، حيث كان سيعتمد أولهما في حالة انتصار حركة فتح، ويعتمد الثاني (وهو الأرجح) في حالة فشلها. وكان هذا المخطط الثاني يرمي إلى تشكيل حكومتين، أولاهما في غزة بقيادة إسماعيل هنية و حركة حماس، والثانية في الضفة الغربية بزعامة محمود عباس و حركة فتح. ولقد طالب محمود عباس وشركاؤه بتشكيل مجلس نيابي موازي في الضفة، وهو مجلس ليس له من النيابة إلا الإسم. [١] ولقد سمحت فعلا اتفاقية الطائف لحركة فتح بإدارة الضفة الغربية على مرحلتين. وبما أن الحكومة قد شكلت بعد اتفاقية مكة استغلت حركة فتح انسحابها من هذه الحكومة لوصم حكومة إسماعيل هنية بعدم الشرعية. وحدث هذا في الوقت الذي كان فيه تصاعد الصراعات في غزة يحول دون إجراء انتخابات فلسطينية جديدة. ووضع محمود عباس كذلك في موقع يسمح له بتأكيد حقه الشرعي في تشكيل حكومته في الضفة؛ وهي الحكومة التي كانت ستعتبر دوليا غير شرعية لولا اتفاقية مكة. ولم يكن كذلك من الصدف أن الشخص الذي اختير لرآسة حكومة عباس هو سالم فياض الذي كان مستخدما في البنك الدولي. وبتنحية حركة حماس وفصلها عن السلطة بالضفة الغربية كانت الأجواء مهيأة لأمرين : تقديم اقتراحات باستقدام قوات عسكرية دولية للأراضي الفلسطينية وعقد مؤتمر أنابوليس. [٢]

قمة السلام في أنابوليس : إخبار بأحداث قادمة

أوردت قناة الجزيرة أن الاتفاقات الموقعة بين محمود عباس وإسرائيل قبل مؤتمر أنابوليس، والتي سميت “إعلان مبادئ” تضمن ألا يكون للفلسطينيين قوات مسلحة عندما يمنح للضفة الغربية نوع من تقرير المصير. وتطالب الاتفاقيات كذلك باندماج اقتصاديات العالم العربي مع إسرائيل ونشر قوات دولية، على غرار ما هو حاصل في البوسنة وكوسوفو، للإشراف على تطبيق هذه الاتفاقات في الأراضي الفلسطينية. وهذا هو السر في السعي إلى تصفية حركة حماس وإضفاء الشرعية على محمود عباس.
وفي هذه النقطة بالذات يتجلى من جديد دور فرنسا وإنشاء الاتحاد المتوسطي. فلقد سبق لفرنسا، خلال سنوات عدة، وقبل “الحرب العالمية على الإرهاب” بكثير، أن طالبت بنشر قوات عسكرية تابعة للاتحاد الأوروبي أو للحلف الأطلسي في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. فيجب على شعوب الشرق الأوسط أن تتفطن لما يحاك لأوطانها.
ولقد سبق لدومينيك دو فلبان أن صرح في ١٩ فبراير ٢٠٠٤ أنه يمكن إرسال قوات أجنبية إلى غزة بمجرد ما تنسحب منها إسرائيل، ويمكن لمؤتمر دولي أن يضفي الشرعية على وجود هذه القوات باعتباره المرحلة الثانية في ورقة الطريق الإسرائيلية الفلسطينية، واعتباره جزءا في المبادرة من أجل “الشرق الأوسط الكبير” أو “الجديد.” [٣‎] ولقد تم الإدلاء بهذا التصريح قبل وصول حركة حماس إلى الحكم وقبل الاتفاق المبدئي لمحمود عباس. غير أن هذا أتي عقب المبادرة العربية المقترحة من طرف السعوديين.
وإذا نظرنا إلى هذه الأمور من هذه الزاوية يتضح أن ما يجري من أحداث في الشرق الأوسط يندرج ضمن ورقة طريق عسكرية سابقة عن “الحرب العالمية على الإرهاب”. وهذا يجرنا إلى اقتراح نيكولا ساركوزي المتعلق بالاتحاد المتوسطي. فاندماج اقتصاديات إسرائيل بالاقتصاديات العربية من شانها أن تطور شبكة من العلاقات الدولية التي سينسجها بشكل وثيق الفاعلون الدوليون لإجماع واشنطن. [*] وهكذا تعتبر مبادرة السلام العربية المقترحة من طرف السعوديين واتفاق المبادئ وأنابوليس مراحل على طريق إنشاء اندماج اقتصادي بين العالم العربي وإسرائيل، من خلال مشروع “الشرق الأوسط الجديد” ودمج دول حوض البحر الأبيض المتوسط في الاتحاد الأوروبي عبر الاتحاد المتوسطي. ووجود قوات عسكرية للحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي في لبنان يندرج في هذا السياق.

هل هو تدويل لقطاع غزة من طرف الحلف الأطلسي كما حدث سابقا في لبنان ؟

يوجد ما يكفي من الأدلة على أن الحرب الإسرائيلية ضد لبنان سنة ٢٠٠٦ قد خطط لها من طرف إسرائيل والولايات المتحدة و الحلف الأطلسي. [٤] وبعد انتشار قوات الحلف الأطلسي داخل لبنان تحت راية “اليونيفيل” كان من المخطط له أن تدخل هذه القوات قطاع غزة في المستقبل القريب. وكان من المقرر أن تنفذ إسرائيل، بموازاة الحرب على لبنان سنة ٢٠٠٦، حملة عسكرية كبيرة ضد قطاع غزة. وقال المسؤولون الإسرائيليون بأنه بعد الحرب بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين سيدخل الحلف الأطلسي قطاع غزة، حيث أن أفكدور ليبرمان وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية السابق (وزعيم الحزب اليميني المتطرف “إسرائيل بيتنا”) ونائب الوزير الأول وقتها، كان يرى في القطاع الوجهة الجديدة لـ “عمليات حفظ السلام” التي يتولها الحلف الأطلسي. ولقد ألح أفدكور ليبرمان أمام كوندوليزا رايس والمسؤولين الأمريكيين على “حتمية” تنفيذ عملية عسكرية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وعلى ” وجوب أن تؤدي هذه العملية إلى انتشار ٠٠٠ ٣‎٠ جندي من قوات الحلف الأطلسي في القطاع” لمنع مزيد من التجمع الفلسطيني المسلح. [٥] وفي شهر مارس ٢٠٠٧ صرح كذلك عمير بيريتز عندما كان وزيرا للدفاع لإسرائيل بأن للجيش الإسرائيلي الإذن بالقيام بعمليات عسكرية في قطاع غزة. [٦]
ولقد تم القتال في القطاع المتوقع من طرف المسؤولين الإسرائيليين والقادة العسكريين، ولكن في البداية بين الفلسطينيين، ولم يبدأ الإسرائيليون عملياتهم إلا بعد ذلك. والذي قام بالعمل القذر بالوكالة عن الإسرائيليين هم عملاء فلسطينيون من قطاع غزة أمثال محمد دحلان. وحتى الإسرائيليون طالبوا بتدويل الحالة في قطاع غزة على غرار الحالة اللبنانية. أما محمود عباس قائد حركة فتح فقد تورط بتطبيق السيناريو الأمريكي الإسرائيلي حرفيا.

إسرائيل ذراع مسلح فعلي للحلف الأطلسي

قال أفكدور ليبرمان وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية : “يجب أن يكون الهدف الدبلوماسي والأمني لإسرائيل واضحا، ألا وهو الالتحاق بالحلف الأطلسي والدخول في الاتحاد الأوروبي.”٠
وهكذا أبرمت إسرائيل اتفاقية للتعاون العسكري رفيع المستوى مع الحلف الأطلسي وصرح أفكدور ليبرمان بأن على إسرائيل أن تكون قاعدة متقدمة للاتحاد الأوروبي وعضو فعلي في الحلف الأطلسي. [٧] وكان ليبرمان هو الذي قاد الاتصالات الإسرائيلية الرفيعة المستوى مع الحلف الأطلسي وحول ملف الحرب على إيران؛ كما شارك مع الولايات المتحدة و الحلف الأطلسي في تنسيق التحضيرات ضد سوريا وإيران.
ينظر لإسرائيل منذ إنشائها على أنها قاعدة متقدمة لما يسمى بـ”الغرب”، ولمصالحه في الشرق الأوسط والعالم العربي. وإسرائيل عضو فاعل في “عملية الجهد الفاعل في شرق البحر الأبيض المتوسط ” التي يتولاها الحلف الأطلسي. ورغم أن إسرائيل ليست عضوا في الحلف الأطلسي فهي تشكل مع تركيا العمود الفقري للقوات الأطلسية في الشرق الأوسط؛ والدولتان مهيأتان للقيام في المستقبل بدور عسكري حاسم في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
في نهاية سنة ٢٠٠٧، بدأت إسرائيل تؤكد أنها تلقت من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومن الحلف الأطلسي “الضوء الأخضر” للمبادرة بشن هجوم على إيران. وكان هذا سيؤدي إلى إشعال الشرق الأوسط. ولقد تابع الجيش الإسرائيلي تدريباته دون انقطاع وطلب الضباط من جنودهم الاستعداد لـ “حرب شاملة”.

إنشاء حواجز في الأراضي الفلسطينية : هل هي تحضيرات للمستقبل ؟

لقد تم تشبيه قطاع غزة من طرف الكثيرين في فلسطين وإسرائيل بسجن كبير. فالحركة فيه مقيدة والحق في التحرك منتهك وكل المنطقة محاطة بالحواجز والأسلاك الشائكة ولا زالت بعض المناطق محتلة من طرف الجيش الإسرائيلي الذي يستعملها كمساحات فاصلة.
تمثل الضفة الغربية منطقة شاسعة بالمقارنة مع قطاع غزة؛ فالقطاع يمتد على مساحة تغطي تقريبا ٣‎٦٠ كلم٢، وتفصلها عن إسرائيل حدود بطول 51 كلم؛ أما مساحة الضفة الغربية فتقدر بـ ٥٩٤٩ كلم٢ . وبالتالي فإنه من الأسهل على الجيش الإسرائيلي، اعتبارا لما يتطلبه ذلك من قوات عسكرية وموارد بشرية، أن يحاصر ويغلق بإحكام القطاع و يشدد مراقبته عليه من أن يفعل ذلك بالضفة. والذي سيتولى محاصرة المقاتلين الفلسطينيين في الضفة الغربية، إذا ما اندلعت حرب واسعة في الشرق الأوسط ، هي حركة فتح بمساعدة قوات أجنبية. ويمكن أن يندرج مشروع تدويل الوضع في قطاع غزة والضفة الغربية من خلال وجود قوات أجنية تابعة للحلف الأطلسي والدول العربية، في سياق الجهد المبذول لإقامة حاجز عسكري لحماية إسرائيل.
تم تعيين الجنرال الإسرائيلي غبي أشكينازي (Gabi Ashkenazi) ذي الأصل المزدوج سوري وبلغاري والذي له تجربة ميدانية بلبنان حيث أشرف على جيش الجنوب هناك، على رأس الجيش الإسرائيلي خلفا لدانييل حالوتز(Daniel Halutz). وكلف أشكينازي ببناء الحاجز الذي يسمى عادة “جدار الميز العنصري” بين الصفة الغربية وإسرائيل. ورغم عدم اكتماله فإن هذا الجدار قد وضع لمنع المقاتلين الفلسطينيين من الانتقال من الصفة الغربية إلى إسرائيل لمقاتلة الجيش الإسرائيلي، إذا ما نشبت حرب إقليمية.

إقامة حواجز إضافية بين لبنان وإسرائيل

إن قوات اليونيفيل التي انتشرت في جنوب لبنان بعد ٢٠٠٦ عقب قصف لبنان ليست كقوات اليونيفيل قبل ٢٠٠٦. فالتي انتشرت بعد ٢٠٠٦ كيان أقوى وأكثر استعدادا للحرب؛ وبالتالي يمكن أن تستعمل كذلك لحماية إسرائيل من المقاتلين اللبنانيين.
وهناك أمر آخر هام كذلك، متمثلا في إلقاء الجيش الإسرائيلي بـ 3 ملايين (أو أكثر) من القنابل العنقودية التي تسلمها من الولايات المتحدة، على الجنوب اللبناني خلال حرب تموز ٢٠٠٦. والأفظع هو أن إسرائيل سارعت إلى إغراق الجنوب اللبناني بهذه القنابل في الوقت الذي أوشكت فيه الهجمات الإسرائيلية على النهاية. ولا تفسير في بعض الأوجه لهذا الفعل إلا من خلال جغرافية المنطقة حيث يقع جنوب لبنان محاذيا لحدود إسرائيل الشمالية.
لقد كان زرع القنابل العنقودية بهذه الكثافة في جنوب لبنان عملا متعمدا لإنشاء حاجز إسرائيلي آخر لمواجهة مقاتلين محتملين في حرب مستقبلية في الشرق الأوسط. ولقد تحولت هذه القنابل العنقودية في واقع الأمر إلى ألغام أرضية قد تمنع أمواج المقاتلين اللبنانيين من الدخول إلى إسرائيل عند اندلاع حرب ضد إيران وسوريا والفلسطينيين ولبنان.

سيناريو لحرب إقليمية : تحضيرات إسرائيلية لعاصفة صواريخ انتقامية

سيكلف مشروع ” الشرق الأوسط الجديد” غاليا، وسيكون الثمن هو تفجير حرب. تتضمن عسكرة قطاع غزة عدة نقاط كما أنها مرتبطة بالتحضيرات لنزاع أوسع في الشرق الأوسط. فالهدف من نشر قوات أجنبية في القطاع والضفة، كما في لبنان، وتسوير الضفة الغربية هو منع الفلسطينيين من الانخراط في الحرب في حالة اندلاعها في الشرق الأوسط بين إسرائيل وأمريكا و الحلف الأطلسي من جهة، وسوريا وإيران وحلفائهما من جهة ثانية. ويقوم هذا التحليل على كون الحرب ضد إيران وسوريا ستضعف الجيش الإسرائيلي : فالقوات الإسرائيلية ستتعرض للصواريخ الإيرانية، وهو الأمر الذي تدركه جيدا مختلف المجموعات الفلسطينية المقاومة. فإذا ما اندلعت حرب إقليمية بين إسرائيل وإيران وسوريا، فسيجد الفلسطينيون أنفسهم على المستوى القتالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة على قدم المساواة مع الإسرائيليين. وبالتالي ستتغير بشكل مباشر طبيعة الحرب بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.أما الانقسامات داخل صفوف الفلسطينيين واللبنانيين فستقوض فعالية أي جهد عسكري منسق ضد إسرائيل عند اندلاع حرب أكثر اتساعا. وهذا ما تعرفه الساحة العراقية؛ فكلما انقسم العراقيون كلما كان جهدهم الحربي ضد الولايات المتحدة وحلفائها المحتلين للعراق أضعف. فلقد تم تكرار النكبة خارج فلسطين، أي في العراق. فلا يجب أن يساورنا شك بهذا الخصوص؛ فاحتلال العراق وفلسطين من طبيعة واحدة ومن صنع نفس المهندسين. إن مصدر ما تكابده بلاد الشام والعراق من آلام واحد.

هل هناك علاقة بين المحادثات حول دولة فلسطينية والحرب ؟

“إن الحرب التي نخوضها (نحن إسرائيل ) في الشرق الأوسط ليست حرب دولة إسرائيل فحسب…ونحن (إسرائيل ) في الخطوط الأولى.” هذا ما قاله أفيدكور ليبرمان وزير الشؤون الاستراتيجية السابق.

بعد اغتيال رفيق الحريري، أضحت ألمانيا وفرنسا أكثر انخراطا في التحرك الدبلوماسي بالشرق الأوسط. لقد تم تحريك الموارد الفرنسية والألمانية بشكل كامل ووضعها على الجبهة الدبلوماسية في خط المصالح البريطانية الأمريكية. فقبل قيامها بزيارة دولة لمصر، صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن بلادها والاتحاد الأوروبي يطلقان من جديد مسلسل السلام العربي الإسرائيلي. [٨] وفي هذا الصدد نسق دبلوماسيون من فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي جهودهم مع السعودية لتهدئة الفلسطينيين. [٩]
يمكن أن نجد عدة أوجه للتشابه بين التوجه نحو حرب ٢٠٠٢ و ٢٠٠٣‎ المستهدفة للعراق والتوجه الحالي نحو حرب ضد سوريا وإيران. وأحد هذه الأوجه كان مبادرة الولايات المتحدة لإحياء ما سمي بـ “مسلسل السلام العربي الإسرائيلي “، والمساعدة على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، قبل الاجتياح الأمريكي والبريطاني للعراق. فهناك علاقة وثيقة بين الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط والانفتاح على العرب من أجل إقامة دولة فلسطينية. وكانت اتفاقيات أوسلو كذلك مرتبطة بهزيمة العراق سنة ١٩٩١ إبان حرب الخليج. فهل كان هذا هو ما جعل جورج بوش، خلال جولته الرئاسية في الشرق الأوسط وزيارته لإسرائيل، يتحدث عن التهديد الإيراني أكثر من حديثه عن السلام ؟
لعل تصريحات الولايات المتحدة المتعلقة بدولة للفلسطينيين، تهدف إلى حماية الحكومات الموالية لأمريكا في العالم العربي من أن تعصف بها ثورة شعبية عربية. تعتبر القضية الفلسطينية ومساندة الشعب الفلسطيني من القضايا التي من شأنها أن تؤدي إلى ربح أو فقدان القلوب والعقول في العالم العربي ولدى الكثير من الشعوب الإسلامية. ويستند هذا الرأي إلى أنه ما دام هناك هدوء على الجبهة الفلسطينية، فيمكن فتح جبهات أخرى دون أن تثور الجماهير في الشرق الأدنى وغيره.

مشاورات حول الحرب بين إسرائيل و الحلف الأطلسي ببروكسيل

“تتشكل شبكة متماسكة تضم الحلف الأطلسي وشرق البحر الأبيض المتوسط “و الحرب العالمية على الإرهاب.” في نهاية شهر يونيو ٢٠٠٧ أجرى أفدكور ليبرمان ومسؤولون إسرائيليون لقاءات رفيعة المستوى مع مسؤولين في الحلف الأطلسي بمقرات الحلف ببروكسيل. [١٠] ولقد تحدث نائب الكاتب العام للحلف الأطلسي الإيطالي أليساندرو مينوطو ريزو(Alessandro Minuto Rizzo) مع البعثة الإسرائيلية التي يقودها ليبرمان حول تقديم تاريخ نشر وحدات من قوات الحلف الأطلسي في قطاع غزة [١١]؛ كما تحدث الطرفان عن نشر قوات دولية في غزة لضبط النظام ومنع الفلسطينيين من التسلح. [١٢] وتناولت المحادثات إيران وقضية الحماية الجوية لإسرائيل وتعميق التعاون بين مصالح المخابرات لكل من الطرفين. [١٣‎] وبعد عودته إلى إسرائيل من هذه اللقاءات، أكد أفيدكور ليبرمان لإذاعة الجيش الإسرائيلي أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي قد منحوا إسرائيل “الضوء الأخضر لبدء حرب في الشرق الأوسط بشن هجوم على إيران في تاريخ لم يعلن. [١٤] وسبق للحلف الأطلسي أن أعطى في سنة ٢٠٠٤ لإسرائيل الضوء الأخضر لشن حرب على إيران في تاريخ لم يتم إعلانه، كما يستشف ذلك من هذا التصريح لخافيير سولانا (Javier Solana) المسؤول عن السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي والكاتب العام للحلف الأطلسي : ” إن إيران دولة معقدة، ولا يبدو أن إسرائيل تملك القدرة على تحديه.” (Der Tagesspiegel)

بعد عودته في بداية سنة ٢٠٠٧ من سفره إلى أوروبا الغربية والمحادثات التي أجراها في مقر القيادة العامة للحلف الأطلسي، قال أفدكور ليبرمان بأنه تلقى أمرا ضمنيا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة و الحلف الأطلسي ببدء هجوك عسكري على إيران، وقال لإذاعة الجيش الإسرائيلي في رسالة موجهة للجنود بعد لقاءاته مع مسؤولين من الاتحاد الأوروبي، و الإسباني خوسيه ماريا أثنار (José Maria Aznar) ونائب الكاتب العام للحلف الأطلسي : “إذا بدأنا عمليات عسكرية بمفردنا ضد إيران، فإن أوروبا والولايات المتحدة سيساندوننا”. وأكد ليبرمان كذلك أنه كان من المستحيل على الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما شن حرب على إيران بسبب حربيهم في العراق وأفغانستان، غير أن الجميع لا يمانع في السماح لإسرائيل بمهاجمة إيران ؛ وأكد كلك أن الولايات المتحدة والحلف الأطلسي سيتدخلان إلى جانب إسرائيل بمجرد ما تبدأ الحرب ضد إيران وحلفائها. والرسالة التي أبلغها الحلف الأطلسي ومسؤولو الاتحاد الأوروبي لليبرمان تقول بأن على إسرائيل أن ” تمنع بنفسها التهديد” ، مما يعني أن على إسرائيل أن تشن حربا على إيران وحلفائها الإقليميين. [١٥]

سيتولى الحلف الأطلسي حماية إسرائيل إذا ما شنت حرب على إيران وسوريا

في ٢١ فبراير ٢٠٠٦، أدلى رونالد د. أسموس (Asmus) المديير التنفيذي لـ (German Marshall Fund’s Transatlantic Center) ببروكسيل، بهذا التصريح : “إن أحسن طريقة لمنح إسرائيل هذا الجانب الإضافي من الأمن هي تحديث علاقتها مع الذراع الجماعي المسلح للغرب المتمثل في منظمة حلف شمال الأطلسي. وكون تحديث هذه العلاقة سيرقى إلى منح إسرائيل العضوية في الحلف الأطلسي، أو سيقتصر فقط على منحها ضمانة بعلاقة استراتيجية ودفاعية وثيقة، فهذا أمر قابل للنقاش. غير أن ضمانة أمنية كلاسيكية تتطلب حدودا معترف بها لكي تتم حمايتها؛ وهذا ما لا تتوفر عليه إسرائيل اليوم. وهكذا سيتطلب ترتيب تحديث علاقة إسرائيل مع الحلف الأطلسي دبلوماسية حذرة وتخطيطا محكما.”

لا تستطيع إسرائيل تحدي إيران عسكريا. إن القدرة العسكرية لطهران تتجاوز قدرات إسرائيل رغم وهم القوة الإسرائيلية. فلن تشن إسرائيل حربا ضد إيران إذا لم تشاركها الولايات المتحدة و الحلف الأطلسي في العملية العسكرية. فإذا ما حدث هذا السيناريو فإن الولايات المتحدة وبريطانيا والحلف الأطلسي سينضمون مباشرة إلى إسرائيل كما صرح بذلك أفيدكور ليبرمان. فهذا الأمر مرتب مسبقا، وسيقول مسؤولو الحلف الأطلسي لمواطنيهم بأن إسرائيل كانت مضطرة للهجوم على إيران بسبب الخوف و”حقها في الوجود”، ثم سيتكتلون حول إسرائيل. غير أن الذي يجب قوله كذلك أنه إذا فرض” الحق في الوجود ” لكائن حي على حساب الحق في الوجود لكل ما يحيط به، فوقتها سيتحول ذلك إلى تهديد شبيه بالسرطان.
في مارس ٢٠٠٦ ورد في بريطانيا أن مسؤولين في الحلف الأطلسي لمحوا أنه سيكون لهم دور في هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران. وأورد ساره باكستير(Sarah Baxter) و أوزي ماهنايمي (Uzi Mahnaimi ) بأن أكسيل توتيلمان (Axel Tüttelmann)، قائد القوات الجوية للإنذار المبكر والمراقبة التابعة للحلف الأطلسي، قد أكد للمسؤولين الإسرائيليين بأن المنظمة الأطلسية ستنخرط في حملة مستقبلية ضد الإيرانيين. [١٦] و”كشفت الشروح التي قدمها القائد العام توتيلمان أن الحلف الأطلسي يمكن أن يقوم بدور المساندة إذا شنت أمريكا (وإسرائيل ) هجمات جوية.” كما كشف التقرير أنه قد سبق لتوتيلمان أن قدم للإسرائيليين عرضا توضيحيا حول طائرة المراقبة والإنذار المبكر التابعة للقوات الجوية للإنذار المبكر والمراقبة. [١٧] والتوضيحات حول طائرات المراقبة التابعة للحلف الأطلسي توحي بوجود تحضيرات للحرب مشتركة بين إسرائيل المنظمة الأطلسية.

قال باتريك كرونين المحلل الاستراتيجي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لصحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية في سنة ٢٠٠٧ : إذا ألحت إسرائيل على ضرب إيران، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها مضطرة للقيام بـ “عملية حاسمة”، ملمحا بذلك إلى أن أمريكا ستدخل الحرب إلى جانب إسرائيل التي بدأت الحرب. [١٨]

تعمل إسرائيل على خلق جو وظروف استراتيجية، لكن بالنسبة لمن ؟

قال نابوليون بونابارت ذات مرة : “لا يجب أن نترك الحوادث الدولية العارضة تصنع السياسة الخارجية، بل يجب أن تكون السياسة الخارجية هي التي تصنع الحوادث العارضة.”
ومهما قيل في نابوليون، فمما لا مراء فيه أنه كان عبقريا عسكريا ورجل دولة كبير. فلقد كان رجلا ذكيا ومدركا لعمق العلاقات الدولية ولسياسة الأحداث العرضية. ولو كان حيا اليوم، فلم يكن ليفاجأ بالأحداث التي تهز استقرار العالم، وخاصة في الشرق الأوسط. فلا زالت السياسة الخارجية إلى اليوم هي التي تصنع الأحداث العالمية. وكانت إسرائيل كيانا مقاتلا ومصارعا لنحت وصياغة محيطه الاستراتيجي.
إذا قررت الولايات المتحدة وبريطانيا أن تبادر بالدخول في حرب، فإن زعماءهما سيواجهون معارضة عنيفة من الرأي العام لديهم، قد تهدد موقعهم السياسي، وتهدد حتى الاستقرار الوطني. أما إذا كنت إسرائيل هي التي تشن الحرب، فالأمر سيختلف. فإذا شنت إسرائيل الحرب بذريعة حماية نفسها من تهديد إيراني متزايد، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا ستتدخلان لـ “حماية إسرائيل ” من الرد الإيراني دون أن تعطيا الانطباع بأنهما بادرا إلى حرب دولية غير مشروعة، والعتب سيقع على الإسرائيليين عوضا أن يتجه للإدارة الأمريكية وحليفها البريطاني الدائم، وسيحتج القادة السياسيون الغربيون بأن من واجبهم الوطني حماية إسرائيل مهما تمادت هذه الأخيرة في انتهاك القانون الدولي.

هارماجدون نووي في الشرق الأوسط : هل تستهدف إسرائيل العالم العربي وإيران بسلاحها النووي ؟

كتبه نورمان بودهوريتز(Norman Podhoretz)، احد أشباه المثقفين الذين يصنعون السياسة الخارجية لإدارة بوش الصغير، في عدد فبراير ٢٠٠٨ لمجلة (Commentary Magazine) : “إن الخيار الوحيد الذي يبدو أقرب إلى المعقول هو أن يعمد (جورج بوش) إلى توكيل الإسرائيليين بالقيام بهذا العمل (أي بدأ الحرب ضد إيران).”
ولم يكتف بودهوريتز بالطلب بأن تهاجم إسرائيل إيران لفائدة الولايات المتحدة، بل أكد كذلك أن حربا نووية بين الإسرائيليين والإيرانيين حتمية، إلا إذا تمت قنبلة إيران، وهذا رغم شهادة الوكالة الدولية للطاقة النووية بالطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني. وبناء على دراسة لأنطوني كورديسمان (Anthony Cordesman)، تقدم بودهوريتز بفكرة تقول أن على إسرائيل تصفية جيرانها العرب مثل مصر وسوريا (رغم أن مصر قد وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل ). وحسب ما قاله بودهوريتز حرفيا : “في حالة حصول هذا السيناريو الرهيب الذي وصفه كورديسمان، فإنه سيقتل عشرات الملايين، لكن إسرائيل ستظل على قيد الحياة ولو كمجتمع في أبسط أشكاله، رغم ما سيتعرض له مدنيوها من إبادة ومدنها من دمار؛ غير أن الأمر لن يكون كذلك بالنسبة لإيران، و لجيرانها العرب الأكثر أهمية، وخاصة مصر وسوريا، لأن كوردسمان يعتقد أن على إسرائيل أن تستهدفهما “لتكون متيقنة من عدم استفادة أية قوة أخرى مما سيصيبها بسبب الهجوم على إيران.” ولا يستبعد أن يدفع اليأس إسرائيل إلى ضرب أبار النفط ومنشآت التكرير والموانئ في الخليج العربي.”

التحضير لهجوم إسرائيلي على إيران ؟

تجدر الإشارة إلى أن برويز مشرف قد بدأ جولة في أوروبا بموازاة مع زيارات الرئيسين الأمريكي والفرنسي للشرق الأوسط واستقالة أفيدكور ليبرمان من الحكومة الإسرائيلية. [١٩] ويهدف مشرف من تحركه الأوروبي إلى تنسيق المواقف مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ببروكسيل، وإلى زيارة فرنسا وبريطانيا وسويسرا. [٢٠] وتأتي زيارة مشرف في الوقت الذي تمر فيه باكستان بأزمة انقسام سياسي والمطالبة الإسرائيلية بضرب إيران.
وزار الكاتب العام للحلف الأطلسي جاكوب دي هوب شيفير(Jakob [Jaap] de Hoop Sheffer) بدوره الإمارات العربية المتحدة بعيد تحركات جورج بوش ونيكولا ساركوزي؛ وقال هوب شيفر لمضيفيه في أبي ضبي بأن الحلف الأطلسي يعمل في الخليج العربي لمحاصرة إيران [٢١]؛ كما قال بأن إيران تشكل تهددا بالنسبة لكل من مجلس التعاون الخليجي وأعضاء الحلف الأطلسي. وتندرج أسفار هوب شيفر وتصريحاته ضمن المخطط الأمريكي/البريطاني والفرنسي/الألماني الهادف إلى مواجهة إيران في الشرق الأوسط. وعند وجوده في الإمارات العربية المتحدة أفهم الكاتب العام للحلف الأطلسي محادثيه بأن الحلف سيتدخل في حرب بين إسرائيل والعرب، والتي هي كما ذكرنا، قيد الإعداد منذ عدة سنوات. [٢٢]
وراجت تصريحات مقلقة تفيد أن تل أبيب كانت تحاول مهاجمة إيران منذ سنة ٢٠٠٤؛ ولم تتوقف بعد ذلك تلك المحاولات، بل صارت أقوى. وشجع جون بولتون (John Bolton) تل أبيب خلال مؤتمر هرتزيليا سنة ٢٠٠٨ ـ وهو مؤتمر إسرائيلي ينعقد سنويا حول الأمن القومي ـ على قنبلة إيران عند حديثه عن هجوم الطيران الإسرائيلي على سوريا في سبتمبر ٢٠٠٧، والذي وصفه بأنه مقدمة لهجوم آخر. [٢٣‎] وفي نهاية يناير ٢٠٠٨ بدأ إيهودا براك يؤكد بأن إيران في المراحل الأخيرة لصناعة رؤوس نووية، في حين أعلنت الحكومة الإسرائيلية نجاح صواريخها الحاملة لرؤوس نووية. [٢٤] وأومأت باريس كذلك إلى أن إسرائيل ستبدأ حربا ضد إيران، حيث صرح نيكولا ساركوزي في حوار مع مجلة النوفيل أوبسيرفاتور الفرنسية بأن احتمال أن تبدأ إسرائيل حربا ضد إيران أقوى من هجوم أمريكي على إيران. [25] وبدوره أكد الكاتب الوطني في الأمن ميكايل شيرطوف(Michael Chertoff) في حوار مع رييا نوفوسطي(RIA Novosti)، أن الولايات المتحدة لن تقوم بأي هجوم على إيران. [٢٦]
صرحت إيران وسويا بأنهما على استعداد للدفاع عن نفسهما وأنهما سيردان على أي عدوان إسرائيلي. [٢٧] فعلى امتداد الشرق الأوسط توجد كل القوى المقاومة للهيمنة الخارجية في حالة تأهب لمواجهة أي شكل من العدوان الإسرائيلي. وفي هذا الصدد حذر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، تل أبيب مستبقا أي عدوان جديد في الشرق الأوسط، خلال تظاهرة عامة في بيروت، قائلا : ” إذا أقدمت إسرائيل على حرب جديدة ضد لبنان، فإننا نعدهم بحرب ستغير وجه المنطقة بكاملها.” [٢٨]

إسرائيل : أداة للسياسة الولايات المتحدة الخارجية في الشرق الأوسط

لقد منحت تل أبيب الحجج لمعارضيها الذين يؤكدون بأنها أداة لتنفيذ مشاريع استعمارية في الشرق الأوسط؛ فأغلبية الإسرائيليين يتم تضليلهم من خلال منظومة مركبة تشمل التضليل الإعلامي وإثارة المخاوف وترويض نفساني محكم. ويستعمل الدم الإسرائيلي لممارسة القمع والقتل والمصادرة وتغذية آلات الإمبراطوريات الاقتصادية. فالجشع لازال حيا لكن شكله تغير.
تستعمل إسرائيل من خلال مسؤوليها وقادتها الحكوميين للإبقاء على التوتر حيا في الشرق الأوسط، وهي أداة لتبرير التدخل البريطاني/الأمريكي والفرنسي/الألماني ؛ و إلا لماذا ستغضب الولايات المتحدة من إسرائيل لكون تل أبيب لم تعرض مصالحها للخطر بهجومها على سوريا خلال حربها على لبنان سنة ٢٠٠٣‎، مما كان سيضعها في مواجهة حرب إقليمية موسعة ضد إيران وسوريا؟ [٢٩]
رغم إرادة ورأي أغلبية الإسرائيليين، لا زال إيهود أولميرت في منصبه كوزير أول، وهو المعروف بفساده عندما كان محافظا للقدس الغربية. فكما تم تجاهل الإرادة الدموقراطية للشعب الأمريكي بخصوص العراق، تم كذلك تجاهل الإرادة الدموقراطية للإسرائيليين الراغبين في التخلص من إيهود أولميرت. وكما هو الحال في العديد من المواقع، لا تعير المراتب العليا للسلطة أية أهمية لمصالح الشعب الإسرائيلي؛ فالقادة الإسرائيليون لا يخدمون مصالح شعبهم بقدر ما يخدمون مصالح “إجماع واشنطن.”
يمكن لتحالف إيهود أولميرت أن يستمر ما يكفي من الوقت لشن حرب إقليمية. إن الحياة السياسية للوزير الأول إيهود أولميرت توشك على الانتهاء، وبالتالي لن يخسر شيئا إذا أقدم على حرب أخرى. غادر أفيدكور ليبرمان الذي قاد المشاورات الرفيعة المستوى باسم تل أبيب مع الحلف الأطلسي، الحكومة الإسرائيلية عند زيارة جورج بوش لإسرائيل ، وصرح ليبرمان أن انسحابه من الحكومة كان بسبب “محادثات السلام مع الفلسطينيين”، غير أن قراره جاء في الحقيقة بسبب لجنة فينوغراد، وكتكتيك لإبقاء حزب العمال في الحكومة الائتلافية لإيهود أولميرت؛ وهو تكتيك يهدف إلى إعطاء حكومة هذا الأخير ما يكفي من الوقت والحياة لشن حرب إقليمية بمحاولة الهجوم على إيران.
حتى أعداء إسرائيل يوافقون على أن تل أبيب وكيلة المصالح الخارجية البريطانية الأمريكية. ولقد حذر وزير الدفاع الإيراني السابق علي شمخاني، الحكومة الأمريكية بأن الرد العسكري الإيراني على أي هجوم إسرائيلي، سيستهدف كلا من إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا ما يعني أن إسرائيل لن تقدم على أي عدوان دون إذن من الولايات المتحدة. [٣‎٠] ولقد شارك البيت الأبيض بشكل كامل في كل التجارب التي أجريت على الصواريخ الإسرائيلية؛ كما أن التحضيرات الحربية الإسرائيلية قد تمت بتنسيق أمريكي، عبر مؤسسات مثل [٣‎١؛ الإنجليزية: Israeli-US Joint Political Military Group / فرنسي: Groupe conjoint politico militaire israélo-États-Unis]. بعد حرب تموز ٢٠٠٦ على لبنان، صرح الشيخ ناعم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله في حوار مع قناة المنار، قائلا : “من بدأ الحرب ؟ إسرائيل. وهكذا لم يكن عدوان إسرائيل ردا على ما أصابها، بل لتنفيذ قرارات أمريكية معدة مسبقا. فالعدوان خطط له مسبقا.” [٣‎٢] وأضاف متهما إسرائيل بـ “العمل كذراع مسلح للولايات المتحدة ” ثم قال : ” كان الجميع يقولون دائما بأن إسرائيل هي التي تتحكم في أمريكا، غير أننا نجد اليوم أن أمريكا هي التي تقود إسرائيل. لقد تحولت إسرائيل إلى ذراع مسلح لأمريكا.” [٣‎٣‎]

مهدي داريوش ناظم رعایا، عالم اجتماع وباحث في مركز بحث العولمة في مونتريال مدينة بكندا. متخصص في شؤون الشرق الاوسط ووسط اسيا.

ملاحظة: نشرت المقالة باللغة الانجيليزية هنا.
الهوامش

[١] Khaled Abu Toameh, “PLO to form separate W. Bank parliament, The Jerusalem Post, January 14, 2008
[٢] Emine Kart, Ankara cool towards Palestine troops, Today’s Zaman, July 3, 2007
[٣] Dominique René de Villepin, Déclarations de Dominique de Villepin à propos du Grand Moyen-Orient, interview with Pierre Rousselin, Le Figaro, February 19, 2004
[٤] Mahdi Darius Nazemroaya, The Premeditated Nature of the War on Lebanon: A Stage of the Broader Middle East Military Roadmap, Global Research, September 10, 2007
[٥] Israeli action in Gaza ‘inevitable,’ Al Jazeera, January 14, 2007
[٦] Tom Spender, Israel ‘planning Gaza invasion,’ Al Jazeera, April 4, 2007
[٧] Avigdor Lieberman: Israel should press to join NATO, EU, Haaretz, January 1, 2007
[٨] Germany to help renew Mideast peace efforts: Chancellor, Xinhua News Agency, December 10, 2006
[٩] Angela Merkel sets off to Middle East, Associated Press, March 31, 2007
[١٠] Ronny Sofer, Lieberman wants NATO troops in Gaza, Yedioth Ahronoth, June 28, 2007
[١١] نفس المرجع.
[١٢] نفس المرجع.
[١٣‎] نفس المرجع.
[١٤] NATO: The US and Europe can not suspend Iran’s nuclear program, Azeri Press Agency (APA), July 11, 2007
[١٥] نفس المرجع.
[١٦] Sarah Baxter and Uzi Mahnaimi, NATO may help US strikes on Iran, The Times (UK), March 5, 2006
[١٧] نفس المرجع.
[١٨] Julian Borger and Ewen MacAskill, Cheney pushes Bush to act on Iran, The Guardian (UK), July 16, 2007
[١٩] Pakistan President arrives in Belgium for Europe tour, The Times of India, January 2008
[٢٠] نفس المرجع.
[٢١] Indel Ersan, NATO chief urges cooperation with Gulf over Iran, ed. Andrew Roche, Reuters, January 24, 2008
[٢٢] Jamal Al-Majaida, NATO chief discusses alliance’s role in Gulf, Khaleej Times, January 27, 2008
[٢٣] Yuval Azoulay and Barak Ravid, Bolton: ‘Near zero chace’ Pres. Bush will strike Iran, Haaretz, January 24, 2008
Israeli Transportation Minister, Shaul Mofaz, also indicated at the Herzilya Conference that the years 2008 and 2009 will also see the last diplomatic efforts against Tehran before an implied military option (attack) against the Iranians. The Israeli Transportation Minister also made similar threats before saying that sanctions had till the end of 2007 to work against Iran until the military option would be prepaired
This prior threat was made as he led the Israeli delegation of the Israeli-US Joint Political Military Group, which focuses on Iran, Syria, Palestine, and Lebanon
Shaul Mofaz was also the former commander of the Israeli military, a former Israeli defence minister, and hereto is one of the individuals in charge of the Iran file in Tel Aviv
[٢٤] Iran may be working on nuclear warheads: Israeli Defence Minister, Times of India, Jan. 26, 2008; Israel suspects Iranians already working on nuclear warhead, AFP, Jan. 16, 2008; L. Weymouth, A Conversation With Ehud Barak, Washington Post, Jan. 26, 2008, p.A17
[٢٥] Sarkozy: France worried by Iran-Israel tension, Associated Press, December 12, 2007
[٢٦] US will not attack Iran, RIA Novosti, January 25, 2008
[٢٧] Bush trying to foment discord in Mideast, Tehran Times, January 28, 2008, p.A1 +; Mahdi Darius Nazemroaya, America’s “Divide and Rule” Strategies in the Middle East, Global Research, January 17, 2008; Nir Magal, Syrian VP: We’ll retaliate for Israeli aggression, Yedioth Ahronoth, September 8, 2007
[٢٨] Hezbollah chief scoffs at Israel at rare public appearance, Agence France-Presse (AFP), January 19, 2008
[٢٩] Yitzhak Benhorin, Neocons: We expected Israel to attack Syria, Yedioth Aharonot, December 16, 2006
[٣‎٠] Anthon La Guardia, Iran wars Israel on pre-emptive strike, The Telegraph (UK), August 19, 2004
[٣‎١] Mahdi Darius Nazemroaya, Israel’s Nuclear Missile Threat against Iran, Global Research, January 19, 2008; Hilary Leila Krieger, Mofaz warns sanction on Iran must bite by year’s end, The Jerusalem Post, June 7, 2007
[٣‎٢] Hanan Awarekeh, Kassem: If Israel attacks, we’ll show them surprise, Al-Manar, July 12, 2007
[٣‎٣‎] نفس المرجع.

[*] المترجم : في سنة 1990 تم توضيح المذهبية المؤسسة للمرحلة الليبرالية الجديدة في مسار العولمة، من طرف الاقتصادي جون ويليامسون (John Williamson) تحت مسمى “إجماع واشنطن” الذي يقوم على 7 ركائز:
١- الانضباط الضريبي القائم على توازن الميزانية وخفض الضرائب.
٢- التحرير المالي (حيث يترك للسوق تحديد سعر العملة).
٣‎- تحرير التجارة بحذف الحماية الجمركية.
٤- الانفتاح الشامل للاقتصاد أمام الاستثمارالمباشر.
٥- تفويت كلية المؤسسات العامة للخواص.
٦- إلغاء القوانين الموجهة أو المنظمة، أي إلغاء كل الحواجز التي تعرقل التنافس الحر.
٧- الحماية التامة لحقوق الملكية الفكرية للشركات العبرة للقارات

بقلم : مصطفى قطبي —–العربيــة… وحروب إسرائيل المستقبلية! الميّـاه

المميز

منذ عدة سنوات وخلال التوقيع على اتفاقيات الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، اشترطت الأخيرة ضمان توفير المياه لها، وبالفعل تم تداول عدة مشاريع تضمن للكيان الصهيوني الحصول على المياه، ويكون مصدرها أنهار دجلة والفرات واليرموك وبانياس، والليطاني والحاصباني والوزاني والنيل والأردن، إضافة إلى المياه المحلاة من مياه البحار المشاطئة، وذلك بتمويل أوروبي وأميركي، لأن موضوع المياه يشكل حيزا رئيسيا في التفكير الاستراتيجي الصهيوني، من أجل الحصول أو السيطرة على المياه ومصادرها بشتى الطرق والوسائل.

البديع- واقع الأمن المائي ـ بهذا المعنى العسكري ـ يعكس عجز الدول العربية على بناء استراتيجية عسكرية لحماية أمنها المائي من الأخطار التي تحدق به من جراء تواجد الأساطيل الدولية الضخمة وبسبب ما قد تحمله الحركة التجارية، لاسيما ما تعلق بتدفق النفط، عبر البحار والمحيطات من احتمالات تعرضها للخطر.

منذ عدة سنوات وخلال التوقيع على اتفاقيات الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، اشترطت الأخيرة ضمان توفير المياه لها، وبالفعل تم تداول عدة مشاريع تضمن للكيان الصهيوني الحصول على المياه، ويكون مصدرها أنهار دجلة والفرات واليرموك وبانياس، والليطاني والحاصباني والوزاني والنيل والأردن، إضافة إلى المياه المحلاة من مياه البحار المشاطئة، وذلك بتمويل أوروبي وأميركي، لأن موضوع المياه يشكل حيزا رئيسيا في التفكير الاستراتيجي الصهيوني، من أجل الحصول أو السيطرة على المياه ومصادرها بشتى الطرق والوسائل.

بعض الباحثين يعيد أطماع الصهيونية في المياه العربية إلى العهد التوراتي القديم ويرى جذور هذه الأطماع موجودة في تعاليم التوراة والتلمود، وورد في التوراة حوالي أكثر من مائتي نص يتعلق بالمياه والأنهار والبحيرات، وتتضمن هذه النصوص في معظمها أفكارا عدائية بهذا الخصوص، وثمة من يذهب إلى أن اليهود وضعوا ومنذ القدم نصب أعينهم هدف السيطرة على أرض ومياه بلاد الشام، وأن ضرورة الوصول إلى النيل والفرات والسيطرة عليهما هو من ناحيتهم واجب ديني، وثمة من يستنبط هذه الأطماع من خلال العلم الصهيوني والعملة الإسرائيلية المعروفة بالشيكل والتي رسم عليهما خارطة ما يسمى إسرائيل الكبرى ووضع عليهما خطان أزرقان يشار إلى أنهما نهري النيل والفرات، وتحدث في هذا الإطار أيضا ‘’مناحيم بيغن’’ عندما كان رئيسا لوزراء الكيان الصهيوني المعادي عن فكرة (إسرائيل الكبرى) بقوله: (إن التوراة يتنبأ بأن دولة إسرائيل ستشمل في النهاية أجزاء من العراق، سورية، تركيا، السعودية، مصر، السودان، الأردن، الكويت)، وبذلك يكشف كغيره من القادة الصهاينة بوضوح عن وجود أطماع ليس في مياه المنطقة فقط، وإنما في هوائها وترابها.

لقد ظهرت في السنوات الأخيرة بمنطقتنا العربية بوادر تشير إلى أن المياه العذبة ستصبح في القرن الحادي والعشرين الحالي سلعة استراتيجية قد تتجاوز في أهميتها النفط، من هذه الأحداث قيام تركيا بحجز مياه الفرات في بحيرة سد أتاتورك ووقف سريان مياه النهر نحو سورية والعراق لمدة شهر كامل خلال كانون الثاني من عام 1990 وثمة مشروعات لتزويد إسرائيل بمياه الفرات ودجلة، كما أن هناك دراسات إسرائيلية في أثيوبيا وفي بلدان منابع النيل الأخرى للبحث عن إمكانية إقامة مشروعات على روافد النيل.

وقد سبق لرئيس جامعة تل أبيب الأسبق ‘’حاييم بن شاهار’’ أن اقترح في ندوة التعاون الاقتصادي لدول الشرق الأوسط التي عقدت في لوزان عام 1989 أن تقوم مصر بمنح إسرائيل حصة من مياه النيل، وفتح ترعة سيناء.

وهذه المعطيات ومثيلاتها، ترتبط فيما يمكن تسميته بالصراع على المياه، وهذا أمر ليس جديدا بالمنطقة، فمن أسباب العدوان الثلاثي على مصر تمويل مشروع السد العالي، وهناك قضية تحويل مياه نهر الأردن الذي قامت به إسرائيل، ناهيك عن الأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية والتي كانت من أسباب احتلال جنوب لبنان قبل أن تحرره المقاومة.

وفي السياق ذاته، نظم مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة جورج تاون الأمريكية، ثلاثة مؤتمرات خلال عامي 2010 ـ 2011 شارك فيها مسؤولون من وزارتي الدفاع والخارجية وآخرون من إسرائيل وتركيا وبعض الدول العربية لما سمي بحث مشكلة المياه في أحواض أنهار الأردن والفرات ودجلة والنيل وتأثير انخفاض الموارد المائية على البلدان المعنية. وقد أصدر المركز في ختام المؤتمر تقريرا خلص إلى أن منطقة الشرق الأوسط تقف على حافة أزمة موارد مائية حادة يمكن أن تؤدي إلى نزاع قبل نهاية القرن الحالي، زاعما أن ضعف التعاون بين دول المنطقة يزيد من حدة الأزمة، في إشارة إلى المساعي الأمريكية والإسرائيلية لإدخال إسرائيل قسرا للمياه العربية.

فالمدير العام الأسبق لوزارة الزراعة الإسرائيلية مائر بن مائير، يقول في بحث بعنوان ‘’نقص المياه في الشرق الأوسط’’: “أزمة المياه بمنطقة الشرق الأوسط هي مثل قنبلة موقوتة وإذا لم يكن المسؤولون في هذه المنطقة قادرين على مناقشة مخرج معقول، فإن الحرب بين دول المنطقة تصبح مسألة أكيدة وأن إسرائيل سوف تواجه أزمة في بداية القرن المقبل لا محالة”.

والمعلومات الموثقة تؤكد أن إسرائيل تلعب ورقة المياه مع دول الجوار، التي تنبع منها الأنهار العربية الكبيرة، لتحقيق اختراقات في هذه الدول تمكنها من الضغط على الدول العربية في مسألة المياه، التي تشكل مسألة حياة أو موت لدول مثل مصر، التي أخذت تعاني مع السودان، من تحريض إسرائيل لدول المنبع لنقض المعاهدة الدولية التي تنظم توزيع مياه النيل، ما يشكل خطرا على الأمن المائي للدولتين العربيتين، ازداد مع فصل جنوب السودان، حيث الأصابع الإسرائيلية واضحة، بل وعلى الأمن الوطني لهما، والأمن القومي العربي عموما.

إذا لم تقف الأطماع الإسرائيلية بالمياه الفلسطينية، بل تجاوزتها إلى الدول العربية المجاورة وتوالت المشاريع لاستغلال هذه المياه وتوزيعها غير آبهة بأي عواقب يمكن أن تنشأ نتيجة تعدياتها وأطماعها تلك، وساعدها على ذلك عدة عوامل كان أهمها الدعم الأميركي والغربي غير المحدود لتنفيذ أهدافها، وأهم هذه المشاريع هوركز وجونسون وكوتن وهيس ولودرميلك وغيرها.

وبعودة سريعة إلى الأطماع الصهيونية، نرى أن إسرائيل تستفيد من طاقة مائية كبيرة من مياه الجولان المحتل، والذي تعادل مساحته 1 في المائة من مساحة سورية الإجمالي، ويتمتع بمردود مائي يعادل 3 في المائة من المياه التي تسقط فوق سورية، و14 في المائة من المخزون المائي العام، إضافة لمحاولاتها القديمة والمستمرة في السيطرة على المياه اللبنانية، حيث تتعمد تعطيل أي مشروع لبناني يرمي إلى الاستفادة من المياه أو من خلال الاستيلاء عليها بشكل متقطع وكلما سنحت لها الفرصة بذلك، ليصل مجموع ما تسرقه سنويا نحو 145 مليون متر مكعب.

أما فيما يخص الأردن، فإن تطبيع العلاقات لم يسهم في حماية وتأمين حصة الأردن من المياه حسب بنود الاتفاقية الموقعة، وذهب الأمر بالكيان الصهيوني إلى حد حفر آبار جديدة في الأراضي الأردنية داخل وادي عربة، للحصول على 10 ملايين م3 من المياه لغايات زراعية، وزد على ذلك استغلال علاقاته مع الدول المجاورة للدول العربية والتي يتطفل على مصادر مياهها، والدخول على الخطوط الساخنة أحيانا ظنا أنه يستطيع استمالتها لمصلحته.

وبالنسبة لمياه النيل تعود أول الأطماع الصهيونية إلى مطلع القرن الماضي، وبالتحديد إلى عام 1902، ففي سعي حثيث لـ ‘’تيودور هرتزل’’ مؤسس الحركة الصهيونية ومن أجل الوصول إلى فلسطين اقترح في ذلك العام على الحكومة البريطانية، كخطوة أولية نحو فلسطين، فكرة توطين اليهود في سيناء، وأرفق اقتراحه بفكرة الاستفادة من مياه النيل، وتم إرسال بعثة استكشافية صهيونية إلى مصر لدراسة الفكرة على أرض الواقع، ولتوفير المياه اللازمة لهذا المشروع، ورد اقتراح تحويل مياه النيل إلى سيناء من ترعة الإسماعيلية عبر أنابيب تمر من تحت قناة السويس لتصل إلى الأجزاء الشمالية الغربية من المنطقة المختارة للاستيطان، وقدر حينها أن معدل المياه المطلوبة من النيل تبلغ نحو أربعة ملايين متر مكعب يوميا، ولإقناع المعتمد البريطاني في مصر اللورد كرومر بهذه الفكرة قلل الصهاينة من كمية المياه التي يرغبون في سحبها من مياه النيل، وقال هرتزل مخاطبا كرومر في 25 مارس 1902: “إننا بحاجة إلى مياه الشتاء الزائدة التي تجري عائدة إلى البحر ولا يستفاد منها، ووافقت الحكومة البريطانية آنذاك على هذه الفكرة، ثم رفضتها لأسباب تخصها، وحفظ المشروع في الأدراج الصهيونية غير أنه لم يمت، وعادت هذه الفكرة إلى الظهور في أواخر السبعينيات وتحديدا في الشهر التاسع من عام 1978 على شكل مشروع قدمه المهندس الصهيوني ‘’اليشع كالي’’ على صفحات جريدة معاريف العبرية في مقال بعنوان (مياه السلام) وعرض فيه مشروعا متكاملا للتعاون في نقل مياه النيل واستغلالها في سيناء وغزة والنقب.

واليوم، ووسط صمت عربي، وبعيدا عن الأضواء وقعت إسرائيل في الخامس والعشرين من جويلية الماضي اتفاقية دولية مع جنوب السودان للتعاون في مجال المياه، الأمر الذي سيمكنها من التواجد رسميا بإحدى دول حوض النيل، ما يشكل خطرا على مستقبل الأمن المائي لمصر والسودان.

واستنادا إلى صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، فإن الاتفاقية تقضي بتأسيس شراكة للتعاون في البنية التحتية للمياه وتطوير التكنولوجيا بين إسرائيل وجنوب السودان، وتحدد الخطوط العريضة للتعاون بين البلدين في تحلية المياه والري ونقل وتنمية المياه.

يقول العميد حسين حمدو مصطفى، مؤلف موسوعة (إسرائيل في إفريقيا): ‘’إن خطورة هذه الاتفاقية على مصر مائيا تكمن في تنفيذ مشاريع مخططات قديمة لعقود تحلية المياه، وإقامة بنية تحتية لمشروعات الري والصرف، وإقامة السدود أو ما شابه ذلك على النيل، وهذا أمر في غاية الخطورة، ويشكل إعلان حرب على مصر من هذه الناحية’’، مضيفا: ‘’إن هذه الاتفاقية جاءت في الوقت الذي تضاءل فيه نفوذ مصر في القارة الافريقية بشكل كبير، ومن المحتمل أن يحدث في المستقبل أن تتدخل إسرائيل وتصبح قوة ضاغطة على مصر في ملف المياه بفضل سيطرتها على النيل في إحدى الدول المطلة على النهر، ألا وهي دولة جنوب السودان الحديثة، وقد يمتد هذا الضغط لدفع مصر للموافقة على جر المياه إلى الكيان الصهيوني من خلال ترعة السلام، ولا شيء مستغربا في مثل هذه الأوضاع، فكل شيء وارد’’.

وإذا كانت الاتفاقية المائية بين إسرائيل وجنوب السودان قد أعلنت بدء مرحلة شد الخناق المائي على مصر والسودان، فإن المسؤولين في البلدين مازالوا يقفون موقف المتفرج، ما عدا بعض الإعلاميين والمعلقين الذين يتناوبون على الشاشات محذرين من سرقة مياه النيل، لافتين إلى خطورة ما يجرى باعتباره خطرا يهدد الأمن القومي لكلا البلدين، ويجب التصدي له، متناسين أن هذه الاتفاقية لم تكن سوى تتويج لسياسات العقود الماضية التي تجاهلت الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل وموارد القارة الافريقية، والتي لا تعد جديدة، فإسرائيل كانت منذ سنوات طويلة تسعى إلى تعزيز علاقاتها بعدد كبير من البلدان الافريقية، فالموارد الطبيعية الهائلة التي تختزنها بلدان القارة تشغل أعلى سلم الأولويات الإسرائيلية في القارة السمراء إلى جانب الملف الأمني.

أما بخصوص جنوب السودان، فلم تخف إسرائيل يوما علاقتها بمسؤولي الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولا بقادة التمرد الجنوبيين الآخرين منذ اندلاع شرارته قبل عقود، والنظرة الأمنية لجنوب السودان سبق أن لخصها وزير الأمن الداخلي الصهيوني السابق، آفي ديختر، في محاضرة ألقاها في عام 2008، في فكرتين رئيسيتين: الأولى مرتبطة بالسودان، والثانية بمصر.

إن الأطماع الصهيونية في مياه النيل قديمة، ولهذا نرى أن هذه الأطماع تتجدد باستمرار وتنتظر الفرصة المناسبة للوصول إلى منابع النيل لتوسيع الفجوة بين العرب والأفارقة، ويبدو أنها نجحت اليوم من خلال التوقيع على هذه الاتفاقية لتؤجج صراع المياه في حوض النيل، مستفيدة من نفوذها في منطقة القرن الافريقي (أثيوبيا وكينيا في منطقة البحيرات العظمى)، لتأليب دول المنبع في حوض النيل ضد مصر والسودان، ما شكل تهديدا للأمن القومي العربي في محوره الإفريقي. ولم تكتف إسرائيل بذلك، بل إنها تسعى لتقسيم شمال السودان لعدة دويلات، وتكريس وجودها العسكري بالمنطقة.

يقول هاني سلامة، رئيس برنامج دراسات السودان وحوض النيل، بمركز الأهرام الاستراتيجي: ‘’إسرائيل ساهمت بشكل كبير في انفصال جنوب السودان منذ الستينيات من القرن الماضي، وتمكنت من إيجاد موطىء قدم لها في المجال الأمني والاستخباراتي والتسليح والتدريب، ولها قواعد عسكرية ومحطات تنصت، وقد امتد هذا التواجد إلى المجال الاقتصادي، والآن يمتد إلى مجال المياه، وهذا يدل على تكريس نفوذ إسرائيل في جنوب السودان كقاعدة ارتكاز لتحقيق أهداف استراتيجية، ومواصلة أعمالها التخريبية في السعي إلى إعادة تقسيم شمال السودان بعد نجاحها في تقسيم السودان إلى دولتين: شمالية وجنوبية، ووضع مصر تحت الضغط المستمر، ودفعها للموافقة على إيصال قسم من مياه النيل إلى إسرائيل، لأن ذلك لا يتم إلا من خلال مصر لتفعيل العمل بأنبوب السلام الذي لم يتحقق عبر اتفاق كامب ديفيد’’…

إن الحقيقة الخطيرة والمؤلمة، هي أن الأمن المائي العربي يوشك أن يصبح خاضعا لمشيئة قوى خارجية، وإذا أضفنا إلى الاعتبارات الجغرافية التي تجعل مصادر ومنابع المياه توجد ـ في معظمها ـ خارج الوطن العربي، فإن غياب استراتيجية عربية جدية لحماية هذه الثروة المائية القومية يزيد من حجم المشكلة، ويكرس أبعادها الرامية، فالنيل مصدر حياة الشعبين المصري والسوداني ـ تتحكم في مصيره سبع دول، هي تنزانيا، وبورندي، ورواندا، وزائير، وكينيا، وأوغندا، وإثيوبيا- وأي تعديل في حصص هذه الدول من إيرادته المائية تؤثر تأثيرا مباشرا على مصر والسودان وغير خافٍ أن أثيوبيا، من دون سائر تلك الدول، هي الأكثر تهديدا للأمن المائي المصري والسوداني، وإذا صحت الأنباء التي تحدث عن مشاريع أثيوبية / إسرائيلية لإقامة سدود على النيل، فمعنى ذلك أن حياة المصريين ذاتها في خطر.

وما يقال عن النيل يقال عن الفرات الذي يشكل واحدا من أهم مصادر عيش العراقيين والسوريين، فمنابع هذا النهر تسيطر عليها تركيا (العضو في الحلف الأطلسي)، والفرات يعني مفتاح الأمن الغذائي لحوالي 50 مليونا من العرب في سورية والعراق. وفي هذا الصدد قال أشوك سواين، الباحث في أسباب النزاعات بجامعة (أوبسالا) بالسويد: “إن خطر نشوب نزاع خطير بالمنطقة سببه النزاع على المياه في نهري دجلة والفرات”. ولفت النظر إلى أن الحكومة التركية تخطط لبناء 22 سدا في جنوب شرق تركيا بغرض الري وتصنيع الكهرباء، وقد تم إنشاء تسعة من هذه السدود حتى الآن، لكن العراق ليس سعيدا أبدا بهذا التطور، لأن هذه المشاريع التركية نتج عنها تراجع حاد في كميات المياه التي كانت تحصل عليها من نهري دجلة والفرات. وبسبب انشغال العراق بمشكلاته الداخلية فإنه لم يتمكن من مقاومة هذه الخطوة التركية التي يقول العراقيون إنها ترمي إلى السيطرة على المياه في نهري دجلة والفرات. لكن المراقبين يعتقدون أنه حالما تهدأ الأمور الداخلية بالعراق سوف تتفرغ الحكومة إلى مواجهة خلاف خطير حول المياه مع الجار التركي.

أما إسرائيل فتبقى المصدر الأكثر تهديدا على هذا الصعيد، لقد سرقت المياه العربية بفلسطين بعد استيطانها، ثم زادت في معدلات استغلالها للمياه العربية الجوفية في الضفة وغزة بعد الاحتلال إلى درجة التهديد بنضوبها، وتهدد الأردن ولبنان في مياهها (نهر الأردن، نهر الليطاني) وتحاول البحث عن صورة من صور استغلال مياه النيل ومدخلها إلى ذلك الضغط على مصر عبر إثيوبيا. وجاء التدفق الكثيف للمهاجرين من دول أوروبا الشرقية ليزيد من أطماع إسرائيل في المياه العربية، ولنا أن نتصور مستقبلا تذهب فيه إسرائيل إلى سرقة المزيد من المياه العربية، إنه لن يكون إلا على حساب مصيرنا.

هكذا تبدو اللوحة غير مشجعة، بينما يغط كثير من العرب في النوم، جاهلين بما يتهددهم. وعليه فالمنطقة العربية وفي ظل الأطماع الإسرائيلية التي باتت معروفة تعيش أزمة مائية وقلقا حقيقيا على المستقبل، ولاسيما مع ازدياد عدد السكان ونضوب بعض المصادر، وإمكانية دخول بعض الموارد المائية الأخرى ضمن المصالح السياسية المتقلبة في المنطقة، ورغم انطلاق المفاوضات بين بعض الدول العربية وإسرائيل برعاية دولية، والتوصل إلى التطبيع، فإن مشكلة المياه مازالت هي الشغل الشاغل للحكام الصهاينة، وتؤكد مجمل التصريحات لهم أن موضوع المياه سيكون من أصعب الموضوعات على جميع مسارات التفاوض، بل يعد أحد الخطوط الحمراء في أي مفاوضات. فقد أدركت الصهيونية، ومنذ نشوئها أهمية وحيوية المياه لمشروعها الاستيطاني إذا أريد له النجاح مستندة إلى أمرين.

أولهما: طبيعة المشروع الصهيوني استيطانيا وزراعيا والذي يتطلب ربط اليهود بالأرض وذلك يتأتى من خلال الزراعة، ما يعني ضرورة توفير أو وضع اليد على مصادر المياه الحيوية الكافية لتلبية المشاريع والمستوطنات الزراعية، ولهذا كانت الأفواج الأولى من التسلل اليهودي إلى فلسطين تتجه وبناء على التوجيه الصهيوني نحو الأماكن التي تكثر فيها المياه، وتكون إما صالحة للزراعة أو قابلة للاستصلاح الزراعي.

وثانيهما: إن الهدف المعلن للمشروع الاستيطاني كان تجميع شتات يهود العالم في فلسطين، وقد جاء ذكر الفقرة الثانية من قرارات المؤتمر الصهيوني الأول فيما يتعلق بمساحة الدولة اليهودية المزعومة وحدودها الجغرافية المراد إنشاؤها، أن تكون كافية لاستيعاب خمسة عشر مليون مستوطن الأمر الذي يستدعي ضرورة توفير المياه اللازمة لتلبية الحاجات المختلفة لهذا الكم من المتطفلين، علما أن موارد فلسطين الذاتية من الماء زهيدة نسبيا ولا تستطيع سد الحاجة المائية لهذا العدد الضخم.

يتصل التفكير في هذه الناحية، بالنظر إلى نواحي الأمن المائي العربي لا بأمن الأنهار والآبار والاحتياطات الجوفية من الماء فحسب، وإنما بأمن المحيطات والبحار والمضايق، أي الحزام المائي الإقليمي العربي الممتد على شمال غرب وشرق الوطن العربي، وفي قلبه، فالبحار والمحيطات تكوّن جزءا من الفضاء (الجيوستراتيجي) المتميز للوطن العربي، وتفصله عن، وتصله بـ (جنوب أوروبا)، وتفصلنا عن القارة الأمريكية، وعن العالم الآسيوي، وهو ـ في الوقت نفسه ـ يشطر الجغرافيا العربية إلى قسمين من قارتين (البحر الأحمر): قسم إفريقي وقسم آسيوي، وإلى ذلك فالوطن العربي يتحكم أو يشارك التحكم ـ مع غيره ـ في السيطرة على الكثير من القوات والمضايق الاستراتيجية الهامة (مضيق هرمز، باب المندب، خليج العقبة، قناة السويس).

وهذا الوضع (الجيوستراتيجي) للوطن العربي، يجعله مفتوحا وعرضة للاختراق، فعلى مقربة من المياه الإقليمية للدول العربية تجثم الأساطيل الكبرى كي تؤدي وظيفة حماية الاستراتيجيات الكبرى، وتتحرك تجارة تصدير النفط على أوسع نطاق، لتتحرك معها البحرية الأمريكية في الخليج، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الغرب يراقب قناة السويس بمعية إسرائيل، وإن هذه تراقب الحركة في البحر الأحمر وفي خليج العقبة، عبر ميناء إيلات المحتل، وإن إيران تراقب مضيق هرمز بل تسيطر عليه، لاتضح جليا أن هذه الميزة الاستراتيجية لا تشكل في ظل غياب استراتيجية أمنية عربية بحرية، امتيازا للعرب، بل إنها تكاد تنقلب عبئا على أمنه، وليس أدل على ذلك من إقدام فرق الموساد على تنفيذ اغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير (أبو جهاد) في العاصمة التونسية بعملية لم تواجه عائقا، في ظل غياب خطير حتى للحراسة البحرية العادية (دوريات الشاطئ) للدول العربية في بحر كبير الأهمية، كالبحر المتوسط…

فليس ثمة شك في وجود علاقة عضوية وطيدة بين الأمن المائي والاستقلال الكامل، الاقتصادي والسياسي، فتحقيق الأول يسهم في ضمان تحقيق الثاني، كما أن فقدان الأول يؤثر موضوعيا في الثاني. إن دولة لا تستطيع تأمين ثروتها المائية من مخاطر التبذير وسوء التصرف اللاعقلاني في الداخل، ومن مخاطر السيطرة الخارجية على بحار ومحيطات يفترض أن تكون نقطة قوة لها هي دولة عاجزة عن ضمان أمنها الاقتصادي والغذائي. إن دولة لا تستطيع بناء سياسة بحرية دفاعية تؤمن حقوقها المائية، وترفع من درجة استعدادها الأمني لدرء الأخطار العسكرية البحرية هي دولة تعجز ـ تماما ـ عن ضمان استقلالها السياسي، وحين تفقد الدولة قدرتها على تأمين الغذاء لشعبها ـ وحين يصبح مستعصيا عليها ـ بالتدريج ـ أن تستوعب الحاجات الاقتصادية المتزايدة بسبب فقدانها للحد الأدنى من السيطرة على ثرواتها فإن وجهتها عادة ما تكون الالتجاء للخارج للاستدانة مع ما يتبع ذلك من قبول منها ـ اضطراري ـ للتبعية والتخلي عن جزء من سيادتها، ويضعها، موضوعيا، تحت رحمة القوى الدائنة، وقد شهدنا كيف كانت الحياة السياسية لكثير من دول العالم الثالث تدار من حكومات الظل المرتبطة مباشرة بصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بصورة تحولت معها البرامج والمخططات الحكومية إلى تنفيذ لتوصيات هذه المؤسسات المالية المدارة من عواصم الغرب الكبرى.

ومن هذا المنطلق يجب التنبه للأخطار الصهيونية المحدقة والمتزايدة، التي تدعونا للسؤال من أين يشرب 450 مليون عربي في الأعوام القليلة القادمة إذا استطاعت إسرائيل تنفيذ مخططاتها ولم تجد من يردعها عن غيها وغطرستها تلك؟! كما تدعونا لاتخاذ موقف عربي موحد وتوقيع اتفاقيات تضمن الأمن المائي العربي حتى نستمر بالحياة، فخطر شح المياه أشبه بالأسلحة الفتاكة التي تسعى إسرائيل لاقتنائها وتهديدنا بها. ولابد من التحذير أن الوطن العربي مقبل على كارثة مائية بحلول عام 2020 في ظل المؤامرات الدائرة على منابع المياه وغياب استراتيجية عربية للحل.

لقد أظهرت العقود الأخيرة أن الأمن المائي أصبح مكونا رئيسيا في منظومة الأمن القومي المتكاملة، فمتى يكون للعرب -دولا وتجمعا- استراتيجيتهم الواضحة للحفاظ على أمنهم المائي، وأمنهم القومي برمته؟!

ملخص كتاب الخديعة الكبرى لتيري ميسان : كل ما حدث ما هو إلا مسرحية كوميدية وتراجيدية في نفس الوقت من اخراج امريكا.

المميز

سبّب هذا الكتاب ضجة كبيرة جداً في جميع أنحاء العالم حيث يشكك الكاتب في التصريحات الرسمية الأمريكية والسيناريو الرسمي الذي وضعته الحكومة الأمريكية لأحداث 11 سبمتبر.. ويعتبر تيري ميسان أن كل ما حدث ما هو إلا مسرحية كوميدية وتراجيدية في نفس الوقت من اخراج امريكا.
الكتاب مليء بالمفاجآت وبالحقائق المثيرة التي لم نسمع بها من قبل.. والجميل أن كل المعلومات موثقة استقاها الكاتب من مصادر مشهود لها بالدقة والصحة. أحاول في هذا الجهد المتواضع أن أنقل لكم أهم هذه الحقائق المثيرة.. أتمنى لكم وقتاً ممتعاً.
عندما سئل رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال ريتشارد مايرز عن الاجراءات التي اتخذتها السلطات الأمريكية المختصة لمنع طائرة البونيغ من الاصطدام بمنبى البنتاجون تردد وتلعثم ولم يعرف ماذا يقول وامتنع عن الاجابة.
بعد ذلك بأيام حاول مسؤولو (قيادة الدفاع عن فضاء أمريكا الشمالية) تدارك هذا الموقف المحرج بادعاء أنه تم اصدار أوامر إلى طائرتي (ف16) بمطاردة الطائرة البوينغ لمنعها من الاصطدام المتعمد بالبنتاجون!! ولكن المحير والغريب والمضحك في نفس الوقت أن طائرتي ال(ف16) التي تعتبر أحدث طائرات مقاتلة ومطاردة في العالم لم تستطع لا العثور ولا اللحاق بالطائرة البوينغ الثقيلة البطيئة نسبياً بينما تمكنت طائرة شحن عسكرية ثقيلة من تحديد مكان طائرة البوينغ ولكن بعد فوات الأوان، حيث كان ذلك قبل الوقت المعلن لاصطدام طائرة البوينغ بمبنى البنتاجون بثوان معدودة فقط. نظام الأمن الذي يتولى حماية مبنى البنتاجون متطور لأقصى درجة وهو نظام مضاد للطيران وخاضع للمراقبة دوماً بواسطة سلطات قاعدة سانت اندرو الرئاسية.. وهذا النظام مزود بوحدتين حربيتين جويتين… وكلتا الوحدتين مزودتان بأحدث طائرات (ف16) و(ف18) فأين كان هذا النظام طوال فترة اقتراب طائرة البوينغ من مبنى البنتاجون؟ هل يشبع فضولنا تصريح المتحدث باسم البنتاجون المقدم فيك فارزينسكي الذي قال: «لم ندرك أن الطائرة كانت متوجهة نحونا ولم نكن نتوقع ذلك أصلا!!»؟؟
طائرة البوينغ التي من المفترض أنها اصطدمت بمبنى البنتاجون ضخمة للغاية تسع 293 راكباً ويبلغ طولها حوالي 48 متراً وعرضها 38 متراً وتزن 115 طناً وتطير بسرعة تصل إلى 900كم/ساعة.. البنتاجون هو أكبر مبنى إداري في العالم يعمل فيه 000 ،23 شخص يومياً.. إذا كان في نية من يوجه طائرة البوينغ إحداث أكبر قدر ممكن من الخسائر المادية والبشرية لكان الاصطدام بسقف مبنى البنتاجون هو الخيار الأمثل ولكن ما حدث أن الطائرة اصطدمت بواجهة من واجهات المبنى خاضعة للترميم حيث كان هذا الجزء هو الواجهة لمركز قيادة القوات البحرية الجديد وكانت المكاتب في ذلك الوقت خالية إلا من عمال الإنشاءات!! يا للصدفة.
نقطة أخرى غريبة للغاية هي أنه بادخال مجسم أو صورة لطائرة البوينغ في الحفرة التي أحدثها الاصطدام فإننا نلاحظ أن رأس أو مقدمة الطائرة هي فقط التي اخترقت جدار المبنى بينما لزم أن يظل الجزء المتبقي من جسم الطائرة في الخارج.. ولكن هل شاهد أحد منا أي صورة في وسائل الإعلام تظهر فيه اجزاء من جسم الطائرة في مكان الاصطدام؟
الأغرب من هذا كله ما أكده قائد فرقة الاطفاء التي تولت مكافحة الحريق الناجم عن الاصطدام المزعوم وهو اد بلوفر حيث أكد في مؤتمر صحفي أن رجاله أوكلت إليهم فقط مهمة الحريق الذي امتد للمبنى نفسه ولكن لم يسمح لهم بالاقتراب من نقطة الاصطدام!! طبعاً لم يسمح لهم بذلك حتى لا يفاجأوا بأنه لا توجد طائرة كاملة أصلا حتى تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بمبنى البنتاجون لا تحتوي على أية صور لطائرة تصطدم بالمبنى.
أعلن مسؤولو مكتب التحقيقات الفدرالية أن الطائرتين اللتين اصطدمتا ببرجي مركز التجارة العالمي هما من طراز بوينغ 767.. الغريب أنه رغم أن كل طائرة من هذا النوع تتسع لـ239 راكباً إلا أن الطائرة الأولى كانت تحمل 81 ركباً بينما كان على متن الطائرة الأخرى 56 راكباً فقط! وقد تمكن بعض الركاب ممن كانوا يحملون هواتف خليوية من الاتصال بأقربائهم واخبارهم أن القراصنة المختطفين لا يحلمون سوى سكاكين!! هل كانت هذه محاولة تافهة لإلصاق التهمة بالعرب والمسلمين كون التاريخ يثبت وفي مواقف متعددة تفضيل العرب لاستخدام السكين كسلاح؟ وهل من المعقول أن يتسلح رجال قاموا بالتخطيط لهكذا عمليات دقيقة وخطيرة بالسلاح الأبيض فقط؟ وكيف مرت هذه السكاكين بسلام عبر أجهزة التفتيش في المطارات الأمريكية؟ علماً أن استخدام الأنواع الحديثة من الأسلحة كان سيكون خياراً أفضل كون أن هذه الأسلحة غير قابلة للكشف خلال أجهزة التفتيش كونها مصنوعة من البلاستيك.
بعد اغلاق المجال الجوي تم تفتيش جميع الطائرات التي كانت في الجو وعثر في إحدى الرحلات على عدد من السكاكين مخبأة تحت أحد مقاعد الطائرة فافترضت السلطات الأمريكية على الفور أن جميع المختطفين يحملون نفس هذا النوع من السكاكين!
والمضحك أنه بعد ذلك بفترة ادعت الاستخبارات الأمريكية أنها عثرت على سكاكين مشابهة ومن نفس النوع في منزل في افغانستان كان قد أقام به أسامة بن لادن لفترة فتم الصاق مسؤولية العمليات بهذا الرجل فوراً ولهذا السبب التافه والمختلق فقط. يتضح من خلال شريط الفيديو المصور لعملية الاصطدام ببرجي مركز التجارة مدى دقة ومهارة من كان يقود الطائرتين نحو المبنى فقد كان عليهم النزول إلى علو منخفض جداً وسط غابة من ناطحات السحاب العملاقة حيث الزوايا الحرجة والضيقة.. ونظراً لقلة المرونة التي تسمح بها طائرات البوينغ العملاقة فإن عملية كهذه تتطلب جرأة ومهارة فائقة في الطيران لا تتوفر في مجموعة من الهواة العرب الذين تلقوا دروساً غير متقدمة في الطيران لدى معاهد غير معروفة على مستوى العالم.. وهذا ما أكده جميع خبراء الطيران المتمرسين الذين قابلهم الكاتب ومن بينهم طيارون أمريكيون أيضاً.
هناك نظرية لم يلتفت إليها الكثيرون وهي قائمة على موقف غريب للغاية.. فقبل الاصطدام بلحظات التقطت بعض أجهزة الراديو البسيطة ذبذبات صادرة عن جهاز تحكم عن بعد من داخل أحد برجي مركز التجارة العالمي.. وقد تمكنت أجهزة الراديو تلك من التقاط الذبذبات بسبب تداخلها مع الموجات الصادرة عن هوائيات التلفاز والفيديو المثبتة في قمة المبنى.. فهل استخدم منفذو العملية جهاز تحكم وضعوه في البرج وجعلوه كالفخ الذي توجهت إليه الطائرة التي كانت تسير بشكل آلي؟ وللعلم فإن تنصيب الطائرة على وضعية الطيران الآلي لا تتطلب وجود منفذي العملية على الطائرة حيث إنه بفضل تقنية (الجلوبال هوك) التي اجازتها وزارة الدفاع الأمريكية فإنه يمكن التحكم بطائرة بوينغ دون الحاجة لوجود أحد على متنها!! قمة الغرابة فعلاً.
بعد اصطدام الطائرتين بالبرجين بوقت قصير انهار البرجان تماماً وأسندت إدارة وكالة الطوارىء الفدرالية إلى الجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين مهمة التحقيق في أسباب انهيار المبنيين.. خرج التقرير الأولي ليشير إلى أن الحرارة الشديدة الناجمة عن احتراق وقود الطائرتين أذابت الأساسات الحديدية للمبنيين مما أدى إلى انهيارهما.. الغريب أن خبراء الاطفاء رفضوا تماماً قبول هذه النظرية وأكدوا أن الحسابات الهندسية للمبنيين توضح أن الأساسات يمكنها تحمل درجات حرارة مرتفعة جداً ولوقت طويل..
كذلك أكد العديد من رجال الاطفاء أنهم سمعوا أصوات انفجارات عديدة في قاعدة البرجين.. ويؤكد خبير التعدين والتكنولوجيا فان روميرو أن المتفجرات (ضغط + حرارة وليس حرارة فقط كما في حالة الحريق) هي الوحيدة القادرة على تدمير مبنيين بهذا الحجم… المثير أن صحيفة نيويورك تايمز خرجت بسبق صحفي خطير جداً مفاده أن مركز التجارة العالمي كان يخفي قاعدة عسكرية سرية وهناك شهادات كثيرة بأن الطابقين التاسع والعاشر من البرج السابع للمجمع والذي انهار لاحقاً كان يضم قاعدة سرية لل«سي. آي. أيه) وقد بعث شخص مجهول الهوية إلى كاتب هذا الكتاب بصورة يتضح فيها حريق عند الطابق التاسع من المبنى السابع! ولكن الكاتب يؤكد أنه لم يتسن له الوقت للتأكد من صحة الصورة.
نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن (ميشا فالكوفر) مدير شركة للرسائل الالكترونية التي تتخذ من نيويورك مقراً لها أن الشركة تلقت من مجهول قبل ساعتين من حدوث الهجمات رسائل فورية تحذر من وقوع الهجمات!! الطريف أن أحد مراسلي قناة الجزيرة بث هذا الخبر فور علمه به واستخدمه كدليل على أن منفذي الهجمات هم اليهود أو الموساد كون شركة الرسائل (أوديجو) إسرائيلية فما كان من إدارة قناة الجزيرة سوى أن أقالت هذا المراسل وطردته من وظيفته فوراً .
لننتقل إلى هذا الموقف الغريب جداً جداً.. في مقابلة مع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش سئل عن شعوره حين علم بالهجوم الارهابي فأجاب بأنه كان في فلوريدا يزور إحدى المدارس وكان جالساً خارج الفصل الدراسي ينتظر موعد لقائه مع التلاميذ حين شاهد على شاشة تلفاز قريبة مشهداً لطائرة تصطدم بالبرج الأول فقال في نفسه: «إن هذا الطيار يبدو رهيباً وحاذقاً ويجيد قيادة الطائرات بمهارة»! وبعد ذلك طُلب من بوش أن يدخل إلى الفصل للقاء التلاميذ ولم يتسن له التفكير في الموضوع.. يقول جورج بوش: «بعد ذلك وأثناء محادثتي للتلاميذ دخل علينا أميني العام آندي كارد ليخبرنا بأن طائرة أخرى اصطدمت بالبرج وأن أمريكا تتعرض للهجوم».. الحقيقة أن الرئيس الأمريكي المعروف بحماقته لم يكن يدري وهو يقول هذا الكلام أنه يسجل اعترافاً خطيراً جداً جداً.. فالمعلوم أن أول صور للاصطدام بالبرج الأول
بثت على شاشات التلفزيون بعد 13 ساعة عبر وكالة (جاما) وكان قد صورها الاخوان جول وجيديون نودي بالصدفة.
إذاً كيف شاهد الرئيس الأمريكي مشاهد الاصطدام بالبرج الأول على شاشة التلفاز بينما لم نشاهدها نحن إلا بعد 13 ساعة؟
هل كانت المشاهد التي رآها الرئيس الأمريكي على شاشة التلفاز في تلك المدرسة صوراً سرية نُقلت إليه على الفور إلى صالة الاتصالات المجهزة مسبقاً في المدرسة التي كان يزورها؟
في الثاني عشر والثالث عشر من سبتمبر ذكرت صحيفتا الواشنطن بوست والنيويورك تايمز نقلاً عن آري (فليشر) المتحدث باسم البيت الأبيض ان الوكالة السرية، وهي وكالة حماية الشخصيات رفيعة الشأن، كانت قد تلقت رسائل من المهاجمين يشيرون فيها إلى نيتهم تدمير البيت الأبيض والطائرة الرئاسية والغريب ان (فليشر) صرح بأن المهاجمين استخدموا في اتصالهم بالوكالة السرية رموز تحديد الهوية والبث الخاصة بالرئاسة.
والأغرب هو ما صرح به مسؤولون كبار في الاستخبارات بأن المهاجمين استخدموا أيضاً في اتصالاتهم الرموز الشفرية التابعة لإدارة مكافحة المخدرات (DEA) ومكتب الاستطلاع الوطني (NRO) واستخبارات القوات الجوية (AFI) والاستخبارات العسكرية (AI) واستخبارات القوات البحرية NI) (واستخبارات ووزارتي الطاقة والعدل!! ومن المعروف ان هذه الرموز تقتصر معرفتها على عدد محدود جدا من كبار رجالات الدولة فكيف تسربت إلى المهاجمين؟! هذا إذا كان هناك مهاجمون أصلا.
هناك سؤال آخر يطرح نفسه: إذا كان المهاجمون قد تمكنوا من الحصول على كل هذه الرموز السرية فلماذا اكتفوا في اتصالاتهم بالتهديد بالقيام بعمليات إرهابية ضد أهداف أمريكية بينما خلت اتصالاتهم من أية مطالب أو رغبات؟ ألم يكن باستطاعة المهاجمين كونهم يحملون رموز الرئاسة الشفرية الدخول إلى البيت الأبيض واغتيال الرئيس الأمريكي وإعطاء التعليمات للجيش الأمريكي وتشغيل القنابل النووية؟
ألا يدل ذلك على ان (المهاجمين) من داخل البيت الأبيض؟
ستتضح صورة هذه النظرية أكثر بعد قليل … في صباح يوم 11 سبتمبر بثت وكالة (أي.بي.سي) مشاهد مباشرة لحريق مندلع في البيت الأبيض… كانت الصورة الثابتة للمبنى والحريق هو كل ما شاهدناه ولم نسمع أي شيء عن مصدر الحريق أو مسبباته… بعد ذلك بفترة قصيرة تم اخلاء البيت الأبيض وتم اجلاء نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني وانتشرت قوات الصاعقة حول المبنى وأعلنت الوكالة السرية خطة استمرارية الحكومة.
لاحقاً ألقى الرئيس جورج بوش كلمة طمأن فيها الشعب الأمريكي بأن الحكومة تبذل كل ما في وسعها للسيطرة على الوضع وان الولايات المتحدة ستطارد الفاعلين وتعاقبهم.. ما يلفت النظر فعلاً في خطاب الرئيس الأمريكي أنه لم يستعمل كلمة إرهاب أو إرهابي أبداً وكأنه كان يتحدث عن شيء آخر أو بمعنى أصح إرهاب من نوع آخر!!! وكذلك فعل المتحدث باسمه (آري فليشر) مع رجال الصحافة. حادثة غريبة توضح الصورة أكثر وهي ان نائب الرئيس ديك تشيني صرح بأن رجال الوكالة السرية (أرغموه) على اللجوء إلى الغرفة المحصنة رغما عنه.
أمريكا قامت بنفس السيناريو من قبل
في الخمسينات كانت كوبا ترزح تحت نظام حكم (فولخانسيو باتيستا) الذي سمح لمجموعة من الشركات الأمريكية مثل جنرال موتورز وستاندرد اويل وشيراتون وهيلتون وجنرال اليكتريك بالسيطرة على ثروات البلاد… في العام نفسه نجح مجموعة من الثوار بقيادة الرئيس الحالي فيدل كاسترو في قلب نظام الحكم واستلام مهام السلطة في البلاد… دفع هذا التحول المفاجئ تلك الشركات الأمريكية التي خافت على مصالحها في الجزيرة إلى محاولة اقناع الرئيس الأمريكي بالتخلص من نظام الحكم الجديد في كوبا.
في السابع عشر من مارس 1960 أصدر الرئيس الأمريكي (ايزنهاور) مرسوما يقضي بضرورة التخلص من نظام كاسترو… وكان الهدف الأول والأخير لهذا القرار هو تغيير نظام كاسترو إلى نظام آخر أكثر ملاءمة للمصالح الأمريكية الكبيرة في الجزيرة الكوبية.
بعد تولي جون كينيدي لمقاليد الرئاسة في أمريكا بفترة قصيرة قامت سلطات الاستخبارات الأمريكية بتجنيد مجموعة من المنفيين والمرتزقة الكوبيين من أجل القيام بانقلاب ضد كاسترو… في السابع عشر من ابريل 1961 قامت هذه المجموعة بعملية انزال في خليج الخنازير ولكن المحاولة باءت بالفشل… الأمر الذي فاجأ السلطات الأمريكية فعلاً كان رفض جون كينيدي ان تقوم القوات الجوية الأمريكية بدعم المرتزقة الكوبيين خلال عملية الانزال وقيامه بعزل مدير ال (سي.أي.إيه) الان داليس ومساعده تشارلز كابل واصداره لأوامر باجراء تحقيق داخلي لتحديد المسؤولين عن العملية ومن بينهم هيئة الأركان المشتركة وقائدها الجنرال لايمان لمنيتزر، اتهمت السلطات السياسية والعسكرية العليا في أمريكا الرئيس الأمريكي جون كينيدي بالجبن لرفضه توفير الدعم للمرتزقة الكوبيين… بعد تفكير عميق توصل مجموعة من القادة المتطرفين والذين يشغلون مناصب عليا في القطاعين السياسي والعسكري إلى فكرة مخيفة… أساس هذه الفكرة هو تقديم حجة سياسية وعسكرية أو عذر سياسي وعسكري إلى الرئيس كينيدي من أجل ان يوافق على عملية تدخل عسكري شاملة للجزيرة الكوبية.. تولى مهمة التخطيط لهذه الحجة العميد ويليام كريغ والجنرال ليمنيتزر رئيس هيئة الأركان المشتركة… وفي الثالث عشر من مارس 1962 قام ليمنيتزر بعرض المخطط أو الحجة التي أطلق عليها اسم (الغابات الشمالية) على من يهمه الأمر من المسؤولين وذلك خلال اجتماع عقد في مكتب وزير الدفاع روبرت ماكنمارا في البنتاجون. لم تكن نهاية الاجتماع سعيدة بالنسبة لأصحاب المخطط فقد رفض وزير الدفاع ماكنمارا المخطط بأكمله وتم إبعاد الجنرال ليمنيتزر عن البلاد وتعيينه قائدا للقوات الأمريكية في أوروبا… ورغم ان ليمنيتزر أمر بتدمير كل نسخ المخطط قبل رحيله إلى أوروبا إلا ان وزير الدفاع ماكنمارا احتفظ بنسخة منه.
إذاً رفض الرئيس الأمريكي جون كينيدي ان تتورط بلاده في حرب ضد كوبا… ويجمع معظم المؤرخين ان هذا هو السبب الرئيسي لاغتياله عام 1962.
في العام 1992 أطلق المخرج الأمريكي الشهير أوليفر ستون فيلما سينمائيا يختص بإظهار التناقضات العديدة التي تضمنتها الرواية الرسمية للسلطات الأمريكية حول حادثة اغتيال جون كينيدي.. سبّب هذا الفيلم ضجة كبرى في الولايات المتحدة والعالم وحرك الرأي العام العالمي بقوة والذي بدأ يتساءل بإلحاح عن الأسباب الحقيقية وراء اغتيال كينيدي.. دفع هذا الضغط والالحاح العالمي الرئيس بيل كلينتون إلى اصدار أوامر بفتح الملفات القديمة المحفوظة في البيت الأبيض والبنتاجون منذ عهد كينيدي.. وبفتح هذه الملفات القديمة عثر بين أوراق وزير الدفاع في عهد كينيدي روبرت ماكنمارا على تلك النسخة من مشروع الغابات الشمالية.
مشروع (الغابات الشمالية) هل تم تطبيقه يوم 11 سبتمبر 2002؟
في استراليا العام 1999 نشر الكاتب والصحفي جون اليستون كتابه (الحرب النفسية ضد كوبا – تاريخ الحملة الدعائية الأمريكية ضد كاسترو) وضمن في هذا الكتاب مستندات عملية (الغابات الشمالية)… ولكن على عكس المتوقع لم يحدث الكتاب أية ضجة أو ردة فعل سواء في الولايات المتحدة أو العالم.. ولكن بعد سنتين من ذلك التاريخ قام الكاتب جيمس بامفورد بنشر نفس مستندات العملية في كتابه (مجموعة الأسرار – تحليل لوكالة الأمن الوطني منذ الحرب الباردة وحتى فجر القرن الجديد) وهذه المرة أحدثت المستندات ردة فعل عنيفة في الأوساط السياسية الرسمية والشعبية.
كان هدف عملية (الغابات الشمالية) اقناع المجتمع الدولي بأن فيدل كاسترو يشكل خطرا على العالم بأفكاره الثورية لذلك يجب التخلص منه.. ولتحقيق هذا الهدف ولإعطاء الولايات المتحدة حجة للتدخل العسكري في كوبا كان لابد من القيام بتمثيلية كبرى بحيث يتم إلحاق أضرار كبيرة بمصالح أمريكية وإلصاق التهمة بكوبا.
تضمنت عملية (الغابات الشمالية) العديد من المقترحات اذكر منها قيام مجموعة من المرتزقة الكوبيين المتخفين بملابس قوات فيدل كاسترو بالهجوم على القاعدة الأمريكية في كوبا «جوانتامو» وإحداث قدر كبير من التخريب والتفجيرات والتسبب بخسائر مادية وبشرية كبيرة.
– تفجير واغراق سفينة أمريكية في المياه الاقليمية لكوبا على أن تكون السفينة في حقيقة الأمر خالية ومتحكم بها عن بعد.. ويكون الانفجار من الشدة بحيث يشاهد في العاصمة هافانا وذلك للحصول على شهود عيان.. وتكون هناك عمليات انقاذ موسعة ولائحة بأسماء الضحايا ومراسم جنائزية وذلك لإثارة الرأي العام العالمي.. وتجري العملية في الوقت الذي تتواجد فيه سفن وطائرات كوبية في المنطقة حتى يتسنى نسب المسؤولية إليها.

ملاحظة:
في عام 1898 كانت كوبا مستعمرة اسبانية وتم في ذلك الوقت تدمير السفينة الأمريكية مما أدى إلى مقتل 276 شخصاً فاستخدمت أمريكا هذا العذر لاحتلال اسبانيا.
– ممارسة الارهاب ضد المنفيين الكوبيين في الولايات المتحدة من خلال استخدام العبوات الناسفة والسيارات الملغومة.. وبعد ذلك يتم القاء القبض على عملاء وجواسيس كوبيين مزيفين للحصول على اعترافات.. يتم توثيق هذه الاعترافات وتوزيعها على وسائل الإعلام المختلفة.
– إيهام الدول المجاورة لكوبا بخطر نظام فيدل كاسترو الثوري ذي الأهداف التوسعية.. وتقوم طائرة كوبية مزيفة بقصف ليلي لجمهورية الدومينيكان المجاورة مع الأخذ في الاعتبار أن تكون الصواريخ المستخدمة سوفييتية الصنع (كان الاتحاد السوفيتي هو مصدر السلاح الأول لنظام فيدل كاسترو).
– اثارة الرأي العام العالمي وذلك عن طريق تفجير طائرة مدنية أمريكية.. ولإحداث أكبر قدر ممكن من التأثير يؤخذ في الاعتبار أن يكون على متن الطائرة شخصية أمريكية مؤثرة ومشهورة مثل جون غلين أول أمريكي يدور حول الأرض.. ويكون تنفيذ هذه العملية كما يلي: يقوم مجموعة من المتواطئين «طلاب مثلاً» باستئجار طائرة تابعة لاحدى الشركات.. في الجو تلتقي هذه الطائرة مع طائرة أخرى شبيهة بها تماماً ولكنها خالية من الركاب ومتحكم بها من بعد بينما يعود المتواطئون بطائرتهم للهبوط في احدى قواعد ال«سي. أي. أيه».. تكمل الطائرة الأخرى مسارها وتصدر نداءات استغاثة واشارات تدل على قرصنة جوية بواسطة مختطفين كوبيين ثم تنفجر في الجو.
كما يتضح من بنود عملية فإن انجاز هذا المخطط يتطلب مقتل العديد من المواطنين الأبرياء سواء مدنيين أو عسكريين.. ولكن في نظر من خطط ل«الغابات الشمالية».. فإن مقابل موت هؤلاء ستحصل أمريكا على أدوات سيطرة مطلقة وفعّالة على العالم وهذا هو الهدف الأسمى.

ﺑﻘﻠﻢ:ﻣﺤﻤﺪ ﺃﻣﻴﻦ ﺍﻟﻀﻨﺎﻭﻱ —احد اسباب الثوره الامريكيه في سوريا

المميز

. . . لعلهم يستيقظوا من سبات البهائم الذين هم فيه ! ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺑﻜﻤﻴﺎﺕ ﻫﺎﺋﻠﺔ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻟﻼﻗﺘﺘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻗﺪ ﺗﻜﻠﻤﺖُ ﻋﻦ ﺍﻟﺮﻣﻮﺯ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻓﻲ ﺷﻌﺎﺭﻫﻢ”ﻧﺎﺑﻮﻛﻮ”، ﻭﻛﻨﺖ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ ﻗﺪ ﻛﺸﻔﺖ ﻧﻮﺍﻳﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﻐﺎﺯﻱ ﺍﻟﺘﻮﺳﻌﻲ، ﻭﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻃﻠﻘﺖ ﺍﺳﻢ “ﻧﺎﺑﻮﻛﻮ”، ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻨﻪ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺒﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﻠﺒﺖ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻲ”ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﺼﺮ” ﻭﺍﺳﺘﺨﻔﺖ ﺑﻪ، ﻓﻜﻠﻤﺔ”ﻧﺎﺑﻮﻛﻮ”ﺗﻤﺜﻞ ﺻﻴﻐﺔ ﺗﺼﻐﻴﺮ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻻﺳﻢ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﺩ ﺍﻟﺴﺒﻲ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻲ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ. ﺑﺎﻟﻌﻮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ، ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺣﺮﻑ (A) ﺭُﺳﻢ ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞ ﻗﻨﻄﺮﺓ ﺃﻧﺒﻮﺑﻴﺔ ﻣﻘﻮﺳﺔ، ﺗﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺣﺮﻑ(N)، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻣﺰ ﺇﻟﻰ ﻧﻬﺮ ﺍﻟﻨﻴﻞNile، ﻭﺑﻴﻦ ﺣﺮﻑ (B) ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻣﺰ ﺇﻟﻰ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺑﺎﺑﻞ Babylon، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺘﻤﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺑﺎﺑﻞ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﻘﻮﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺴﻮﻕ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﺑﺄﻥ ﺩﻭﻟﺔ”ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ” ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ. ﺑﺪﺃﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ”ﻟﻴﻔﻴﺎﺛﺎﻥ”ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 2009، ﻓﻘﺪ ﺑﺎﺷﺮﺕ ﻓﻴﻪ ﺷﺮﻛﺔ”ﻧﻮﺑﻞ ﺇﻧﻴﺮﺟﻲ”ﺗﻨﻘﻴﺒﻬﺎ ﻓﻲ ﻋﺮﺽ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻏﺮﺑﻲ ﻣﻴﻨﺎﺀ ﺣﻴﻔﺎ ﺑﺤﻮﺍﻟﻲ ﺍﻟﺜﻤﺎﻧﻴﻦ ﻛﻠﻢ، ﻓﺎﻛﺘﺸﻔﺖ، ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻴﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﻝ ﻻ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﺼﻴﻮﻧﻲ ﻭﻻ ﺍﻟﺸﺮﻛﺔ ﺍﻟﻤﻨﻘﺒﺔ، ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺑﻜﻤﻴﺎﺕ ﻫﺎﺋﻠﺔ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻨﺤﻮ238ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ، ﺛﻢ ﺗﻮﺳﻌﺖ ﻓﻲ ﻣﺸﺎﺭﻳﻌﻬﺎ ﺍﻻﺳﺘﻜﺸﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻨﻘﻴﺒﻴﺔ ، ﻓﺎﻛﺘﺸﻔﺖ ﻋﺎﻡ 2010 ﺃﻧﻬﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺣﻮﺽ ﻫﺎﺋﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﻛﻤﻴﺎﺕ ﺧﺮﺍﻓﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ، ﻣﺎ ﻳﻜﻔﻲ ﻟﺠﻌﻞ”ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ”ﻣﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﺒﻠﺪﺍﻥ ﺛﺮﺍﺀ. ﺑﺪﺃﺕ”ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ”ﺑﺎﻟﺘﺴﺎﺅﻝ ﺑﻌﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻴﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﻝ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻔﻜﺮﻳﻬﺎ ﺍﻧﺘﻬﺎﺯﻳﺔ، ﻋﻦ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻣﺼﺎﻑ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﻤﻨﺘﺠﺔ ﻭﺍﻟﻤﺼﺪﺭﺓ ﻟﻠﻐﺎﺯ، ﻭﺗﺴﺎﺀﻟﺖ ﻋﻦ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺣﺼﺪ ﺍﻟﻤﻮﺍﺭﺩ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ، ﻭﻃﺮﻕ ﺍﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﻋﻮﺍﺋﺪﻫﺎ ﺍﻟﻨﻔﻄﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ، ﻭﺗﺴﺎﺀﻟﺖ ﻋﻦ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺿﻤﺎﻥ ﺍﻟﻬﻴﻤﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻜﺎﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻘﻞ ﺍﻟﻐﻨﻲ ﻛﻠﻪ، ﻣﻦ ﺷﻤﺎﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺟﻨﻮﺑﻪ، ﻭﻣﻦ ﺷﺮﻗﻪ ﺇﻟﻰ ﻏﺮﺑﻪ، ﻣﺎ ﻳﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﺗﺤﺮﻡ ﻛﻼً ﻣﻦ ﺳﻮﺭﻳﺔ ﻭﻟﺒﻨﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﺣﺼﺘﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻘﻞ، ﻭﺗﻤﻨﻌﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺤﻘﺎﻗﺎﺗﻬﻤﺎ ﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺘﻴﻦ، ﻓﺮﺃﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺂﻣﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻭﺍﻟﺴﻌﻲ ﺇﻟﻰ ﺇﻧﺘﺎﺝ ﺯﻋﺎﻣﺎﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﺃﺷﺪ ﻭﻻﺀ ﻟﻬﺎ ﺑﺪﻝ ﺍﻟﺰﻋﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ، ﻫﻮ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺴﺒﻞ ﺍﻟﻤﺴﺎﻋﺪﺓ ﻟﻠﺴﻴﻄﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜﺮﻭﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻛﺘﺸﻔﻬﺎ ﺍﻟﻌﺪﻭ. ﻟﻘﺪ ﺃﻛﺪ ﺍﻟﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺮﺳﻤﻲ ﺑﺎﺳﻢ ﻣﻌﻬﺪ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﺠﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﻴﺮﻛﻴﺔ،”ﺃﻥ ﻣﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻮﺽ ﺍﻟﺸﺮﻗﻲ ﻟﻠﺒﺤﺮ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ، ﺗﻮﺍﺯﻱ ﻛﺒﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺮﺓ ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺃﻥ ﻣﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻓﻲ ﺣﻘﻞ “ﻟﻴﻔﻴﺎﺛﺎﻥ”، ﺃﺿﺨﻢ ﻭﺃﻭﺳﻊ ﻭﺃﻋﻤﻖ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻛﺘﺸﻔﺘﻬﺎ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ”، ﻭﺗﻘﻮﻝ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﻤﻌﻬﺪ” :ﺇﻥ ﻣﺼﺎﺩﺭ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯ ﺷﺮﻗﻲ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻨﺤﻮ ( 1.68 ) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺘﺮﻭﻝ، ﻭﺑﻨﺤﻮ (3450) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻋﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ، ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻣﻨﺎﺑﻊ ﻏﻴﺮ ﻣﻜﺘﺸﻔﺔ ﻟﻤﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯ ﻓﻲ ﺣﻮﺽ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺑﻤﺼﺮ، ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻨﺤﻮ (1.76 ) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﻂ، ﻭﻧﺤﻮ (6850) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻋﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ، ﻭﻗﺪﺭ ﺍﻟﻤﻌﻬﺪ ﺇﺟﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﺨﺰﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺸﺮﻗﻲ ﻣﻦ ﺣﻮﺽ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ ﺑﻨﺤﻮ ( 3.4 ) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﺍﻟﺨﺎﻡ، ﻭﻧﺤﻮ (9700) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ. ﻭﺑﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺗﻘﺪﻡ، ﻓﺈﻥ ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﻄﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ، ﻓﺘﺤﺖ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺮﺍﻋﻴﻪ، ﻓﻠﺒﻨﺎﻥ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻋﻠﻢ ﺑﺄﻥ ﺣﻘﻞ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻳﻤﺘﺪ ﺩﺍﺧﻞ ﻣﻴﺎﻫﻪ ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ، ﺍﺳﺘﺒﺸﺮ ﺧﻴﺮﺍً ﻭﺃﻣﻞ ﺑﺘﺤﺴﻴﻦ ﺃﻭﺿﺎﻋﻪ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ، ﻭﻗﺪﻡ ﻃﻠﺒﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺣﻘﻮﻗﻪ ﺍﻟﻨﻔﻄﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺮﺩ ﺟﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ﻋﺒﺮ ﻭﺯﻳﺮ ﺧﺎﺭﺟﻴﺘﻪ”ﻟﻴﺒﺮﻣﺎﻥ” ﻗﺎﺋﻼً” :ﺇﻥ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻟﻦ ﺗﺘﺨﻠﻰ ﻟﻠﺒﻨﺎﻥ ﻭﻻ ﻟﺴﻮﺭﻳﺔ ﻋﻦ ﻗﻄﺮﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ .” ﻟﻘﺪ ﺑﺎﺷﺮ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ﺑﺘﻀﻴﻴﻖ ﺍﻟﺨﻨﺎﻕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻴﺔ، ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻲ ﺍﻟﻤﺘﺎﺡ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻳﺮﻏﺐ ﺑﺰﻋﺰﻋﺔ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﻓﻲ ﺍﻷﻗﻄﺎﺭ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﻓﻬﻮ ﻳﻌﺪ ﻣﻦ ﺃﺳﻬﻞ ﻭﺃﺑﺴﻂ ﻭﺃﺳﺮﻉ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﻤﻀﻤﻮﻧﺔ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ. ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﻴﺮﻛﻴﺔ، ﻓﻘﺪ ﺃﺩﺭﻛﺖ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ، ﻭﺍﺳﺘﻨﻔﺮﺕ ﻟﺘﻌﺪﻳﻞ”ﺳﺎﻳﻜﺲ ﺑﻴﻜﻮ” ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺴﻤﺖ ﻭﺟﺰﺃﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ1916، ﻭﺣﺴﺐ ﺗﺨﻄﻴﻄﻬﻢ، ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻋﺎﻡ2016، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻮﻋﺪ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭ ﻹﻧﺘﺎﺝ ﻣﻌﺎﻫﺪﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻏﻴﺮ”ﺳﺎﻳﻜﺲ ﺑﻴﻜﻮ”، ﻓﺒﻌﺪ ﻣﺮﻭﺭ ﻗﺮﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﻫﺪﺓ 1916، ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺎﺗﺖ ﻋﺘﻴﻘﺔ ﺣﺴﺐ ﺭﺃﻳﻬﻢ، ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺳﻤﺖ ﺍﻟﺨﻄﻮﻁ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩﻳﺔ ﺍﻟﻔﺎﺻﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻮﻗﻌﺎﺕ ﺍﻟﺘﺨﻤﻴﻨﻴﺔ ﻟﻠﻨﻔﻂ، ﺛﻢ ﺟﺎﺀ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﻌﺒﺚ ﺑﻤﺼﻴﺮ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻛﺎﻓﺔ، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻒ ﺍﻵﻥ ﺧﻠﻒ ﺣﻠﻒ”ﺍﻟﻨﺎﺗﻮ”، ﻭﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻜﺮﺕ ﻟﺪﻳﻨﻬﺎ ﻭﻋﺮﻭﺑﺘﻬﺎ ﻭﺍﺭﺗﻀﺖ ﺑﺎﻟﺬﻝ ﻭﺍﻟﻬﻮﺍﻥ، ﻭﺭﺿﺨﺖ ﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﻤﺨﻄﻂ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮ ـ ﺃﻣﻴﺮﻛﻲ، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻤﺘﺄﺳﻠﻤﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺎ ﺍﻧﻔﻜﺖ ﺗﻐﺬﻱ ﺍﻟﺸﺮﺍﻳﻴﻦ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﺔ ﻟﻠﺘﻨﺎﺣﺮ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻲ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺪ ﻣﻦ ﺃﻣﻀﻰ ﻭﺃﻗﻮﻯ ﻭﺃﺭﺧﺺ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺳﺘﻌﺎﻥ ﺑﻬﺎ ﺃﻋﺪﺍﺀ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﺯﻋﺰﻋﺔ ﺃﻣﻨﻬﻢ ﻭﺗﻔﺮﻳﻘﻬﻢ ﻭﺗﺠﺰﺋﺘﻬﻢ .. ﺑﻘﻠﻢ:ﻣﺤﻤﺪ ﺃﻣﻴﻦ ﺍﻟﻀﻨﺎﻭﻱ
احد اسباب الثوره الامريكيه في سوريا . . . لعلهم يستيقظوا من سبات البهائم الذين هم فيه !

ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺑﻜﻤﻴﺎﺕ ﻫﺎﺋﻠﺔ ﺍﻟﺴﺒﺐ ﺍﻟﺮﺋﻴﺲ ﻟﻼﻗﺘﺘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ

ﻗﺪ ﺗﻜﻠﻤﺖُ ﻋﻦ ﺍﻟﺮﻣﻮﺯ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﻓﻲ ﺷﻌﺎﺭﻫﻢ”ﻧﺎﺑﻮﻛﻮ”، ﻭﻛﻨﺖ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ ﻗﺪ ﻛﺸﻔﺖ ﻧﻮﺍﻳﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺸﺮﻭﻉ ﺍﻟﻐﺎﺯﻱ ﺍﻟﺘﻮﺳﻌﻲ، ﻭﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻃﻠﻘﺖ ﺍﺳﻢ “ﻧﺎﺑﻮﻛﻮ”، ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻨﻪ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺒﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﻠﺒﺖ ﺍﺳﻢ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻲ”ﻧﺒﻮﺧﺬ ﻧﺼﺮ” ﻭﺍﺳﺘﺨﻔﺖ ﺑﻪ، ﻓﻜﻠﻤﺔ”ﻧﺎﺑﻮﻛﻮ”ﺗﻤﺜﻞ ﺻﻴﻐﺔ ﺗﺼﻐﻴﺮ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻻﺳﻢ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﻠﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﺩ ﺍﻟﺴﺒﻲ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻲ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ.
ﺑﺎﻟﻌﻮﺩﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ، ﻧﺠﺪ ﺃﻥ ﺣﺮﻑ (A) ﺭُﺳﻢ ﻋﻠﻰ ﺷﻜﻞ ﻗﻨﻄﺮﺓ ﺃﻧﺒﻮﺑﻴﺔ ﻣﻘﻮﺳﺔ، ﺗﺮﺑﻂ ﺑﻴﻦ ﺣﺮﻑ(N)، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻣﺰ ﺇﻟﻰ ﻧﻬﺮ ﺍﻟﻨﻴﻞNile، ﻭﺑﻴﻦ ﺣﺮﻑ (B) ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻣﺰ ﺇﻟﻰ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺑﺎﺑﻞ Babylon، ﻓﻴﻜﻮﻥ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻫﻨﺎ ﺍﻟﺘﻤﺪﺩ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺑﺎﺑﻞ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻤﻘﻮﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺴﻮﻕ ﻟﻬﺎ ﺍﻟﺼﻬﺎﻳﻨﺔ ﺑﺄﻥ ﺩﻭﻟﺔ”ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ”
ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ.
ﺑﺪﺃﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ”ﻟﻴﻔﻴﺎﺛﺎﻥ”ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ 2009، ﻓﻘﺪ ﺑﺎﺷﺮﺕ ﻓﻴﻪ ﺷﺮﻛﺔ”ﻧﻮﺑﻞ ﺇﻧﻴﺮﺟﻲ”ﺗﻨﻘﻴﺒﻬﺎ ﻓﻲ ﻋﺮﺽ ﺍﻟﺒﺤﺮ ﻏﺮﺑﻲ ﻣﻴﻨﺎﺀ ﺣﻴﻔﺎ ﺑﺤﻮﺍﻟﻲ ﺍﻟﺜﻤﺎﻧﻴﻦ ﻛﻠﻢ، ﻓﺎﻛﺘﺸﻔﺖ، ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻴﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﻝ
ﻻ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﺼﻴﻮﻧﻲ ﻭﻻ ﺍﻟﺸﺮﻛﺔ ﺍﻟﻤﻨﻘﺒﺔ، ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺑﻜﻤﻴﺎﺕ ﻫﺎﺋﻠﺔ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻨﺤﻮ238ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ، ﺛﻢ ﺗﻮﺳﻌﺖ ﻓﻲ ﻣﺸﺎﺭﻳﻌﻬﺎ ﺍﻻﺳﺘﻜﺸﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻨﻘﻴﺒﻴﺔ ، ﻓﺎﻛﺘﺸﻔﺖ ﻋﺎﻡ 2010 ﺃﻧﻬﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺣﻮﺽ ﻫﺎﺋﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ
ﻛﻤﻴﺎﺕ ﺧﺮﺍﻓﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ، ﻣﺎ ﻳﻜﻔﻲ ﻟﺠﻌﻞ”ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ”ﻣﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﺒﻠﺪﺍﻥ ﺛﺮﺍﺀ.
ﺑﺪﺃﺕ”ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ”ﺑﺎﻟﺘﺴﺎﺅﻝ ﺑﻌﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ
ﻟﻴﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﺎﻝ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻔﻜﺮﻳﻬﺎ ﺍﻧﺘﻬﺎﺯﻳﺔ، ﻋﻦ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻣﺼﺎﻑ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﻤﻨﺘﺠﺔ ﻭﺍﻟﻤﺼﺪﺭﺓ ﻟﻠﻐﺎﺯ، ﻭﺗﺴﺎﺀﻟﺖ ﻋﻦ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺣﺼﺪ ﺍﻟﻤﻮﺍﺭﺩ ﺍﻟﻤﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﻬﺎﺋﻠﺔ، ﻭﻃﺮﻕ ﺍﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﻋﻮﺍﺋﺪﻫﺎ ﺍﻟﻨﻔﻄﻴﺔ
ﻭﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ، ﻭﺗﺴﺎﺀﻟﺖ ﻋﻦ ﻛﻴﻔﻴﺔ ﺿﻤﺎﻥ ﺍﻟﻬﻴﻤﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻜﺎﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻘﻞ ﺍﻟﻐﻨﻲ ﻛﻠﻪ، ﻣﻦ ﺷﻤﺎﻟﻪ ﺇﻟﻰ ﺟﻨﻮﺑﻪ، ﻭﻣﻦ ﺷﺮﻗﻪ ﺇﻟﻰ ﻏﺮﺑﻪ، ﻣﺎ ﻳﺘﺮﺗﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻥ ﺗﺤﺮﻡ ﻛﻼً ﻣﻦ ﺳﻮﺭﻳﺔ ﻭﻟﺒﻨﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺜﻤﺎﺭ ﺣﺼﺘﻪ
ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺤﻘﻞ، ﻭﺗﻤﻨﻌﻬﻤﺎ ﻣﻦ ﺍﻻﺳﺘﻔﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺤﻘﺎﻗﺎﺗﻬﻤﺎ ﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ
ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺎﻩ ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺘﻴﻦ، ﻓﺮﺃﺕ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺂﻣﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻭﺍﻟﺴﻌﻲ ﺇﻟﻰ ﺇﻧﺘﺎﺝ ﺯﻋﺎﻣﺎﺕ ﺃﺧﺮﻯ ﺃﺷﺪ ﻭﻻﺀ ﻟﻬﺎ ﺑﺪﻝ ﺍﻟﺰﻋﺎﻣﺎﺕ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﺔ ، ﻫﻮ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺴﺒﻞ ﺍﻟﻤﺴﺎﻋﺪﺓ ﻟﻠﺴﻴﻄﺮﺓ
ﻋﻠﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜﺮﻭﺓ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻛﺘﺸﻔﻬﺎ ﺍﻟﻌﺪﻭ.
ﻟﻘﺪ ﺃﻛﺪ ﺍﻟﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺮﺳﻤﻲ ﺑﺎﺳﻢ ﻣﻌﻬﺪ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﺠﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﻴﺮﻛﻴﺔ،”ﺃﻥ ﻣﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻮﺽ ﺍﻟﺸﺮﻗﻲ ﻟﻠﺒﺤﺮ ﺍﻷﺑﻴﺾ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ، ﺗﻮﺍﺯﻱ ﻛﺒﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﺜﻤﺮﺓ ﺍﻵﻥ ﻓﻲ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﺃﻥ ﻣﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻓﻲ ﺣﻘﻞ
“ﻟﻴﻔﻴﺎﺛﺎﻥ”، ﺃﺿﺨﻢ ﻭﺃﻭﺳﻊ ﻭﺃﻋﻤﻖ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻛﺘﺸﻔﺘﻬﺎ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ”، ﻭﺗﻘﻮﻝ ﺗﻘﺎﺭﻳﺮ ﺍﻟﻤﻌﻬﺪ” :ﺇﻥ ﻣﺼﺎﺩﺭ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯ ﺷﺮﻗﻲ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻨﺤﻮ ( 1.68 ) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺘﺮﻭﻝ، ﻭﺑﻨﺤﻮ (3450) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻋﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ، ﻭﻫﻨﺎﻙ ﻣﻨﺎﺑﻊ ﻏﻴﺮ ﻣﻜﺘﺸﻔﺔ ﻟﻤﻨﺎﺑﻊ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯ ﻓﻲ ﺣﻮﺽ ﺍﻟﻨﻴﻞ
ﺑﻤﺼﺮ، ﺗﻘﺪﺭ ﺑﻨﺤﻮ (1.76 ) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﻂ، ﻭﻧﺤﻮ (6850) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻋﺎﻟﻲ ﺍﻟﺠﻮﺩﺓ، ﻭﻗﺪﺭ ﺍﻟﻤﻌﻬﺪ ﺇﺟﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﺨﺰﻭﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﺸﺮﻗﻲ ﻣﻦ ﺣﻮﺽ ﺍﻟﺒﺤﺮ
ﺍﻷﺑﻴﺾ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ ﺑﻨﺤﻮ ( 3.4 ) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺑﺮﻣﻴﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﻂ ﺍﻟﺨﺎﻡ، ﻭﻧﺤﻮ (9700) ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﺘﺮ ﻣﻜﻌﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ.
ﻭﺑﻨﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺗﻘﺪﻡ، ﻓﺈﻥ ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﻨﻔﻄﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ، ﻓﺘﺤﺖ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻋﻠﻰ ﻣﺼﺮﺍﻋﻴﻪ، ﻓﻠﺒﻨﺎﻥ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻋﻠﻢ ﺑﺄﻥ ﺣﻘﻞ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﻳﻤﺘﺪ ﺩﺍﺧﻞ ﻣﻴﺎﻫﻪ ﺍﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ، ﺍﺳﺘﺒﺸﺮ ﺧﻴﺮﺍً ﻭﺃﻣﻞ ﺑﺘﺤﺴﻴﻦ ﺃﻭﺿﺎﻋﻪ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ، ﻭﻗﺪﻡ ﻃﻠﺒﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻣﻢ
ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻟﻀﻤﺎﻥ ﺣﻘﻮﻗﻪ ﺍﻟﻨﻔﻄﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺎﺯﻳﺔ، ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺮﺩ ﺟﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺪﻭ
ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ﻋﺒﺮ ﻭﺯﻳﺮ ﺧﺎﺭﺟﻴﺘﻪ”ﻟﻴﺒﺮﻣﺎﻥ” ﻗﺎﺋﻼً” :ﺇﻥ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻟﻦ ﺗﺘﺨﻠﻰ ﻟﻠﺒﻨﺎﻥ ﻭﻻ ﻟﺴﻮﺭﻳﺔ ﻋﻦ ﻗﻄﺮﺓ ﻭﺍﺣﺪﺓ .”
ﻟﻘﺪ ﺑﺎﺷﺮ ﺍﻟﻌﺪﻭ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻲ ﺑﺘﻀﻴﻴﻖ ﺍﻟﺨﻨﺎﻕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻠﺒﻨﺎﻧﻴﺔ،
ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻲ ﺍﻟﻤﺘﺎﺡ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻳﺮﻏﺐ ﺑﺰﻋﺰﻋﺔ ﺍﻻﺳﺘﻘﺮﺍﺭ ﻓﻲ ﺍﻷﻗﻄﺎﺭ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﻓﻬﻮ ﻳﻌﺪ ﻣﻦ ﺃﺳﻬﻞ ﻭﺃﺑﺴﻂ ﻭﺃﺳﺮﻉ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﻤﻀﻤﻮﻧﺔ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺣﺘﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ
ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ.
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﻴﺮﻛﻴﺔ، ﻓﻘﺪ ﺃﺩﺭﻛﺖ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺍﻻﻛﺘﺸﺎﻓﺎﺕ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ، ﻭﺍﺳﺘﻨﻔﺮﺕ ﻟﺘﻌﺪﻳﻞ”ﺳﺎﻳﻜﺲ ﺑﻴﻜﻮ” ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺴﻤﺖ ﻭﺟﺰﺃﺕ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻡ1916، ﻭﺣﺴﺐ ﺗﺨﻄﻴﻄﻬﻢ، ﺳﻴﻜﻮﻥ ﻋﺎﻡ2016، ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻮﻋﺪ ﺍﻟﻤﻘﺮﺭ ﻹﻧﺘﺎﺝ ﻣﻌﺎﻫﺪﺓ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻏﻴﺮ”ﺳﺎﻳﻜﺲ
ﺑﻴﻜﻮ”، ﻓﺒﻌﺪ ﻣﺮﻭﺭ ﻗﺮﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﻫﺪﺓ 1916، ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺎﺗﺖ ﻋﺘﻴﻘﺔ ﺣﺴﺐ ﺭﺃﻳﻬﻢ، ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺳﻤﺖ ﺍﻟﺨﻄﻮﻁ ﺍﻟﺤﺪﻭﺩﻳﺔ ﺍﻟﻔﺎﺻﻠﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻮﻗﻌﺎﺕ ﺍﻟﺘﺨﻤﻴﻨﻴﺔ ﻟﻠﻨﻔﻂ، ﺛﻢ ﺟﺎﺀ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻐﺎﺯ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻴﻌﺒﺚ ﺑﻤﺼﻴﺮ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻛﺎﻓﺔ، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻒ
ﺍﻵﻥ ﺧﻠﻒ ﺣﻠﻒ”ﺍﻟﻨﺎﺗﻮ”، ﻭﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﻜﺮﺕ ﻟﺪﻳﻨﻬﺎ ﻭﻋﺮﻭﺑﺘﻬﺎ ﻭﺍﺭﺗﻀﺖ ﺑﺎﻟﺬﻝ ﻭﺍﻟﻬﻮﺍﻥ، ﻭﺭﺿﺨﺖ ﻹﺭﺍﺩﺓ ﺍﻟﻤﺨﻄﻂ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮ ـ ﺃﻣﻴﺮﻛﻲ، ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻬﺎ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻤﺘﺄﺳﻠﻤﺔ، ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺎ ﺍﻧﻔﻜﺖ ﺗﻐﺬﻱ ﺍﻟﺸﺮﺍﻳﻴﻦ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﺔ ﻟﻠﺘﻨﺎﺣﺮ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻲ، ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺪ ﻣﻦ ﺃﻣﻀﻰ ﻭﺃﻗﻮﻯ ﻭﺃﺭﺧﺺ ﺍﻷﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺳﺘﻌﺎﻥ ﺑﻬﺎ ﺃﻋﺪﺍﺀ ﺍﻷﻣﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻓﻲ ﺯﻋﺰﻋﺔ ﺃﻣﻨﻬﻢ ﻭﺗﻔﺮﻳﻘﻬﻢ
ﻭﺗﺠﺰﺋﺘﻬﻢ ..

السياسة الدولية قبل الحرب الباردة

المميز

قبل الحديث عن التغيرات في السياسة الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة، فإنه من المناسب تذكر تطورها أثناء الحرب الباردة وقبلها.

لقد حددت معاهدة وستفاليا للسلام عام 1648 (بعد ثلاثين عاما من الحروب ) التغيرات الأساسية فى العلاقات الدولية الحديثة: وتشكل قاعدتها الدول ذات السيادة الكاملة والتى واصلت تفاعلاتها على المسرح الدولى على أساس مبادئ المصالح القومية .ومنذ ذلك الحين أصبحت الدول،ولمدة طويلة ، الفاعل الوحيد على مسرح العلاقات الدولية0 وبعد معاهدة التراخت للسلام (1713 -1714 ) ومعاهدة نيشتاد (1721) كان الفاعل الرئيسي للشئون الدولية فى أوروبا ولحوالى مائتى عام، خمس قوى عظمى فقط وهى إنجلترا،فرنسا،بروسيا(ألمانيا بعد ذلك)، مملكة هابسبورج (النمسا) وأخيرا روسيا0 وقد أسس كونجرس فيينا(1815 ) الحلف المقدس اوالمحفل الأوروبىالمكون من بريطانيا العظمى، فرنسا، النمسا وبروسيا وروسيا. وقد أخذوا على عاتقهم مسئولية وحق التدخل فى الشئون الداخلية للدول الصغرى.وقد ميز سير هارولد نيكلسون خمسة مبادئ أساسية للدبلوماسية القديمة:

أولا: كانت أوروبا تعتبر أهم قارة. وكانت أفريقيا وآسيا مجالا للتوسع الاستعمارى والتجارى والدينى .
ثانيا: كانت القوى العظمى أكثر أهميه من القوى الصغرى لأن نطاق مصالحهم كان أكبر،ومسئولياتهم أعظم ،وأولا وقبل كل شئ لأن لديهم مالا وأسلحة أكثر.
ثالثا: تضطلع القوى العظمى بمسئولية جماعية عن سلوك القوى الصغرى وعن توطيد السلام بينهم . وكان مبدأ التدخل، سواء كان ذلك فى كريت أو الصين يمثل فكرة قبولة عموما .
رابعا: تأسيس إدارة دبلوماسية محترفة فى كل دولة أوروبية على غرار نموذج مماثل نوعا ما .
خامسا: مبدأ المفاوضات السرية والمتواصلة .
وباستخدام حق التدخل،أخمدت القوى الكبرى الثورات التحررية فى إيطاليا(1820)،أسبانيا(1823)،الانتفاضة فى ولاية فالاكيا الرومانية ضد السيطرة التركية(1821 )، كما أخمدوا أيضا ثورات ما بين عامى (1830-1848 ) فى العديد من الدول الأوروبية الصغرى. وعلى الرغم من ذلك ، وكما لاحظ المؤرخ الأسبانى كلاوديو سانشيز البورنوز فإن جهود الحلف المقدس لمنع انتصار النظام البرلمانى التحررى فى أوروبا أصبحت عديمة الجدوى أخيرا.

وبعد الحرب العالمية الأولى استمر وجود بعض الاتجاهات الأولية فى السياسة الدولية: مثل الاتجاه للتوسع الاستعمارى،المنافسة التجارية القوية والتطور السريع فى وسائل الاتصال.وقد أحدث الوجود النشط للولايات المتحدة الأمريكية تغيرات هامة: أبرز سيرهارولدنيكلسون إن الأمريكيين يمتلكون موارد أكثر مما امتلكته أية قوى عظمى أخرى .أنا أعلم ذلك وبالرغم من انهم يظهرون احتقارهم لدرس التاريخ،ولكنهم وياللعجب سريعو الاستيعاب لتجارب الآخرين.كما أعتقد أن مبادئ الدبلوماسية الجادة الثابتة بطبيعتها ستنتصر أخيرا وستحدث الهدوء بعد الاضطراب والفوضى التى سببها الانتقال من الدبلوماسية القديمة إلى الجديدة.

لقد لعبت عصبة الأمم دورا هاما فى التطورات الدولية.لقد أنشئت المنظمة فى يناير من عام 1920على أيدى الحلفاء بدعم قوى من الولايات المتحدة الأمريكية، وبالرغم من فشل الكونجرس الأمريكى فى التصديق على معاهدة فرساى المتضمنة ميثاق العصبة.وكان أحد أهم أهداف العصبة هو منع العدوان والحفاظ على الوضع القائم الذى أوجدته معاهدات السلام.وقد تطور نشاط دبلوماسى متعدد الأطراف من داخل العصبة والذى ساعد على استقرار بعض النزاعات الدولية الصغيرة.وقد كان لغياب الولايات المتحدة تأثير مضعف للعصبة.وكما لاحظ وزير خارجية رومانيا نيكولاى تيتوليسكو،الذى ترأس العصبة لمدة عامين متتاليين، إن لعصبة الأمم العديد من نقاط الضعف.ومن ضمن هذه النقاط كما يبرزها الدبلوماسي الرومانى حقيقة أن أزمات عصبة الأمم لابد أن تربط بحقيقة أن العصبة فقدت السلطة الضروريةداخل حرمهالعقاب منتهكى القانون الدولى. بل أكثر من ذلك،ركز نيكولاى تيتوليسكو:على أن العصبة لابد أن تتخذ فعلا فوريا لكى لا تصبح مجرد أكاديمية أخلاقية، أو رابطة للخبراء ، لعلها تصبح قادرة على إنجاز مهمتها الأساسية كمؤسسة سياسية وهى منع الحروب. وكان الدبلوماسى الرومانى البارز يلمح الى الاعتداء الايطالى على أثيوبيا،الاعتداء اليابانى على منشوريا وإلى تنصل المانيا من معاهدة فرساى .
ان السلوك العدوانى للقوى العظمى الجماعية، خاصة ألمانيا والاتحاد السوفيتى والذى عبر عن نفسه فى اتفاقيه مولوتوف ـ ريبنتروب التى يقسم بروتوكولها السرى مناطق النفوذ فى وسط أوروبا والبلقان والذى أدى إلى العدوان ضد بولندا (سبتمبر1939)، واحتلال الأقاليم الرومانية ـ بيساربيا وشمال بوكوفينا-(28 يونيو1940 ). أيضا أمر فيينا بين ألمانيا وإيطاليا(30 أغسطس1940) والذى بمقتضاه احتلت المجر ترانسلفانيا.وبهذا لجأت القوى العظمى إلى الاعتداء الواضح والصريح على الدول الصغرى والذى أدى بدوره إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

مرحلة الحرب الباردة

سريعا بعد الحرب العالمية الثانية أقرت القوى العظمى تقسيم مناطق للنفوذ بينهم.وقد بدأت سلسلة المفاوضات على مناطق النفوذ والتى أطلق عليها تعبيرا أكثر رقة وهو المناطق الأوروبية الآمنة فعليا فى ديسمبر1941 بالاجتماع بين ستالين ووزير خارجية بريطانيا ايدن.وقبل أسبوع من قمة يالتا فى الحادى عشر من يناير1945 قدمت وزارة خارجية الاتحاد السوفيتى عرضا سريا مفصلا عن المستقبل والأساس المتوقع للتعاون السوفيتى البريطانى تجاه الدول الآتية :إن مناطق الأمنالسوفيتية لابد أن تتضمن فنلندا،النرويج،السويد،بولندا،المجر،تشيكوسلوفاكيا،ر ومانيا،يوغوسلافيا، بلغاريا و أخيرا تركيا.أما مناطقالأمنالبريطانية فتتضمن هولندا،بلجيكا،فرنسا،أسبانيا،البرتغال واليونان .وقد توقعت وزارة الخارجية السوفيتية مطالب بريطانية أكبر حيث ستكون الدول الأوروبية الست هدفا للمساومة والاتفاق.ولذلك،وكما حدث فى الماضى،كانت الدول الصغرى تبدو للدول الكبرى هدفا للمساومة والسيطرة.
وبعد تكوين حلف شمال الأطلنطى عام1949و حلف وارسو، حدد النظام العالمى، وهو نظام القوتين العظميين أو النظام العالمى ثنائى القطبية.وفعليا، وبجانب القطبين، فقد وجد قطب ثالث وهوحركة عدم الانحياز.ومع بدايات الخمسينيات، عكست الحكمة الرسمية فى كل من موسكو وواشنطن تطابقا ملحوظا فى مجموعة من المفاهيم السياسية الجغرافية.وافترض فى العاصمتين أن يكون ذلك واضحا من نتائج الحروب السابقة،والتطور التكنولوجى والصراع الأيديولوجى اللذان امتزجا ليكون للعالم قطبان متنافران- الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى-وتدور الأمم فى فلك أحد القطبين أو الآخر على أساس الموقع والأيديولوجيا، مع انحصار المنافسة بين القطبين على المناطق الجغرافية ما بين وسط أوروبا حواف الأراضى الأوروآسيوية الهامة الممتدة من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا.

وفى مايو1972، اتفقت القوتان العظميان على الإصرار المشترك على أنه فى العصر النووى لا بديل عن إدارة علاقاتهما المتبادلة على أساس التعايش السلمى. وقد علقت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى أهمية كبرى على منع تطور المواقف التى تؤدى الى تفاقم خطير في علاقتيهما.وبناء عليه سيبذلان قصارى جهديهما لمنع نشوب حرب ذرية ومعترفين تبادليا بمناطق نفوذ كل منهما.وقد تعهد كل من الرئيس نيكسون والسكرتير العام بريجينيف فى قمتهم المنعقدة قى واشنطن عام 1973على عدم تهديد أو استخدام القوة ضد الطرف الآخر أو ضد حلفاء الطرف الآخر أو ضد بلدان أخرى فى الظروف التى قد تعرض السلام والأمن الدوليين للخطر.

إن تأكيد التعايش السلمي بين الكتلتين العسكريتين ـ السياسيتين جعل الظروف مواتيه للتعدى على نظام التكتلات، وقد أظهرت رومانيا هذا الاتجاه مع بداية الستينيات .ففى عام1964 ، تبنت قيادة الحزب الشيوعى قرارا يعلن حق رومانيا فى الاستقلال الوطنى وفى السيادة.وقد استطاعت رومانيا ضرب المبادئ الأساسية المنظمة للكتلة السوفيتية دون اللجوء إلى نظام قهرى.وقد وضح الانحراف الرومانى فىعدة ميادين سياسية مثل لجان التخطيط الحربى لحلف وارسو ، والعديد من المنتديات الأوروبية، ومفاوضات نزع السلاح فى منظمة الأمم المتحدة، وقد وضح الموقف المستقل جليا فى مراحل التحضير لمؤتمر الأمن والتعاون الأوروبى .وقد كانت رومانيا من أبرز المدافعين فى مؤتمر الشرق والغرب للأمن والتعاون فى أوروبا،وفى مفاوضات تبادل تخفيض القوات فى أوروبا.وقد دعت بإصرار فى تلك المنتديات إلى إجراءات من شأنها تقليص دور القوى العظمى وزيادة وزن القوى الصغرى. وقد لوحظ الوضع المستقل لرومانيا أثناء التحضير للمؤتمر بواسطة عضو فىالوفد الأسبانى، الذى قال:لقد غطت استراتيجيتها فى جنيف كلا من شكل ومضمون المؤتمر.وقد انعكس هذا الاتجاه على الكثير من صفحات القانون النهائى:فى إجراءات تقوية الأمن،فى فصل المتابعة،فى المبدأ التاسع للتعاون بين الدول،فى بعض مقاطع السلة الثالثة، لقد كانت مشاركة فعالة ومثمرة.ويميز سيرجيفرى سيمون عدة مجموعات انفصالية عن الخط الأيديولوجى السوفيتى:مثل جمهورية الصين الشعبية،البانيا (التى تحالفت مع جمهورية الصين الشعبية مع نهايه عام1961 )،يوغوسلافيا ورومانيا، والتى حددت مجريات الأحداث التى تتضمن ليس فقط انحرافا جوهريا عن التفكير السوفيتى الذى يقود مجلس التعاون الاقتصادى المتبادل،لكن أيضا ضد الإجراءات والمعايير الروسية.

وبالرغم من أن النظام العالمى أثناء الحرب الباردة كان ثنائى القطبية، إلا أنه كان يوجد قطب آخر لا يقل أهمية عن القوتين العسكريتين السياسيتين،ألا وهو حركة عدم الانحياز.وقد عرفت حركة عدم الانحياز منذ إنشائها فى سبتمبر1961، ومنذ أول مؤتمر تطورا سريعا. فمن خمس وعشرين دولة مشاركة فى مؤتمر بلجراد وصل عدد الدول المشاركة إلى أكثر من مائة دولة فى الثمانينيات.وقد حضرت عدة دول أخرى المؤتمرات كمراقبين أو كضيوف.والسمة الرئيسية لحركة دول عدم الانحياز هى معارضتها لتقسيم العالم الى قوتين عسكريتين – سياسيتين ومقاومتها للضغوط لانضمام أعضائها إلى واحدة من تلك القوتين.وقد
لعبت حركة دول عدم الانحياز دورا إيجابيا وفعالا فى الأمم المتحدة وأسهمت فى تخفيف حدة التوتر فى العالم.كما أسهمت فى نجاح مؤتمر الأمن والتعاون فى أوروبا.لقد تصدت لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ وسيطرة كما أسهمت إسهاما جوهريا فى تعريف القانون والمعايير الدولية علاوة على تطبيقاتها الموجهة إلى جعل العلاقات الدولية علاقات ديمقراطية.وبذلك مالت حركة دول عدم الانحياز إلى التطلع إلى تأسيس نظام عالمى جديد يرتكز على الاحترام والثقة المتبادلة بين الدول. وعلى الرغم من ذلك، كانت توجد نزاعات وحتى صراعات بين بعض بلدان الحركة، وكان يوجد نظام ديكتاتورى فى بعض هذه الدول لكن هذه المشاكل لم يكن لها تأثير خطير على جوهر الحركة ودورها الرئيسى فى العلاقات الدولية.

ختاما،

يمكن القول أنه خلال الحرب الباردة، كان المعلم الرئيسى للموقف الدولى والمصدر الأساسى لخطر المواجهة العالمية هو مناطق النفوذ والصراع على تدعيم أو إعادة توزيع تلك المناطق. وكانت سيادة الدول الصغرى تحدد تبعا لقرار من الزعماء الأقوياء لمناطق النفوذ والسيطرة ، ويعتبر مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبى نقطة إيجابية.أما الوثيقة التى أقرت عام1975، فقد عملت كأداة للتفاوض والتغلب على نظام القطبين،وكأداة للبحث عن سبل لعالم أفضل مبنى على الاحترام الكامل لاستقلال وسيادة كل الدول وعلى إقامة حقوق الإنسان والحريات الأساسية وأيضا على نبذ القوة أو أي نوع من أنواع القسر و إقامة علاقات ديمقراطية بين الدول الأوروبية .وقد سعت حركة دول عدم الانحياز إلى نفس الهدف، ولكن على نطاق أوسع.
ما بعد الحرب الباردة
حدثت تغيرات هائلة بعد انتهاء الحرب الباردة، أولا: تفكك الولايات الفيدرالية الاشتراكية السابقة: الاتحاد السوفيتى ،تشيكوسلوفاكيا وجمهورية يوغوسلافيا. وقد نفذ انفصال الجمهوريات المتحدة السابقة للاتحاد السوفيتى وتشيكوسلوفاكيا سلميا نوعا ما بالرغم من اندلاع بعض الصراعات العرقية المتداخلة وأنواع أخرى من الصراعات فى بعض الجمهوريات السوفيتية السابقة. وقد حدثت أخطر عمليات التفكك فى يوغوسلافيا السابقة، وذلك نتيجة لكل من التناقضات الداخلية بين الجمهوريات والمقاطعات المتمتعة بالحكم الذاتى (فى صربيا)، علاوة على تدخل عوامل خارجية ممثلة للمجتمع الدولى ولكن بدون تفويض من مجلس الأمن الممثل الحقيقى للمجتمع الدولى .ولتبرير التدخل العسكرى ضد جمهورية يوغوسلافيا الفيدرالية، فإن ما يطلق عليه المجتمع الدولى، أى الناتو، قد أطلق حملة دعائية كاملة من جانب واحد ضد الإجراءات التى اتخذتها السلطات اليوغوسلافية للدفاع عن وحدة البلد الإقليمية ضد الأفعال العنيفة للانفصاليين الألبان والجماعات المسلحة غير الشرعية فىكوسوفو. وهكذا، اتهمت بلجراد باعتماد سياسة تطهير عرقى بعيدة المدى دون الأخذ فى الاعتبار التطهير العرقى الذى قام به الانفصاليون الألبان و الذى أجبر ربعمائة ألف صربى على ترك الإقليم فى الفترة ما بين 1945- 1995، وهذا وفقا لما أعلنته الحكومة اليوغوسلافية فى 20 مارس1995. وقد كتب الدبلوماسى الأمريكى ميهارى كارب – عضو فى قسم الشئون السياسية لهيئة أركان الناتو الدولية – يقوللقد حدث تغيير فى طريقة التفكير فى الأمن أخيرا، ان معادلة التكامل الإقليمى الذى يساوى الأمن قد تكون سارية المفعول أثناء الحرب الباردة ، لكن من الواضح انه لا يمكن تطبيقها اليوم. وتتعارض مثل هذه المقولة مع قرار مجلس الأمن رقم 1244 لعام 1999،لكنها بالتأكيد تعكس النية الحقيقية لتدخل حلف شمال الأطلنطى العسكرى ضد يوغوسلافيا.وقد كتب أيضا :انه فى كوسوفو قد تلاقت قيمنا مع مصالحنا، لكن ماهو نوع المصالح الأمنية للولايات المتحدة الأمريكية والناتو فى كوسوفو؟

و من أجل تبرير الاعتداء على جمهورية يوغوسلافيا الفيدرالية فقد أضطر حلف شمال الأطلنطى لتطبيق استراتيجية رسمية جديدة فى قمة واشنطن فى أبريل من عام1999.حتى أنه فى الجزء الأول من البند السادس قيل:إن الهدف الأساسى والدائم لحلف شمال الأطلنطى ،و الذى أعلن فى معاهدة واشنطن،هو حماية حرية و أمن جميع الأعضاء بالوسائل السياسية والعسكرية.وفى الاستراتيجية التى أحكم صنعها فىعام1991،البند السادس عشر،فقد تلا تلك الفقرة الكلمات الآتية:وفقاً لمبادئ ميثاق مجلس الأمن.وهذا الحذف لتلك الفقرة فى الإستراتيجية الجديدة يعكس الاتجاه لتحاشى مجلس الأمن. وبالرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة قد ذكر فى فقرات أخرى من الاستراتيجية الجديدة (البندان العاشر والحادىعشر)، لكن البند 29يكفل تفعيل القدرات العسكرية تحت قيد الظروف المتوقعة والتى تعتبر أيضا الأساس لقدرة الحلفاء على الإسهام فى منع الصراع و إدارة الأزمات خلال عمليات الاستجابة للأزمات. ويعرف البند الخامس لمعاهدة واشنطن الصفة الدفاعية للحلف، ويضع خطا تحتالحق الفردى و الجماعىللدفاع عن النفس و التى أقرها البند51 فى ميثاق الأمم المتحدة. وبذلك، فان استراتيجية الناتو الجديدة تحتوى على غموض بخصوص الالتزام والاعتراف بمبادئ ونصوص ميثاق الأمم المتحدة ممهدة السبيل للتعدى على هذه النماذج المعترف بها عموما وعلى مبادئ السلوك فى العلاقات الدولية .
أن سيادة جمهورية يوغوسلافيا الفيدرالية تم التعدى عليها بوحشية.وقد حافظ موظفو حلف شمال الأطلنطى على اتصالات رسمية مع الجماعات الألبانية المسلحة غير الشرعية فى كوسوفو.وفيما يختص بهذه الاتصالات فقد ربط عدد الصنداى تايمز فى12مارس حقيقة اعتراف عملاء المخابرات الأمريكية بأنهم ساعدوا فىإعداد جيش تحرير كوسوفو قبل ضرب الناتو ليوغوسلافيا.وقد استغل موظفو المخابرات الأمريكية وقف إطلاق النار فى كوسوفو1998_1999فى تطوير الصلات مع جيش تحرير كوسوفو و إعطائه كتيبات تدريب عسكرية أمريكية، بالإضافة إلى إسداء النصيحة فى كيفية قتال الجيش اليوغوسلافى والبوليس الصربى. وهكذا، فإن النظام العالمى الجديد بعد الحرب الباردة لا يختلف جوهريا عن سابقة .فما زالت القوة تلعب دورها القيادى فى العلاقات الدولية بالإضافة إلى الصراع على مناطق النفوذ.وكما كتب ريتشارد ماينز:سيصبح العالم أكثر استرخاء على أساس نظام عالمى يرتكز على مناطق النفوذ التقليدية لو كانت بعض القوى العظمى ديمقراطية أو تتجه نحو الديمقراطية،بشرط أن توافق القوى المسيطرة فى كل منطقه على أن تمارس سلطاتها تبعا لبعض الأعراف الدولية.

وتبعا لتلك النظرية، فإن مناطق النفوذ تلك ستمتلك أسلوبا رحيما. وتبنى المحللون السياسيون الروس مثل هذا الاتجاه.ففى دراسة أصدرها مركز الدراسات السياسية فى معهد الدراسات الدولية والسياسية فى الأكاديمية الروسية للعلوم ، يبرز أ.م.ميجرانيان أن المساحات السياسية الطبيعية للاتحاد السوفيتى السابق هى مجال مصالح حيوى لروسيا.
ولم يعرف العالم أبدا مجالات نفوذا أو مصالح رحيمة .فإن تقسيم العالم أو إعادة توزيع مناطق النفوذ ظل دائما نتيجة لمساومات القوى العظمى على حساب القوى الصغرى والمتوسطة،أو حتى نتيجة للقوة العسكرية كما يظهر فى حالة يوغوسلافيا السابقة .وسيصبح الاستقرار والسلام والأمن الدائمان حقيقة فعلية عندما تبدأ القوى الكبرى الديمقراطية وتلك التى تتجه أو تسير فى الطريق إلى بداية ديمقراطية فى سلوك مسلك ديمقراطى فى العلاقات الدوليه، وفى احترام حقوق كل دولة سواء كانت صغيرة،متوسطة الحجم أو كبيرة فى الاستقلال ، السيادة وفى اختيار الطريق لتأكيد أو لتوطيد أمنها. ففى مثل هذه الظروف فقط ، يمكن تطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات القومية أو الأقليات الأخرى. لكن تحت التهديد والعقوبات والسيطرة الأجنبية لن توجد ديمقراطية أو حقوق للإنسان. لذلك،

الوثيقة الصهيونية لتفتيت الأمة العربية

المميز

ـ في عام 1982 نشرت مجلة “كيفونيم” التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، وثيقة بعنوان “استراتيجية إسرائيلية للثمانينات”. وقد نُشرت هذه الوثيقة باللغة العبرية، وتم ترجمتها إلى اللغة العربية، وقدمها الدكتور / عصمت سيف الدولة كأحد مستندات دفاعه عن المتهمين في قضية تنظيم ثورة مصر عام 1988.
2 ـ ولقد رأيت أهمية إعادة نشر هذه الوثيقة الآن للأسباب الآتية:
إن تقسيم العراق كأحد أهداف الحرب الحالية على العراق ( آذار/مارس 2003 ) هو أحد الأفكار الرئيسية الواردة في الوثيقة المذكورة.
إن الخطط الحالية الساعية لفصل جنوب السودان وتقسيمه، هي أيضاً ضمن الأفكار الواردة في الوثيقة.
إن الاعتراف الرسمي (بالأمازيغية) كلغة ثانية، بجوار اللغة العربية في الجزائر هي خطوة لا تبتعد عن التصور الصهيوني عن المغرب العربي.
إن مخطط تقسيم لبنان إلى عدد من الدويلات الطائفية، الذي حاول الكيان الصهيوني تنفيذه في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وفشل في تحقيقه، لهو تطبيق عملي لما جاء بهذه الوثيقة بخصوص لبنان.
إن الحديث الدائر الآن في الأوساط الصهيونية حول تهجير الفلسطينيين إلى الأردن، والتخوفات العربية من استغلال أجواء العدوان على العراق لتنفيذ ذلك، هو من أساسيات الأفكار المطروحة في الوثيقة.
وأخيراً وليس آخراً، إن الأخطار التي تتعرض لها مصر، واردة بالتفصيل في الوثيقة الصهيونية.
3 ـ والحديث عن وثيقة من هذا النوع، ليس حديثاً ثانوياً يمكن تجاهله، فهم ينصون فيها صراحة على رغبتهم في مزيد من التفتيت لأمتنا العربية. كما أن تاريخنا الحديث هو نتاج لمشروعات استعمارية مماثلة. بدأت أفكاراً، وتحولت إلى اتفاقات ووثائق، تلزمنا وتحكمنا حتى الآن:
ـ فمعاهدة لندن 1840 سلخت مصر منذئذٍ وحتى تاريخه عن الأمة العربية. فسمحت لمحمد علي وأسرته بحكم مصر فقط، وحرَّمت عليه أي نشاط خارجها. ولذلك نسمي هذه الاتفاقية “اتفاقية (كامب ديفيد) الأولى.”
ـ واتفاقية (سايكس بيكو) 1916 قسَّمت الوطن العربي، هذا التقسيم البائس الذي نعيش فيه حتى الآن، والذي جعلنا مجموعة من العاجزين، المحبوسين داخل حدوداً مصطنعة، محرومين من الدفاع عن باقي شعبنا وباقي أرضنا في فلسطين أو في العراق أو في السودان.
ـ ووعد بلفور 1917 كان المقدمة التي أدت إلى اغتصاب فلسطين فيما بعد. تم تلاه وقام على أساسه، صك الانتداب البريطاني على فلسطين، في 29 أيلول/سبتمبر 1922 ، الذي اعترف في مادته الرابعة “بالوكالة اليهودية” من أجل “إنشاء وطن قومي لليهود”. فأعطوا بذلك الضوء الأخضر للهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين.
فلما قوي شأن العصابات الصهيونية في فلسطين، أصدرت لهم الأمم المتحدة ، قراراً بتقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، وهو القرار الذي أعطى “مشروعية” للاغتصاب الصهيوني. وأُنشأ بموجبه الكيان الصهيوني. وهو القرار الذي رفضته الدول العربية في البداية. وظلت ترفضه عشرون عاماً لتعود وتعترف به بموجب القرار رقم 242 الصادر من الأمم المتحدة في 1967 ، الذي ينص على “حق” الكيان الصهيوني في الوجود، و “حقه” أن يعيش بأمان على أرض فلسطين المغتصبة.
وعلى أساس هذا القرار أُبرمت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة في 26/03/1979 والتي خرجت بموجبها مصر من الصراع العربي ضد المشروع الصهيوني، لينفرد الكيان الصهيوني بالأقطار العربية الأخرى.
كل ذلك وغيره الكثير، بدأ أفكاراً، وأهدافاً استعمارية، وتحول فيما بعد إلى حقائق.
وبالتالي ليس من المستبعد أبداً أن تتحول الأفكار، التي وردت في الوثيقة الصهيونية المذكورة، إلى أمر واقع ولو بعد حين. خاصة الآن بعد العدوان الأمريكي على العراق، ومخاطر التقسيم التي تخدم ذات التصور الصهيوني عن المنطقة.
4 ـ والوثيقة الصهيونية منشورة في الصفحات التالية بنص كلماتها وفقراتها، مع فرق واحد، هو أنني أخذت ما جاء متفرقاً بالوثيقة بخصوص كل قطر، وقمت بتجميعه في فقرة واحدة، وحاولت ترقيمه وتبنيده، لتسهل متابعته.
5 ـ وأخيراً فإن الهدف الذي رجوته من نشر هذه الوثيقة، هو أن ننظر إلى العدوان علينا في مساره التاريخي. وأن نراه على حقيقته كمخطط، موحد، منتظم، متسلسل، ممتد. وأن نحرر أنفسنا من منطق التناول المجزأ لتاريخنا، الذي يُقسمه إلى حوادث منفصلة عن بعضها البعض.
آملاً في النهاية ألا تقتصر حياتنا على مجموعة من الانفعالات وردود الفعل اللحظية المؤقتة، التي تعلو وقت الشدة، وتخبو في الأوقات الأخرى. فتاريخنا كله ومنذ زمن بعيد، ولزمن طويل آتٍ، هو وقت شدة.
نص الوثيقة الصهيونية
أولاً: نظرة عامة على العالم العربي والإسلامي
1 ـ إن العالم العربي والإسلامي هو بمثابة برج من الورق أقامه الأجانب ( فرنسا وبريطانيا في العشرينيات) ، دون أن توضع في الحسبان رغبات وتطلعات سكان هذا العالم.
2 ـ لقد قُسِّم هذا العالم إلى 19 دولة كلها تتكون من خليط من الأقليات والطوائف المختلفة، والتي تُعادي كل منهما الأخرى، وعليه فان كل دولة عربية إسلامية معرضة اليوم لخطر التفتت العرقي والاجتماعي في الداخل إلى حد الحرب الداخلية كما هو الحال في بعض هذه الدول.
3 ـ وإذا ما أضفنا إلى ذلك الوضع الاقتصادي يتبين لنا كيف أن المنطقة كلها، في الواقع، بناء مصطنع كبرج الورق، لا يمكنه التصدي للمشكلات الخطيرة التي تواجهه.
4 ـ في هذا العالم الضخم والمشتت، توجد جماعات قليلة من واسعي الثراء وجماهير غفيرة من الفقراء. إن معظم العرب متوسط دخلهم السنوي حوالي 300 دولار في العام.
5 ـ إن هذه الصورة قائمة وعاصفة جداً للوضع من حول دولة (إسرائيل)، وتشكل بالنسبة لها تحديات ومشكلات وأخطار، ولكنها تشكل أيضاً فرصاً عظيمة.
ثانياً ـ مصر
1 ـ في مصر توجد أغلبية سنية مسلمة مقابل أقلية كبيرة من المسيحيين الذين يشكلون الأغلبية في مصر العليا، حوالي 8 مليون نسمة. وكان الرئيس محمد أنور السادات قد أعرب في خطابه في أيار/مايو من عام 1980 عن خشيته من أن تطالب هذه الأقلية بقيام دولتها الخاصة، أي دولة “لبنانية” مسيحية جديدة في مصر…
2 ـ والملايين من السكان على حافة الجوع نصفهم يعانون من البطالة وقلة السكن في ظروف تعد أعلى نسبة تكدس سكاني في العالم.
3 ـ وبخلاف الجيش فليس هناك أي قطاع يتمتع بقدر من الانضباط والفعالية.
4 ـ والدولة في حالة دائمة من الإفلاس بدون المساعدات الخارجية الأمريكية التي خُصصت لها بعد اتفاقية السلام.
5 ـ إن استعادة شبه جزيرة سيناء بما تحتويه من موارد طبيعية ومن احتياطي يجب إذن أن يكون هدفاً أساسيا من الدرجة الأولى اليوم…. إن المصريين لن يلتزموا باتفاقية السلام بعد إعادة سيناء، وسوف يفعلون كل ما في وسعهم لكي يعودوا إلى أحضان العالم العربي، وسوف نضطر إلى العمل لإعادة الأوضاع في سيناء إلى ما كانت عليه….
6 ـ إن مصر لا تشكل خطراً عسكرياً استراتيجياً على المدى البعيد بسبب تفككها الداخلي، ومن الممكن إعادتها إلى الوضع الذي كانت عليه بعد حرب حزيران/يونيو 1967 بطرق عديدة.
7 ـ إن أسطورة مصر القوية والزعيمة للدول العربية قد تبددت في عام 1956 وتأكد زوالها في عام 1967.
8 ـ إن مصر بطبيعتها وبتركيبتها السياسية الداخلية الحالية هي بمثابة جثة هامدة فعلاً بعد سقوطها، وذلك بسبب التفرقة بين المسلمين والمسيحيين والتي سوف تزداد حدتها في المستقبل. إن تفتيت مصر إلى أقاليم جغرافية منفصلة هو هدف (إسرائيل) السياسي في الثمانينات على جبهتها الغربية.
9 ـ إن مصر المفككة والمقسمة إلى عناصر سيادية متعددة، على عكس ما هي عليه الآن، لن تشكل أي تهديد لدولة (إسرائيل) بل ستكون ضماناً للزمن و”السلام” لفترة طويلة، وهذا الأمر هو اليوم في متناول أيدينا.
10 ـ إن دول مثل ليبيا والسودان والدول الأبعد منها لن يكون لها وجود بصورتها الحالية، بل ستنضم إلى حالة التفكك والسقوط التي ستتعرض لها مصر. فإذا ما تفككت مصر فستتفكك سائر الدول الأخرى، وإن فكرة إنشاء دولة قبطية مسيحية في مصر العليا إلى جانب عدد من الدويلات الضعيفة التي تتمتع بالسيادة الإقليمية في مصر ـ بعكس السلطة والسيادة المركزية الموجودة اليوم ـ هي وسيلتنا لإحداث هذا التطور التاريخي.
كما إن تفتيت لبنان إلى خمس مقاطعات إقليمية يجب أن يكون سابقة لكل العالم العربي بما في ذلك مصر وسوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية.
ثالثاً ـ ليبيا
إن الرئيس معمر القذافي يشن حروبه المدمرة ضد العرب أنفسهم انطلاقاً من دولة تكاد تخلو من وجود سكان يمكن أن يشكلوا قومية قوية وذات نفوذ. ومن هنا جاءت محاولاته لعقد اتفاقيات باتحاد مع دولة حقيقية كما حدث في الماضي مع مصر ويحدث اليوم مع سوريا.
رابعاً ـ السودان:
وأما السودان ـ أكثر دول العالم العربي الإسلامي تفككاً ـ فإنها تتكون من أربع مجموعات سكانية كل منها غريبة عن الأخرى، فمن أقلية عربية مسلمة سنية تسيطر على أغلبية غير عربية أفريقية إلى وثنيين إلى مسيحيين.
خامساً ـ سوريا
1 ـ إن سوريا لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن لبنان الطائفية باستثناء النظام العسكري القوي الذي يحكمها. ولكن الحرب الداخلية الحقيقية اليوم بين الأغلبية السنية والأقلية الحاكمة من الشيعة العلويين الذين يشكلون 12% فقط من عدد السكان، تدل على مدى خطورة المشكلة الداخلية.
2 ـ إن تفكك سوريا والعراق في وقت لاحق إلى أقاليم ذات طابع قومي وديني مستقل، كما هو الحال في لبنان، هو هدف دولة (إسرائيل) الأسمى في الجبهة الشرقية على المدى القصير، وسوف تتفتت سوريا تبعاً لتركيبها العرقي والطائفي إلى دويلات عدة كما هو الحال الآن في لبنان.
3 ـ وعليه فسوف تظهر على الشاطئ دولة علوية.
4 ـ وفي منطقة حلب دويلة سنية.
5 ـ وفي منطقة دمشق دويلة سنية أخرى معادية لتلك التي في الشمال.
6 ـ وأما الدروز فسوف يشكلون دويلة في الجولان التي نسيطر عليها.
7 ـ وكذلك في حوران وشمال الأردن وسوف يكون ذلك ضماناً للأمن والسلام في المنطقة بكاملها على المدى القريب. وهذا الأمر هو اليوم في متناول أيدينا.
سادساً ـ العراق
1 ـ إن العراق لا تختلف كثيراً عن جارتها ولكن الأغلبية فيها من الشيعة والأقلية من السنة، إن 65% من السكان ليس لهم أي تأثير على الدولة التي تشكل الفئة الحاكمة فيها 20% إلى جانب الأقلية الكردية الكبيرة في الشمال.
2 ـ ولولا القوة العسكرية للنظام الحاكم وأموال البترول، لما كان بالإمكان أن يختلف مستقبل العراق عن ماضي لبنان وحاضر سوريا.
3 ـ إن “بشائر” الفرقة والحرب الأهلية تلوح فيها اليوم، خاصة بعد تولي الإمام الخمينى الحكم، والذي يُعتبر في نظر الشيعة العراقيين زعيمهم الحقيقي وليس الرئيس صدام حسين.
4 ـ إن العراق الغنية بالبترول والتي تكثر فيها الفرقة والعداء الداخلي هي المرشح التالي لتحقيق أهداف (إسرائيل).
5 ـ إن تفتيت العراق هو أهم بكثير من تفتيت سوريا وذلك لأن العراق أقوى من سوريا.
6 ـ إن في قوة العراق خطورة على دولة (إسرائيل) في المدى القريب أكبر من الخطورة النابعة من قوة أية دولة أخرى.
7 ـ وسوف يصبح بالإمكان تقسيم العراق إلى مقاطعات إقليمية طائفية كما حدث في سوريا في العهد العثماني.
8 ـ وبذلك يمكن إقامة ثلاث دويلات (أو أكثر) حول المدن العراقية.
9 ـ دولة في البصرة، ودولة في بغداد، ودولة في الموصل، بينما تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن الشمال السني الكردي في معظمه.
سابعاً ـ لبنان:
أما لبنان فإنها مقسمة ومنهارة اقتصاديا لكونها ليس بها سلطة موحدة، بل خمس سلطات سيادية (مسيحية في الشمال تؤيدها سوريا وتتزعمها أسرة فرنجية، وفي الشرق منطقة احتلال سوري مباشر، وفي الوسط دولة مسيحية تسيطر عليها الكتائب، وإلى الجنوب منها وحتى نهر الليطاني دولة لمنظمة التحرير الفلسطينية هي في معظمها من الفلسطينيين، ثم دولة الرائد سعد حداد من المسيحيين وحوالي نصف مليون من الشيعة.
(ملحوظة من المحرر: كان هذا هو الوضع اللبناني زمن كتابة الوثيقة، ولكن القوى الوطنية اللبنانية نجحت في إعادة الوحدة الوطنية.)
ثامناً ـ السعودية والخليج
1 ـ إن جميع إمارات الخليج وكذلك السعودية قائمة على بناء هش ليس فيه سوى البترول.
2 ـ وفى البحرين يشكل الشيعة أقلية السكان ولكن لا نفوذ لهم.
3 ـ وفي دولة الإمارات العربية المتحدة يُشكل الشيعة أغلبية السكان.
4 ـ وكذلك الحال في عُمان.
5 ـ وفي اليمن الشمالية وكذلك في جنوب اليمن… توجد أقلية شيعية كبيرة.
6 ـ وفي السعودية نصف السكان من الأجانب المصريين واليمنيين وغيرهم، بينما القوى الحاكمة هي أقلية من السعوديين.
7 ـ وأما في الكويت فإن الكويتيين الأصليين يُشكلون ربع السكان فقط.
8 ـ إن دول الخليج والسعودية وليبيا تُعد أكبر مستودع للبترول والمال في العالم، ولكن المستفيد من كل هذه الثروة هي أقليات محدودة لا تستند إلى قاعدة عريضة وأمن داخلي، وحتى الجيش ليس باستطاعته أن يضمن لها البقاء.
9 ـ وإن الجيش السعودي، بكل ما لديه من عتادٍ، لا يستطيع تأمين الحكم ضد الأخطار الفعلية من الداخل والخارج. وما حدث في مكة عام 1980 ليس سوى مثال لما قد يحدث.
10 ـ إن شبه الجزيرة العربية بكاملها يمكن أن تكون خير مثال للانهيار والتفكك كنتيجة لضغوط من الداخل ومن الخارج، وهذا الأمر في مجمله ليس بمستحيل على الأخص بالنسبة للسعودية سواء دام الرخاء الاقتصادي المترتب على البترول أو قل في المدى القريب. إن الفوضى والانهيار الداخلي هي أمور حتمية وطبيعية على ضوء تكوين الدول القائمة على غير أساس.
تاسعاً ـ المغرب العربي:
1 ـ ففي الجزائر هناك حرب أهلية في المناطق الجبلية بين الشعبين الذين يُكونان سكان هذا البلد.
2 ـ كما أن المغرب والجزائر بينهما حرب بسبب المستعمرة الصحراوية الإسبانية بالإضافة إلى الصراعات الداخلية التي تعانى منها كل منهما.
3 ـ كما أن التطرف الإسلامي يهدد وحدة تونس.
عاشراً ـ إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان:
1 ـ فإيران تتكون من النصف المتحدث بالفارسية والنصف الآخر تركي من الناحية العرقية واللغوية، وفي طباعه أيضاً.
2 ـ وأما تركيا فمنقسمة إلى النصف من المسلمين السنية أتراك الأصل واللغة، والنصف الثاني أقليات كبيرة من 12 مليون شيعي علوي و 6 مليون كردي سني.
3 ـ وفي أفغانستان خمسة ملايين من الشيعة يُشكلون حوالي ثلث عدد السكان.
4 ـ وفي باكستان السنية حوالي 15 مليون شيعي يُهددون كيان هذه الدولة.
الأردن وفلسطين:
1 ـ والأردن هي في الواقع فلسطينية، حيث الأقلية البدوية من الأردنيين هي المسيطرة، ولكن غالبية الجيش من الفلسطينيين وكذلك الجهاز الإداري. وفي الواقع تُعد عمان فلسطينية مثلها مثل نابلس.
2 ـ وهي هدف استراتيجي وعاجل للمدى القريب وليس للمدى البعيد وذلك لأنها لن تشكل أي تهديد حقيقي على المدى البعيد بعد تفتيتها.
3 ـ ومن غير الممكن أن يبقى الأردن على حالته وتركيبته الحالية لفترة طويلة. إن سياسة دولة (إسرائيل) ـ إما بالحرب أو بالسلم ـ يجب أن تؤدي إلى تصفية الحكم الأردني الحالي ونقل السلطة إلى الأغلبية الفلسطينية.
4 ـ إن تغيير السلطة شرقي نهر الأردن سوف يؤدي أيضاً إلى حل مشكلة المناطق المكتظة بالسكان العرب غربي النهر سواء بالحرب أو في ظروف السلم.
5 ـ إن زيادة معدلات الهجرة من المناطق وتجميد النمو الاقتصادي والسكاني فيها هو الضمان لإحداث التغير المنتظر على ضفتي نهر الأردن.
6 ـ ويجب أيضاً عدم الموافقة على مشروع الحكم الذاتي أو أي تسوية أو تقسيم للمناطق…
7 ـ وأنه لم يعد بالإمكان العيش في هذه البلاد في الظروف الراهنة دون الفصل بين الشعبين بحيث يكون العرب في الأردن واليهود في المناطق الواقعة غربي النهر.
8 ـ إن التعايش والسلام الحقيقي سوف يسودان البلاد فقط إذا فهم العرب بأنه لن يكون لهم وجود ولا أمن دون التسليم بوجود سيطرة يهودية على المناطق الممتدة من النهر إلى البحر، وأن أمنهم وكيانهم سوف يكونان في الأردن فقط.
9 ـ إن التميز في دولة (إسرائيل) بين حدود عام 1967 وحدود عام 1948 لم يكن له أي مغزى.
10 ـ وفي أي وضع سياسي أو عسكري مستقبلي يجب أن يكون واضحاً بأن حل مشكلة عرب فلسطين 48 سوف يأتي فقط عن طريق قبولهم لوجود (إسرائيل) ضمن حدود آمنة حتى نهر الأردن وما بعده.
11 ـ تبعاً لمتطلبات وجودنا في هذا العصر الصعب ( العصر الذري الذي ينتظرنا قريباً).
12 ـ فليس بالإمكان الاستمرار بوجود ثلاثة أرباع السكان اليهود على الشريط الساحلي الضيق والمكتظ بالسكان في هذا العصر الذري.
13 ـ إن إعادة توزيع السكان هو إذن هدف استراتيجي داخلي من الدرجة الأولى، وبدون ذلك لن نستطيع البقاء في المستقبل في إطار أي نوع من الحدود. إن مناطق (يهودا والسامرة) والجليل هي الضمان الوحيد لبقاء الدولة.
14 ـ وإذا لم نشكل أغلبية في المنطقة الجبلية فإننا لن نستطيع السيطرة على البلاد. وسوف نصبح مثل الصليبيين الذين فقدوا هذه البلاد التي لم تكن ملكاً لهم بالأصل وعاشوا غرباء فيها منذ البداية.
15 ـ إن إعادة التوازن السكاني الاستراتيجي والاقتصادي لسكان البلاد هو الهدف الرئيسي والأسمى لدولة (إسرائيل) اليوم.
16 ـ إن السيطرة على المصادر المائية من بئر السبع وحتى الجليل الأعلى، هي بمثابة الهدف القومي المنبثق من الهدف الاستراتيجي الأساسي، والذي يقضى باستيطان المناطق الجبلية التي تخلو من اليهود اليوم.
انتهت الوثيقة

“مباراة الأمراء”:مأزق “الخلافة السياسية” في دول الخليج–محمد عز العرب

المميز

الإثنين 30 يوليو 2012
على الرغم من أن قضية الخلافة السياسية يفترض أن تكون محسومة في النظم الملكية بحكم وضوح آليات انتقال السلطة، وتوفير الإعداد المسبق للمرشحين للوصول إلى سدة الحكم، بل وتقنينها في الدساتير الوطنية، حيث تتسم أنظمة الحكم الخليجية بأنها أنظمة ملكية تعتمد على انتقال السلطة في البلاد بين أفراد الأسرة الحاكمة (عائلية السلطة)، ويسير هذا التناقل والتوارث للسلطة في خط الأبوة، وينحصر في الذكور دون الإناث، فإن هناك بعض الحالات التي لا تحترم فيها هذه القواعد.
فقد كان الملمح السلمي هو نمط الخلافة السياسية المتبعة في عدد من الدول الخليجية، غير أنه تم استخدام العنف في خلافة عروش هذه النظم، فيما يعرف بـ “انقلاب الأمراء”، أو “انقلابات القصر”، أو “ثورة القصر”، أو “انقلاب أبيض من الداخل”، أو حتى “صراعات دموية”. ويلاحظ أن هذه الظاهرة لها سوابقها في الممارسات السياسية الملكية، بما يجعلها واحدا من أهم الملفات البالغة الأهمية التي تواجه دول الخليج في حدود الأمد المنظور، لاسيما مع انشغال الأنظمة بتكريس سلطتها، وتثبيت إقدامها، وتخشى حدوث تغييرات لا تصب في مصالحها بعد تداعيات ثورات الربيع العربي، التي تهب رياحها من كل اتجاه.
ومن هنا، يتوقع أن تشهد عدد من دول الخليج تنافسا بين أبناء الأسرة الحاكمة لشغل المراكز المؤهلة لكرسي السلطة، والتي قد تأخذ أشكالا مختلفة، بحيث تأخذ شكل مباراة كرة قدم من نوع خاص، يركز فيها اللاعبون (الشيوخ) على تقوية مراكزهم عبر الاستناد إلى قاعدة عائلية وانتماءات قبلية، باعتبارها خط الدفاع، والإمساك ببعض ملفات الحكم باعتبارها خط الوسط الانتقالي بين الوضع الحالي والوضع المستقبلي، والحيازة لأوراق ضغط، يقتضي ظهورها فقط في اللحظة الحاسمة لخط الهجوم.
إن الطرف الأقوى هو الذي يحدد معظم أو أهم قواعد المباراة التي تدار على أرضية “مجلس العائلة الحاكمة”، أو “هيئة البيعة” أو غيرها. وقد يؤدي الأسلوب الذي يستخدمه اللاعبون (الشيوخ) في المباراة إلى تبلور عملية انتقال السلطة، سواء بشكل خشن أو ناعم. فقد نشهد في بعض الحالات الخليجية نمطا “صفريا”، بمعنى أن أي شىء يكسبه لاعب لابد أن يخسره اللاعب الآخر، وهو ما يؤدي إلى الصراعات الحادة داخل العائلات الحاكمة. على العكس من النمط السابق، هناك مباريات “غير صفرية”، فليس ما يكسبه لاعب يكون بالضرورة على حساب الآخر. وبالتالي، توجد مساحة للتنسيق والتعاون بين الأمراء، والتوصل إلى حلول، وسط للخروج من مأزق الخلافة، حيث إن البديلين مطروحان: المكسب معا، أو الخسارة معا.
أشكال الخلافة
إن عملية انتقال السلطة لا تسير وفق نهج واحد في دول الخليج، وإنما تتخذ أشكالا مغايرة وحالات مختلفة، سواء الوراثة بالأبوة أو الأخوة، أو العمومة. يحدث انتقال السلطة في السعودية على أساس خط الوراثة من الأخ لأخيه في أبناء الملك عبد العزيز آل سعود. ويتمثل انتقال السلطة في سلطنة عمان من الأب إلى الأبن في أسرة بوسعيد، مع وجود بعض الأبناء الذين اغتصبوا عروش آبائهم. في حين مر انتقال السلطة في قطر من أبناء أسرة آل ثان دون انتظام من الأب إلى الأبن في أكثر من حالة، وإلى أبناء العم أو غيره من أعضاء الأسرة في أكثر من حالة أيضا.
أما انتقال السلطة في البحرين، فيتم من الأب للابن من أسرة آل خليفة، في حين يتسم انتقال السلطة في الكويت بأنه دائري تناوبي بين أبناء أسرة آل الصباح بفرعيها “آل الأحمد، وآل سالم”. وتختص الحالة الأخيرة بالإمارات، إذ تم ترسيخ عرف دستوري بوراثة السلطة في أبناء الشيخ زايد، حيث يكون رأس الدولة هو حاكم إمارة أبو ظبي، باعتبارها أكبر الإمارات في المساحة، وعدد السكان، ومركز السلطة السياسية، والثروة النفطية.
ورغم أن الخلافة وراثية في الإمارات السبع، فإنها صارت انتخابية (بشكل غير مباشر)، حيث يقوم المجلس الأعلى المكون من الأمراء السبعة لهذه الإمارات بانتخاب رئيس الدولة من بينهم.
أزمات الخلافة في الخليج
تواجه دول الخليج أزمات مختلفة، فيما يتعلق بانتقال السلطة من السلف إلى الخلف، سواء تعلقت بعدم وجود خليفة واضح للحاكم الحالي، أو صراعات مكتومة بين أبناء الأسر والعائلات الحاكمة، أو ضعف الحراك الجيلي في قمة هرم السلطة، أو تدخلات الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية لصالح جناح في مواجهة جناح آخر، أو تصاعد أدوار أبناء العائلات والقبائل التي كانت يوما في السلطة وطامحة في اقتسام الكعكة، وغيرها من الأزمات التي تطرأ بدون مقدمات، وتطرح سيناريوهات مفاجئة.
1- الخلافة السعودية
إن المشكلة الأساسية التي تواجه مسألة الخلافة في المملكة السعودية الآن هي التقدم في السن بين أبناء الملك عبد العزيز، فضلا عن اعتلال الصحة، الأمر الذي يعرض المملكة لانتقالات متوالية في رأس السلطة في مدى زمني متقارب، مما قد يؤثر سلباً فى الاستقرار والتماسك الداخلي بسبب التنافس الذي قد يصاحب كل انتقال جديد للسلطة. دفع ذلك البعض إلى الاقتراح بضرورة انتقال السلطة إلى جيل الأحفاد (الجيل الثالث)، وهم أمراء في الخمسينيات والستينيات من عمرهم، ويتمتعون بالخبرة والقدرة معا، لاسيما وأن التحديات، سواء الداخلية أو الإقليمية أو الدولية، أصبحت تحتاج إلى دماء جديدة وقيادة شابة تستطيع حمل هذا العبء على كاهلها، بدلا من انتظار ظهور أزمة متكاملة الأركان.
وقد حاول النظام الحاكم في السعودية تجنب الأزمات المرتبطة بنقل الخلافة، وانتقال السلطة قبل وقوعها، من خلال استحداث سلسلة من الإجراءات النظامية، والتي تمنع وقوع أزمات بين أبناء الأسرة السعودية الحاكمة مستقبلاً. ففي أكتوبر 2006، أصدر الملك عبد الله بن عبد العزيز أمراً ملكياً يقضى بإنشاء “هيئة البيعة” (تتألف من 35 عضوا، 16 منهم من أبناء المؤسس، والـ 19 الباقون من الأحفاد) في محاولة لإشراك فروع الأسرة بقرار الخلافة. وبموجب الأمر، فإن هذا النظام الجديد لا يسرى على الملك وولى العهد الحاليين. لذا، فإن هيئة البيعة لم تسنح لها الفرصة لتلتئم لتسمية الملك الجديد، وسيكون غياب الملك عبد الله أول اختبار لها.
كما تطرق النظام الجديد إلى الأزمات المرتبطة بالقدرات الصحية للملك، بحيث تنقل السلطة إلى ولى العهد، بالإضافة إلى بعض الأزمات المفاجئة، ومنها حالة وفاة الملك، وولى العهد في الوقت نفسه، حيث نصت المادة الثالثة عشرة على أنه “في حالة وفاة الملك وولى العهد في وقت واحد، تقوم الهيئة خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام باختيار الأصلح للحكم من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وأبناء الأبناء، والدعوة إلى مبايعته ملكاً على البلاد، وفقاً لهذا النظام والنظام الأساسي للحكم. ويتولى المجلس المؤقت للحكم إدارة شئون الدولة لحين مبايعة الملك”.
غير أن واحدة من الطرق العملية المستقبلية المطروحة هى موافقة العائلة على ولي عهد منتظر من الجيل الثالث لتدريبه، استعدادا لليوم (قريبا على الأرجح) الذي يصبح فيه سلمان هو الملك. وستكون الطريقة الأخرى هي هيكلة الحكومة، بحيث يتولى الملك وولي العهد أدوارا أكثر رمزية، بما يتناسب مع قابلياتهما البدنية المحدودة، وقدراتهما العقلية المتراجعة. فثمة ضرورة بأن يتخلى الملك عن منصب رئيس الوزراء، ويترك شئون صنع القرارات في أيدي أشخاص أصغر سنا.
فالإشكالية هنا تتعلق برحيل آخر الأبناء الأحياء للملك عبد العزيز، ويتعين أن يتولى الحكم أحد الأحفاد. ومن أبرز رموز الجيل الجديد في المملكة خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة، وحاكم المحافظة الشرقية الأمير محمد بن فهد، ورئيس الحرس الوطني متعب بن عبد الله، ونائب وزير الداخلية محمد بن نايف الذي يقوم بدور وزير الداخلية الفعلي، والمسئول عن ملف مكافحة الإرهاب. إن السباق المحتمل بين الأمراء من جيل الأحفاد قد يطرح تساؤلا حول تماسك عائلة آل سعود، ومن ثم استقرار البلاد، لأن مسألة رأس الهرم السياسي غير واضحة.
2- الخلافة العُمانية
لكن عملية الخلافة السياسية تمثل إشكالية رئيسية في الحالة العُمانية، إذ إن المذهب العُماني الرسمي الإباضي لا يشرع أن يعين الحاكم السلطان قابوس وليا للعهد، وإلا انتفت معه أهم دعائم هذا المذهب، والذي يرفض مبدأ الوراثة. إذ يرى أن الحاكم يصل إلى السلطة عن طريق الاختيار لا التعيين، وهو ما يجعل هذا المذهب الإسلامي الأقرب للديمقراطية، مقارنة بغيره من المذاهب الإسلامية. ومن ثم، يجد السلطان نفسه مقيدا بهذا المبدأ الحاكم، حيث لم يعين وليا للعهد، الأمر الذي يتطلب اختيار السلطان الجديد بطريقة تشاورية، ويحظى بمباركة أسرة بوسعيد، ويوافق عليه شيوخ الإباضية، أو أن يلتزم مختلف الأطراف بوصية السلطان الراحل.
والتطور الوحيد الذي حدث في هذا الإطار هو صدور القانون الأساسي في عام 1996، الذي اكتفى بالإشارة فقط إلى أن تكون الوراثة من ذرية “تركي بن سعيد بن سلطان” (أسرة البوسعيد البالغ عددهم بين 50 إلى 60) من الذكور، بما يفتح المجال أمام إمكانية تولى أي منهم للسلطة، دون اشتراط الأخوة للحاكم.
وقد تعددت الترشيحات لخلافة قابوس، مع كل وعكة صحية يتعرض لها، أو غياب عن الأنظار.ووفقا لما تنص عليه المادة السادسة من النظام الأساسي للدولة، “يقوم مجلس العائلة الحاكمة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم. فإذا لم يتفق مجلس العائلة الحاكمة على اختيار سلطان البلاد، قام مجلس الدفاع (يضم مسئولين عسكريين وأمنيين، ورؤساء المحكمة العليا، ورئيسي المجلسين الاستشاريين) بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته إلى مجلس العائلة”.
ويعني ذلك أن العائلة الحاكمة سوف تضطلع بمهمة اختيار السلطان القادم. وإن لم تنجح، فيقع على عاتق المؤسسة العسكرية ترجمة وصية السلطان قابوس التي يرشح فيها الشخص الذي يخلفه، وهو ما فعله، وأرسل منها ثلاث نسخ، منها اثنتان في يد شخصين يعيشان في مسقط (تشير بعض المعلومات غير الرسمية إلى أنهما وزير المكتب السلطاني سلطان بن محمد النعماني، والمفتي العام للمذهب الإباضي)، وثالثة الرسائل توجد في لندن ومودعة في إحدى الخزانات المصرفية. إلا أن استقرار وتثبيت دعائم السلطان الجديد مرهون بمدى ولاء قيادات الجيش له، وتعاون زعماء القبائل معه، وتمتعه بقبول مجتمعي في ولاية ظفار بجنوب البلاد.
ووفقا لتحليلات غربية، تبرز المشكلة الأساسية في ظل غياب مرشح، يحدث توافق عليه من جانب الأسرة الحاكمة، أو بروز ملامح خليفة قادم من خارج الأسرة الحاكمة، مثل ترجيح بعض التحليلات كفة فهد بن محمود آل سعيد، نائب رئيس الوزراء، والمستشار القانوني للسلطان قابوس. وإن كان الخيار الأقرب للخلافة في سلطنة عمان سيظل منحصرا في الأبناء الثلاثة للمرحوم طارق بن تيمور عم السلطان، والذي شغل منصب رئيس الوزراء الوحيد للبلاد في أوائل السبعينيات من القرن الفائت، وهم شهاب بن طارق، الذي خدم كضابط في القوات البحرية الملكية في التسعينيات، ويتسم بالجدية والحزم، وهيثم بن طارق الذي يعمل في وزارة الخارجية منذ عام 1986، ثم تولى منصب وزير التراث والثقافة فيما بعد، لكن أقوى المرشحين لخلافة قابوس هو أسعد بن طارق، ممثل السلطان الخاص، وكان القائد الأعلى لفوج المدرعات، ويتمتع بدعم الجيش.
غير أن مصالحهم التجارية المتنوعة، بدءا بالعقارات، وانتهاء بالسياحة، يمكن أن تشكل عائقا في طريقهم للوصول إلى كرسي السلطة، وهو ما يتم التعبير عنه في الشارع العماني بالقول “حين تكون لك مصالح تجارية، يكون لك أعداء”. ومن هنا، فإن هناك اتجاها في الأدبيات يشير إلى احتمال تنافس حاد داخل الأسرة الحاكمة في سلطنة عمان في مرحلة ما بعد قابوس، بحيث يمكن أن يدعم الجيش مجموعة أو جناحا، وأجهزة الأمن ترجح مجموعة أو جناحا آخر. لذا، يبرز التحدي الأكبر لخليفة قابوس.
3- الخلافة القطرية
كما أن قطر تقدم نموذجا مختلفا لمأزق الخلافة السياسية في دول الخليج، عبر انقلاب أبيض من الداخل، حيث تولى حمد بن خليفة آل ثان السلطة في 27 يونيو 1995 عقب انقلاب قصر ضد والده. ويعد هذا الانقلاب أول انقلاب ناجح في دول الخليج، منذ انقلاب خليفة ذاته (حاكم قطر السابق) قبل ما يقرب من ثلاثة عقود. وخلال السنوات الماضية، أحدث الأمير حمد تغييرات عدة في هيكل السلطة في البلاد، حيث قام بتغيير ولى العهد مرتين. ففي المرة الأولى، قام بخلع نجله مشعل من منصبه كولي للعهد، وأسند المنصب لنجله الثاني جاسم. وفى المرة الثانية، أسند ولاية العهد لابنه تميم، بما يجعل كرسي الخلافة في قطر “حائرا”، لاسيما وأن التجربة التاريخية تشير إلى وقوع انقلابات وانقلابات مضادة، وإن كانت سلمية.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن هناك ثلاثة سيناريوهات حاكمة لمستقبل عملية الخلافة السياسية في قطر. السيناريو الأول هو الأكثر احتمالا، ويرجح استمرار خلافة الشيخ تميم للأمير حمد بن خليفة، إذ يستند عدم تفريط حكم آل ثان للتهديد والخطر، في ظل تداعيات الربيع العربي على منطقة الخليج. ومن أبرز مؤشرات هذا السيناريو إسناد الأمير حمد لخلفه تميم بعض الملفات، وتحمل المسئوليات، وهو ما دعا ولي العهد لتأسيس الحرس الأميري كقوة مستقلة عن الجيش، فيما يحمل تشابها مع الحالة السعودية في وجود الحرس الوطني، فضلا عن توثيق التحالفات داخل المؤسسة العسكرية بما يضمن الولاء له في مرحلة خلافته لوالده، ويعتمد على دعم أخيه جوعان، الضابط في القوات المسلحة.
غير أن هذا السيناريو يواجه تحدي عدم وجود ضمانات بالولاء من جانب المؤسسة العسكرية للشيخ تميم. فقد نشرت قناة العربية على موقعها الإلكتروني في 20 أبريل 2012، خبرا يتناول مسألة وقوع محاولة انقلابية فاشلة، نفذها اللواء حمد بن علي العطية، ثم سرعان ما اختفى الخبر، ولم تظهر تعليقات رسمية قطرية تثبت أو تنفي هذا الخبر. ولم يكن هذا الخبر هو الأول من نوعه، بل انتشرت خلال عام 2011 روايات مختلفة عن انقلاب داخل المؤسسة العسكرية التي يسودها الغضب من سياسات الأمير حمد الموالية للولايات المتحدة وإسرائيل.
أما السيناريو الثاني، فيتوقع حدوث صراعات داخل الأسرة الحاكمة بين ولي العهد الحالي الشيخ تميم، وأبناء الأمير حمد غير الأشقاء، فيما يطلق عليه سيناريو “عودة الأبناء الكبار”، وهم مشعل، المعروف بعشقه للخيول، والشيخ فهد الملتزم بالعمل الدعوي، وهو ما يكسبه رضاء الإسلاميين في قطر، ثم الشيخ جاسم الذي قضي سنوات في ولاية العهد، ويتمتع بشعبية كبيرة، وأن تخليه عن موقع الرجل الثاني في الدولة يعود إلى عدم ترحيبه بظهور اجتماعي لوالدته، وممارستها دورا سياسيا، ويتمتع بعلاقات قوية مع أخويه مشعل وفهد، وبقبول داخل العائلة، مما يجعله خيارا راجحا، في حال حدوث صراع على السلطة، لاسيما في حالة توافق الآراء مع بقية الإخوة، وهم خالد، وخليفة، وثاني، والقعقاع.
يعزز احتمال حدوث هذا السيناريو هو الزلازل المستمرة التي تتعرض لها أسرة آل ثان من تمرد الابن على الأب، وصراع الأشقاء وأبناء العم في سبيل الوصول إلى كرسي السلطة.
لكن هناك إعاقات لتحقق هذا السيناريو، منها عملية التحصين التي ينسجها الشيخ تميم لتفادي الطعنات من الخلف، فضلا عن تمتعه بدعم والده ووالدته، ونجاحه فيما أخفق فيه أخوه جاسم في بناء علاقات سياسية، وتوازنات داخل المؤسسة العسكرية.
في حين يشير السيناريو الثالث إلى أن من يخلف الأمير الحالي هو رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم، في حال احتمال حدوث صراع على السلطة بين الشيخ تميم وإخوته، لاسيما أنه يحظى بدعم أمريكي وغربي. كما أنه يمكن أن ينجح في الحصول على دعم من الفرع المنتمي إلى شيخ قطر السابق، أحمد بن علي الذي أزيح من قبل أب الأمير الحالي. غير أن هذا السيناريو ضعيف، ولا يمكن المراهنة عليه، لأن قوى أفرع عائلة آل ثان لا تمكن حمد بن جاسم من تولي الحكم.
4- الخلافة الكويتية
أما بالنسبة للكويت، فلم تشهد منذ حصولها على الاستقلال أزمة سياسية حادة خاصة بأزمة “ترتيب بيت الحكم”، باستثناء الأزمة التي شهدتها البلاد في يناير 2006، حينما توفى جابر الأحمد الصباح، وعين سعد العبد الله الصباح ولى العهد أميرا للبلاد. وفى ظل التدهور الشديد للحالة الصحية للأمير الجديد، فقد أثيرت عدة تساؤلات اتصلت بمدى قدرته على القيام بمهام منصبه الجديد، خاصة في ظل عدم قدرته على أداء اليمين الدستورية.
وتشير المادة الثالثة لقانون التوارث في البلاد إلى أنه “يشترط لممارسة الأمير صلاحياته الدستورية ألا يفقد شرطا من الشروط الواجب توافرها في ولى العهد. فإن فقد أحد هذه الشروط، أو فقد القدرة الصحية على ممارسة صلاحياته، فعلى مجلس الوزراء بعد التثبت من ذلك أن يعرض الأمر على مجلس الأمة في الحال لنظره في جلسة سرية خاصة. فإذا ثبت للمجلس بصورة قاطعة فقدان الشرط أو القوة المنوه عنهما، قرر بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم انتقال ممارسة صلاحية الأمير إلى ولى العهد بصفة مؤقتة، أو انتقال رئاسة الدولة إليه نهائيا”.
كما تنص المادة الرابعة من القانون ذاته على أنه “إذا خلا منصب الأمير قبل تعيين ولى العهد، مارس مجلس الوزراء جميع اختصاصات رئيس الدولة لحين اختيار الأمير بذات الإجراءات التي يبايع بها ولى العهد في مجلس الأمة”.
وقد نجح مجلس الأمة الكويتي في حسم هذه الإشكالية، من خلال اللجوء إلى قانون توارث الإمارة ، حيث تم بالإجماع إعفاء سعد العبد الله السالم الصباح من منصبه كأمير للبلاد، وتنازل لصالح صباح الأحمد الصباح، وهو ما يؤكد مدى قوة وتماسك الأسرة الحاكمة الكويتية، وقدرتها على احتواء الأزمات، ومدى احترامها لنصوص الدستور. علاوة على ذلك، حدث تكريس لمبدأ فصل ولاية العهد عن رئاسة الحكومة، حيث أشارت بعض التحليلات إلى أن القرار الصادر في عام 2003-الخاص بفصل منصبي رئاسة الوزراء عن ولاية العهد، حيث تم إسناد منصب رئاسة الوزراء لصباح الأحمد الصباح، نظراً لتدهور الأوضاع الصحية لسعد العبد الله- هو قرار مؤقت.
لكن ثمة مخاوف من أن تشهد الساحة السياسية الكويتية في الفترة المقبلة صراعاً بين جناحي أسرة آل الصباح الحاكمة، وهما جناح الأحمد وجناح السالم، لتصعيد بعض الشيوخ لمناصب حكومية بارزة لاقتناص منصب ولي العهد في مرحلة ما بعد “حكم الشيخ نواف الأحمد”، الذي يفترض أن يحكم البلاد بعد الأمير الحالي صباح الأحمد. وقد بدأ عدد من الصحف الكويتية، مثل القبس، المعروفة بعلاقاتها مع الشيوخ في الأسرة الحاكمة، في تسليط الضوء على الخلافات بين الشيخ أحمد الفهد والشيخ فهد سالم العلي من جانب، والشيخ ناصر المحمد، رئيس الوزراء السابق، وبين كل هؤلاء الشيوخ ورئيس الحكومة الحالي، الشيخ جابر المبارك.

5- الخلافة الإماراتية
أما بالنسبة لمسألة الخلافة في الحالة الإماراتية، فقد حسمها مؤسس الدولة زايد بن سلطان آل نهيان قبل وفاته، من خلال التراضي بين أبنائه. لكن مسألة الخلافة تتخذ مستويين، الأول يشمل البلاد ككل، حيث اختار زايد نجله الشيخ محمد نائباً لولى العهد، الشيخ خليفة، رئيس الدولة الحالي، وذلك حسماً لمسألة الخلافة، في حالة رئاسة ابنه خليفة للدولة والإمارة. أما المستوى الثاني، فخاص بالإمارات ذاتها، حيث إن كل إمارة لها حاكم خاص. فعلى سبيل المثال، بعد وفاة “مكتوم بن راشد”، حاكم دبي في يناير 2006، انتقل الحكم إلى ولى العهد محمد بن راشد (وزير الدفاع). وهكذا، ينطبق انتقال السلطة على بقية الإمارات الأخرى، مثل الشارقة، وعجمان، والفجيرة، وأم القيوين.
لكن هذه السلاسة في انتقال السلطة لم تسر على رأس الخيمة، حيث حدثت أزمة في في يونيو 2003 ، حين وقع انقلاب من قبل “سلطان بن صقر القاسمي”، الابن الأصغر لحاكم رأس الخيمة ضد أخيه. وقد حظي هذا الانقلاب بدعم وتأييد الحكومة الاتحادية في أبو ظبي، حيث اضطر الجيش للتدخل ليفرض قرار صقر بالقوة، ودعم التغيير، والحفاظ على استقرار الأوضاع في الإمارة، والتي اقترحت على الأسرة الحاكمة في الإمارة اعتبار ما حدث عملية خلافة مقبولة. وبوجه عام، فإن العنصر الحاسم في مسألة الخلافة في دولة الإمارات هو الاتفاق، أو التضامن بين حكام الإمارات السبع، رغبة في نجاح واستقرار التجربة الاتحادية.
6- الخلافة البحرينية
أما مسألة الخلافة السياسية في الحالة البحرينية، فلا تمثل قلقا للنظام الحاكم، رغم أن البحرين تمثل نموذجا للأقليات الحاكمة في المنطقة العربية، على أساس أن الأسرة الحاكمة سنية والأغلبية المحكومة شيعية. لكن العامل التاريخي يشير إلى أن انتقال السلطة يبدو وجها من السلمية والسلاسة، مقارنة بغيرها من دول الخليج، ولا يتوقع حدوث صراعات سلطة، سواء بين ولي العهد الأمير سلمان، وعم والده الشيخ خليفة بن سلمان، رئيس الحكومة من جانب، أو بين ولي العهد وأخيه غير الشقيق، الشيخ ناصر، نظرا لأن خلاف الحكم قد يؤدي إلى تهديد وضع الدولة، وليس فقط استقرار النظام الحاكم.
خلاصة القول إن مباراة الخلافة السياسية في دول الخليج يلعب كل طرف فيها ليفوز، أو ليخرج بمكاسب، وسيظل هناك دائما مجال واسع للافتراضات أو التساؤلات حول أجواء المباراة في كل حالة خليجية على حدة، بما فيها احتمال تغير المشهد في اللحظة الأخيرة (الوقت بدل الضائع) عبر صعود “القادمين من الخلف”. ويعني أنه في أثناء انشغال الأمراء الأكثر بروزا وتأهيلا في فعاليات المباراة فيما بينهم، ينطلق أحد الامراء من الخطوط الخلفية، مستغلا المساحات الخلفية، وانشغال المدافعين بالمهاجمين، ويسجل هدفا، أي شغل كرسي الحكم.
غير أن مسألة الخلافة تتطلب ترتيب البيت الخليجي من الداخل، عبر الحفاظ على الروابط العائلية، ووضع معظم أفراد الأسرة الحاكمة الذين لا يشملهم خط الوراثة في مراكز عليا في النظام السياسي، أي قدرة النظام على استيعاب القوى السياسية والتعبير عنها، سواء في شكل أو تنظيمات شبابية، أو مؤسسات تجارية، أو أجهزة إعلامية، أو أبنية أهلية، بما يضمن الاستقرار العائلي، تمهيدا لتحقيق الاستقرار السياسي، الذي يتطلب رسم خريطة طريق جديدة، في علاقة شيوخ الأسر الحاكمة بأبناء المجتمع.

الأخوان المسلمون نتاج الوهابية — حقائق للنشر

المميز

الأخوان المسلمون نتاج الوهابية

يعتقد البعض أنه لا توجد علاقة بين حزب (الأخوان المسلمون) والوهابية. وهذا في رأيي خطأ، إذ هناك دراسات موثقة تثبت أنه لولا الوهابية لما ظهر هذا الحزب والتنظيمات الأخرى من الإسلام السياسي في البلاد الإسلامية، كذلك أثبت الواقع وجود علاقة أيديولوجية ومالية وتنظيمية وثيقة بين هذه الأطراف. كما وأجزم أنه لولا الحركة الوهابية لما كان الإرهاب الإسلامي والذي من الأنسب أن يسمى بـ(الإرهاب الوهابي) الذي يهدد الحضارة الإنسانية.

إن سبب اعتقاد البعض في عدم العلاقة بين الوهابية وأحزاب (الأخوان المسلمون) هو عدم إطلاعهم الكافي بتاريخ الوهابية ونشوء الإسلام السياسي، واعتقادهم بأن الوهابية حركة عقائدية دينية مذهبية بحتة، لا علاقة لها بالسياسية كما هو في الظاهر. ومن هنا نرى أن من الضروري توضيح الصورة. صحيح أن في السعودية ممنوع على الشعب ممارسة أي نشاط سياسي، فالسياسة هي من شأن الأسرة الحاكمة فقط، وتحديداً الملك الذي يتمتع بالحكم المطلق، ومن يحيط به من الوزراء ومن الحلقات المقربة، ولكن في الحقيقة، أن العائلة الملكية الحاكمة تتحكم برقاب الشعب السعودي عن طريق مؤسسة الوهابية المنتشرة في كل مرفق من مرافق المجتمع، فهي التي تسيطر على التعليم والتثقيف وتوجيه الرأي العام من خلال المساجد والمدارس والمعاهد، والإعلام، وتضبط حركات الناس وتعد أنفاسهم من خلال منظمات القمع، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (المطاوعة) أي الشرطة الدينية.

فبواسطة هذه المؤسسات “الدينية” التي يهيمن عليها شيوخ الوهابية، استطاعت الأسرة الحاكمة فرض حكمها المطلق على الشعب السعودي والتسلط على الرقاب بالقبضة الحديدية، والويل والثبور لمن يعترض عليه، أو يبدي مجرد رأي بسيط لا يرتضيه النظام الحاكم، فسيف التكفير والزندقة مسلط على الرقاب. وحسب تفسير الوهابية للإسلام، على الرعية طاعة وليّ الأمر، أي الحاكم حسب قول نسبوه إلى النبي محمد: (أطع أميرك وان جلد ظهرك وان اخذ مالك)، وهناك أحاديث كثيرة أخرى بهذا المعنى يرددها هؤلاء ليل نهار. وهذه الثقافة هي أحد أسباب تكريس عبادة الفرد وحكم الاستبداد في العالم الإسلامي. ومن هنا نعرف أنه رغم المظهر الخارجي غير السياسي للوهابية، إلا إن في حقيقة الأمر، تقوم المؤسسة الدينية الوهابية في السعودية بجميع الأعمال والنشاطات التي تقوم بها الأحزاب السياسية الشمولية الحاكمة في البلدان التي تحكمها ديكتاتورية الحزب الواحد والأيديولوجيات الشمولية، إضافة إلى كونها تمتلك صكوك الغفران والتخويل بالحكم الإلهي.

وهناك مصادر كثيرة موثقة تثبت العلاقة الوثيقة بين أضلاع المثلث: (الأخوان المسلمون) خارج المملكة السعودية، والسلطة السعودية، والمؤسسة الدينية الوهابية. ونذكر من هذه المصادر على سبيل المثال لا الحصر، كتاب الراحل الدكتور علي الوردي (قصة الأشراف وابن سعود)، وكتاب (جذور الإرهاب في العقيدة الوهابية) للباحث الإسلامي ومؤسس جماعة أهل القرآن، الشيخ الأزهري الدكتور أحمد صبحي منصور، وكتاب الدكتور أحمد الكاتب (جذور الاستبداد في الفكر الوهابي). وقد اعتمدنا في هذا البحث على هذه المصادر وغيرها من الدراسات التحليلية.

نبذة تاريخية
مرت الدولة السعودية بثلاث مراحل:
الدولة السعودية الأولى (1745-1818) تأسست على يد الأمير محمد بن سعود، وتزامنت مع تأسيس العقيدة الوهابية على يد الشيخ محمد ابن عبدالوهاب (1703-1791) وعاصمتها الدرعية في نجد.
وعقد المؤسسان تحالفاً استراتيجياً بين العائلتين، آل سعود وآل الشيخ محمد ابن عبدالوهاب، أن يكون الحكم والولاية السياسية للأمير محمد بن سعود وأعقابه من بعده، والولاية الدينية للشيخ محمد بن عبدالوهاب وأعقابه من بعده. وبقي هذا التحالف بين الأسرتين فاعلاً إلى الآن. وانتشرت العقيدة الوهابية بين أبناء قبائل البدو من أعراب نجد الأميين الجهلة، بالترهيب بحد السيف، والترغيب بوعدهم بالجنة، بعد تعريضهم إلى دورات تدريبية صعبة من عزل في قرى سميت بالهجر، وعمليات غسل دماغ، وتحويلهم إلى روبوتات بشرية منفذة لتعاليم وأوامر هؤلاء الشيوخ والأمراء بشكل أعمى.

وكما قال الدكتور منصور: [أعطى محمد ابن عبد الوهاب مبرراً لمحمد بن سعود لغزو البلاد المجاورة "وقتل أهلها بعد اتهامهم بالكفر وإكراههم على قبول الوهابية على أنها الإسلام يجعل من الآخرين ومنهم الشيعة كفارا". وينقل عن عثمان بن بشر النجدي مؤلف كتاب "عنوان المجد في تاريخ نجد" أن ابن سعود ارتكب مذبحة في كربلاء عام 1801 وسجل النجدي بفخر تلك المذبحة قائلا " أخذنا كربلاء وذبحنا أهلها وأخذنا أهلها فالحمد لله رب العالمين ولا نعتذر عن ذلك ونقول: وللكافرين أمثالها". ] والجدير بالذكر أن قتل الوهابيون من أهل كربلاء في تلك الغزوة نحو 4000 ، ونهبوا المدينة وخزائن ضريحي الحسين والعباس التي لا تقدر بثمن. وقد أسقط هذه الدولة محمد علي باشا، الوالي العثماني على مصر، عام 1818.

الدولة السعودية الثانية (1821-1889). سقطت بسبب الصراعات الدموية داخل الأسرة الحاكمة.
الدولة السعودية الثالثة وهي الراهنة، بدأت مرحلة التأسيس بين عامي: 1902 إلى 1925 على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، وبجهود الأخوان الوهابيين النجديين أيضاً.

أسباب تصدير الوهابية

على الرغم من أن المملكة السعودية قد تأسست بجهود الأخوان الوهابيين، اعتماداً على شراستهم ووحشيتهم في القتل والنهب، طمعاً في الغنائم والجنة، لكن كانت هناك فترات شابتها خلافات وتوترات بين بعض فصائل الوهابية الأكثر تطرفاً من جهة، والملك عبدالعزيز من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال، تمردت إحدى فصائل الوهابية بقياده فيصل الدويش، ولكن استطاع عبدالعزيز بدهائه القضاء على تلك الجماعة وسجن الدويش إلى أن هلك في السجن. كما وتعاظمت وحشية هجمات غزو “الأخوان” الوهابيين على العراق والأردن، وتصاعدت اعتراضات الدول ومنها بريطانيا التي كانت تحكم البلدين الأخيرين، فطالبت الملك عبدالعزيز بإيقاف هؤلاء عن ارتكاب الجرائم، فأضطر الأخير إلى وضع حد لنشاطات الوهابيين خوفاً على ملكه من تطرفهم.

ومن الإجراءات التي اتخذها الملك عبدالعزيز لدرء خطر الوهابية عليه، أن عمل بدهائه المعروف على تصريف الطاقة التدميرية الكامنة في هذه العقيدة بتصديرها إلى الخارج. وأول بلد عمل على نشر الوهابية فيه هو مصر وذلك لما تتمتع به من إمكانيات ثقافية، فكان يعلم أنه إذا نجح في كسب تلك الامكانيات فيمكنه توظيفها لأغراضه. وهكذا كان.

وكما يذكر لنا الدكتور صبحي منصور في بحثه المشار إليه أعلاه، أن بدأ الملك عبدالعزيز بكسب ولاء شيخين أزهريين من أصول شامية وهما: رشيد رضا ومحيي الدين الخطيب، عن طريق مستشاره حافظ وهبة. والمفارقة أن هذين الشيخين كانا تلميذين للمصلح الإسلامي الكبير الشيخ محمد عبده، إلا إنهما انقلبا على تعاليم أستاذهما بعد وفاته عام 1905 وارتبطا بالسلطة السعودية لقاء دعمها لهما بالمال. وعن طريقهما تم إدخال العقيدة الوهابية إلى الأزهر بذريعة تنقية الدين من الشوائب والخرافات والتعاليم الصوفية، وإعادة الدين إلى أصوله النقية. وقدم رشيد رضا بدوره المدرس الشاب حسن البنّا إلى حافظ وهبة وإلى السعودية. واعترف البنّا في مذكراته (الدعوة والداعية) بصلته بحافظ وهبة والدوائر السعودية. وهناك مؤلفات أخرى مثل مذكرات محمد حسين هيكل، أشار فيها إلى معرفته بالشيخ حسن البنا، وأنه كان وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة…الخ. والشيخ البنّا هذا كان يتمتع بإمكانيات تنظيمية كبيرة، فبعد أن هيأ شيوخه الأزهريون له القاعدة الأيديولوجية، قام هو بتأسيس حزب الأخوان المسلمين عام 1928 على شكل تنظيمات شبه عسكرية بواجهة جمعيات خيرية، ولكنها تقوم بتدريب الأعضاء الشباب على السلاح وتحضيرهم للأعمال المسلحة ضد المعارضين، وبدعم مالي من السعودية مستغلين فقر حال الشباب في مصر.
والملاحظ أن هناك علاقة بين الأخوان المسلمين والوهابية حتى في التسمية. إذ كان يطلق اسم (الأخوان) على الوهابيين في السعودية. فأطلق على تنظيم حزب الإسلاميين في مصر اسم (الأخوان المسلمون)، وهذه التسمية ليست مصادفة، بل لها علاقة بالجماعات الوهابية (الأخوان) وتؤكد أن حزب الأخوان المسلمين في مصر وغيرها هو امتداد للوهابية وتعمل نفس التعاليم المذهبية.

العنف السياسي في مصر

قامت جماعات الأخوان المسلمين بقيادة الشيخ حسن البنّا باغتيالات بعض المعارضين، كان من بينهم، رئيس الوزراء أحمد ماهر عام 1945. وعلى أثر هذه الأعمال، قامت جهات يعتقد أنها حكومية، باغتيال حسن البنّا عام 1948. كما وقام الحزب فيما بعد بمحاولة فاشلة لاغتيال الرئيس المصري جمال عبدالناصر عام 1965، اتهم فيها سيد قطب، أحد منظري الحزب، وألقي القبض عليه وحُكِمَ بالإعدام ونفذ فيه الحكم في نفس العام. كذلك قام الحزب باغتيال السادات عام 1981، ومحاولة فاشلة لاغتيال الرئيس حسني مبارك في أديس أبابا في التسعينات من القرن الماضي.

كما ويعتقد أن معظم اغتيالات المثقفين المصريين والتفجيرات ضد السياح الأجانب تمت على أيدي عصابات تابعة للأخوان المسلمين، ناهيك عن الاضطرابات والأعمال الإرهابية ضد الأقباط المسيحيين خلال الأربعة عقود الماضية، من قتل واختطاف وحرق ممتلكات راح ضحيتها المئات من الأبرياء، وسلسلة الجرائم مستمرة لحد الآن.

إلا إن الأخوان المسلمين يستطيعون أن يتلونوا وفق الظروف باستخدام مبدأ التقية. فعندما تفشل عملية إرهابية وهي من تدبيرهم وينكشف أمرهم، يسارع قادة الحزب إلى إعلان البراءة منها، وإدانتها، والادعاء بعدم علاقتهم بها. كما ويدعي قادة الحزب أمام الإعلام الغربي في هذه الأيام أن حزبهم يؤمن بالديمقراطية ودولة المواطنة وحقوق الإنسان، ولكن في نفس الوقت لن يتورع مرشد الحزب، محمد مهدي عاكف، في الداخل من التصريح بأنه يفضل مسلم ماليزي على قبطي مسيحي مصري لحكم مصر!!

الثروة السعودية وتوسع الإسلام السياسي والإرهاب الوهابي

الملاحظ أن توسع الإسلام السياسي وانتشار الوهابية، وتصاعد موجة الإرهاب في العالم تزامن مع التضخم الهائل غير المسبوق للثورة النفطية للمملكة العربية السعودية. ففي دراسة تحليلية بعنوان “السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية السنية”، للسفير الأميريكي السابق لدى كوستريكا ( كورتين وينزر)، والمبعوث الخاص للشرق الأوسط في بداية عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، يورد الباحث على لسان اليكسي اليكسيف أثناء جلسة الاستماع أمام لجنة العدل التابعة لمجلس الشيوخ في 26 يونيو 2003م بأن ["السعودية أنفقت 87 بليون دولار خلال العقدين الماضيين لنشر الوهابية في العالم"، وأنه يعتقد أن مستوى التمويل قد ارتفع في العامين الماضيين نظرا لارتفاع أسعار النفط . ويجري وينزر مقارنة بين هذا المستوى من الإنفاق بما أنفقه الحزب الشيوعي السوفيتي لنشر أيديولوجيته في العالم بين 1921 و1991م حيث لم يتجاوز الـ 7 بليون دولار. ويلاحظ وينزر جهود نشر الوهابية في عدد من بلدان جنوب شرق آسيا، وأفريقيا والدول الغربية من خلال بناء المساجد والمدارس الدينية والمشروعات الخيرية واستقطاب الشباب العاطل والمهاجرين في هذه البلدان.]

ومن هنا نعرف أن الثروة النفطية، سواءً في السعودية السنية، أو إيران الشيعية، لعبت دوراً كبيراً في تصدير العنف الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي. كما ونعتقد أن الخطر السعودي في دعم الإرهاب أكبر بكثير من الخطر الإيراني، ذلك لأن إيران معروفة بعدائها الصريح لأمريكا، بينما السعودية تطرح نفسها كدولة صديقة وحليفة لأمريكا، وأنها تريد المساعدة في الحرب على الإرهاب واستقرار الوضع في الشرق الأوسط، ولكنها تعمل في الخفاء وبكل خبث عكس ما تدعيه. فقد أثبتت الأرقام وفق دراسة قدمها الجيش الأمريكي أن 50% من الإرهابيين الأجانب في العراق، ومعظم الانتحاريين فيه هم من السعودية. كذلك كان 15 من 19 انتحارياً الذين ارتكبوا جريمة 11 سبتمبر 2001 في أمريكا كانوا مواطنين سعوديين. وهذه الأرقام لم تأت مصادفة، بل هي نتيجة تربية مدرسية وثقافة دينية، ودعم المملكة السعودية لتغذية العنف والكراهية ضد غير المسلمين وضد أتباع المذاهب الأخرى من المسلمين. كما وهناك تقارير تؤكد أن مناهج التعليم في السعودية مازالت مليئة بمواد تحرِّض على كراهية غير المسلمين وحتى المسلمين من غير الوهابيين.

الاستنتاج
ومن كل ما تقدم، نستنتج ما يلي:

1 – بكلمات الدكتور أحمد صبحي منصور، إن الأخوان المسلمين في مصر “هم الطبعة المصرية من الوهابية النجدية الأعرابية”. ومن ذلك نعرف أن الانتماء إلى حزب الأخوان المسلمين هو عملية تغيير المسلمين من أهل السنة، من مذاهبهم المسالمة المتسامحة عبر قرون، إلى الوهابية التي تكفر ليس غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى فحسب، بل وتكفر كل من لا ينتمي إليها حتى من المسلمين من المذاهب الأخرى، وبالأخص الشيعة والصوفية بمختلف فرقهما وتفتي بقتلهم.
2- هناك مثلت خطير، أضلاعها: المملكة السعودية والوهابية والأخوان المسلمين. ومن هذا المثلث خرجت جميع المنظمات الإرهابية “الجهادية” في العالم.
3- إن التبشير بالعقيدة الوهابية معناه تغيير طريقة حياة المسلمين ومعتقداتهم الدينية إلى العقيدة الوهابيين الأعراب. والأعراب هنا هم الذين قال عنهم القرآن أنهم (أشد كفراً ونفاقاً) ووصفهم ابن خلدون بأنهم ضد العمران، فأينما حلوا يدمرون المدن والحضارة. وهذا ما يقوم به الإسلام السياسي الوهابي.
4- وبناءً على الاستنتاج الثالث، نعرف أحد أهم أسباب تخلف العرب والمسلمين وتراجعهم القهقرى في عصرنا الحاضر، ألا وهو مناهضة (الإسلام السياسي- الوهابي) للتقدم الحضاري والتعايش السلمي مع العالم المتحضر.
5- لهذه الأسباب مجتمعة، وإذا ما أراد المسلمون، الحريصون على سمعة الإسلام، والتعايش مع العالم بسلام، يجب عليهم أن يدينوا الوهابية، ويشنوا حملة فكرية وإعلامية متواصلة لفضح هذه الجماعة السلفية المنحرفة، وإقناع الأمم المتحدة بتجريمها، وبالتالي اقتلاعها من جذورها لتخليص الإسلام والعالم من شرورها. وإذا امتنع عقلاء القوم باتخاذ هذه الإجراءات المقترحة، فإن مزيداً من الكوارث في انتظارهم.
9/2/2012 حقائق للنشر

السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط

المميز

السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط تفتقد لأي بعد أخلاقي قادر على التغطية على أهدافها الحقيقية والمباشرة ، والتي (( تقوم على أساس تأمين مصالح الولايات المتحدة التي ترسمها وتحددها احتكاراتها النفطية وكارتيلاتها العسكرية والتي تمثل عصب الاقتصاد الأمريكي )) ، وفي هذه المقالة لسنا بحاجة لطرح الأسئلة التقليدية التي دأب الكثير من الكتاب والباحثين على طرحها حول ماذا تريد الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط بناء على سياستها التي تبدو للبعض أحياناً أنها تمر في حالة من التخبط أو الاضطراب والتي تكشف عنها التصريحات المتتابعة للإدارة الأمريكية عن تغيير في السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ، لقد أصبحت الإجابة على تلك التساؤلات بديهية ومعروفة للقاصي والداني ، ولا تحتاج إلى جهد كبير لتحديد ما تهدف إليه من جراء سياساتها التي تبدو مضطربة حينا ومتغيرة حينا آخر ، والحقيقة هي سياسة ثابتة ولا يعدو التغير الذي يعتريها أو ما يبدو للبعض أنه اضطراب إلا إجراءات تكتيكية لا تمس جوهر السياسة الخارجية الأمريكية سواء منها في فلسطين أو لبنان أو العراق أو أفغانستان أو تجاه إيران وموضوع سلاحها النووي وعموم منطقة الشرق الأوسط .

لقد سقط البعد الأخلاقي الذي تدعيه السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق أو أفغانستان أو السودان والصومال .. الخ من نواحي الشرق الأوسط الكبير ، ففرية شرق أوسط جديد ينعم بالأمن والاستقرار والسلام والتنمية والحرية والديمقراطية تسعى إليه السياسة الخارجية الأمريكية ما هو إلا شعار زائف يغطي على الأهداف الحقيقية التي ترمي وتسعى إليها السياسة الخارجية الأمريكية .

إن الولايات المتحدة لا تؤمن بالصداقات إنما تؤمن بالمصالح ، ولا تحترم الأخلاق أو القانون الدولي ، وإنما تؤمن بالقوة وتقدسها ، إن السياسة الخارجية الأمريكية تهدف إلى تأمين سيطرة الولايات المتحدة على منطقة الشرق الأوسط لذاتها ولما تمثله تجاه العالم أجمع ، لذاتها لما تحويه من خزان للطاقة ولما لموقعها من أهمية استراتيجية ، فإن إحكام قبضة الولايات المتحدة على مصادر الطاقة فيه سوف يمكنها من التحكم في إمدادات الطاقة اللازمة لجميع اقتصاديات الدول المنافسة لها وخصوصاً الصين واليابان وأوروبا كقوى اقتصادية منافسة لها على المستوى العالمي ، ذلك ما سيمكن الولايات المتحدة أن تجنب نفسها مستقبلاً الدخول في مواجهات اقتصادية وسياسية وربما عسكرية مباشرة مع تلك القوى الدولية التي تتحدى أحاديتها القطبية فذلك يؤّمن لها إبقائها تحت رحمة تحكمها في خزان الطاقة العالمي في الشرق الأوسط ، وإبقاء تلك القوى في مستوى متدني عن تهديد سيطرتها الأحادية على الكون أجمع .

لذلك تسعى الولايات المتحدة من خلال سياستها التي تبدو مضطربة في الشرق الأوسط إلى إدامة قضاياه ومشاكله وأزماته ذلك ما يوفر لها الظرف المناسب لإحكام سيطرتها عليه والإبقاء على تدخلها السافر في شؤونه العامة الداخلية والخارجية ، إن السياسة الأمريكية تدرك جيداً أن مفتاح الأمن والاستقرار والسلام الدائم لدول وشعوب الشرق الأوسط يتمثل في :
1- وضع نهاية عادلة ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي على أساس الشرعية الدولية وتفعيل قراراتها كاملة غير منقوصة على طرفي الصراع .
2- إنهاء احتلالاتها العسكرية وسحب جيوشها وأساطيلها وقواعدها العسكرية التي تحاصر المنطقة وتتحكم فيها .
3- وقف تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط والتي تؤدي إلى تفاقم ظاهرة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي عبر إثارة الفتن العرقية والطائفية وغيرها في العديد من أقطاره .

إن دول وشعوب الشرق الأوسط أدرى بأولوياتها وحاجاتها من الولايات المتحدة وأقدر منها على إجتراح السياسات الملائمة لها والتي من شأنها أن تؤدي بها إلى الاستقرار والأمن والسلام ، والتوجه نحو التنمية الاقتصادية والبشرية والثقافية والسياسية ، لكن السياسة الاستعمارية التي تمارسها الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل هي المسؤولة المباشرة عن إدامة أزمات الشرق الأوسط وإثارتها وتنوعها ، وبالتالي فإن تصنيف الولايات المتحدة للدول العربية إلى دول متطرفة وأخرى معتدلة ، ما هو إلا تصنيف كاذب ومخادع يستهدف الوقيعة بين الدول العربية وإتخاذه مبرراً وغطاءً لسياساتها المخادعة والمراوغة والتي تتهرب بواسطتها من الاستحقاقات التي تلزمها بوضع حد لسياساتها وسياسات حليفتها إسرائيل القائمتين على العدوان والتسلط وإهدار الحقوق العربية منفردة ومجتمعة ، فالدول العربية حددت أولوياتها الوطنية والقومية وهي ليست بقاصرة فمبادرة السلام العربية التي اقترحها المرحوم الملك فهد عام 1982 م في مؤتمر قمة فاس بالمغرب والتي لقيت إجماعاً عربياً ولكن بماذا قوبلت إسرائيلياً وأمريكياً ؟!!

وكذلك مبادرة الملك عبد الله عام 2002 م والتي حظيت أيضاً بإجماع عربي من خلال القمم العربية المتتابعة والتي تهدف إلى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي على أساس الشرعية الدولية والتي قوبلت بمثل سابقتها إسرائيلياً وأمريكياً ؟!!
فالرشد السياسي العربي قائم إزاء جميع القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي ، ولكن هذا الرشد السياسي العربي تعتبره الولايات المتحدة وإسرائيل متصادماً مع مصالحهما في المنطقة العربية ، فجميع الدول العربية المعتدلة والمتطرفة حسب التصنيف الأمريكي تعترض على الإنحياز الأمريكي الأعمى لصالح إسرائيل وسياساتها العدوانية والعنصرية والإحتلالية ولكن لا حياة لمن تنادي !!!

لقد سعت الولايات المتحدة إلى إدامة الصراع العربي الإسرائيلي والحفاظ على مستويات معينة فيه من التوتر تمنحه الديمومة والاستمرار وإبقاءه تحت السيطرة في آن واحد وتجلى ذلك في إفراغ أسس عملية السلام التي انطلقت في مدريد أكتوبر / 1991 م من محتواها وتهميشها لدور الأمم المتحدة والشرعية الدولية فيها ، في حين نجد الولايات المتحدة تتستر بالشرعية الدولية وأطرها الأممية لتبرر تدخلها في العديد من الدول وخصوصاً منها الدول العربية مثل الحالة اللبنانية أو السودانية .. الخ كما تلوح بأطر الشرعية الدولية وتوظيفها للتدخل في الحالة الإيرانية وتداعياتها المفتوحة على كل الإحتمالات الديبلوماسية والسياسية والاقتصادية والعسكرية ، كل ذلك يأتي في سياق سياستها القائمة على تمزيق المنطقة الشرق أوسطية من خلال سعيها الحثيث لتفجير مزيد من الصراعات فيه بحيث يبدو بينها الصراع العربي الإسرائيلي وكأنه صراع ثانوي من صراعات المنطقة إن هذه الحالة من دوامة العنف الدائم وعدم الاستقرار لدول الشرق الأوسط تمثل الحالة الأمثل للسياسة الأمريكية للإبقاء على تواجدها وتدخلها وإحكام سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط برمتها وإبقاء حليفتها إسرائيل قوية ومطلقة اليد في ممارسة عدوانها على الشعب الفلسطيني وعلى أي دولة اقتضت مصالحها أو مصالح الولايات المتحدة ذلك كما حصل في الصيف الماضي مع لبنان أو ما تلوح به إسرائيل تجاه إيران على غرار ما فعلته في المفاعل النووي العراقي في تموز 1981م ومشاركتها الفعلية للقوات الأمريكية في احتلال وتدمير العراق عام 2003م .

في سياق هذه السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وتجاه الصراع العربي الإسرائيلي يأتي مشروع الدولة الفلسطينية المؤقتة والذي جاءت وزيرة الخارجية الأمريكية للترويج له لدى الفلسطينيين والعرب ما هو إلا وصفة أمريكية قديمة جديدة لاستمرار دوامة العنف والعنف المضاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين نتيجة تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومنح الغطاء السياسي للسياسة العدوانية والتسلطية والتوسعية التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين وضد حقوقهم المشروعة في الحرية والعودة والاستقلال ، ولذا فإن رفض مشروع الدولة المؤقتة من جانب الرئيس الفلسطيني ومن جانب م.ت.ف يعتبر موقف صائب ويحتاج أن تلتف حوله كافة فئات الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه الحية على اختلاف برامجها وتوجهاتها السياسية والعقائدية ، وأن يحظى هذا الموقف بالدعم والمساندة العربية والدولية ، لثني الولايات المتحدة وإسرائيل عن هذا المشروع والتوجه الخطير لما يحمله من مخاطر قد تؤدي إلى تفجير الأوضاع بشكل أكثر حدة مما سبق ، والعمل على إرغامها وإسرائيل على التسليم بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وفق الشرعية الدولية التي تقرر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لكافة الأراضي الفلسطينية والعربية وضمان تنفيذ حق العودة وممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الدائمة وعاصمتها القدس ، إن التزام مثل هذه الرؤيا لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي هو وحده الذي يمثل مفتاحاً حقيقياً لحل كافة أزمات منطقة الشرق الأوسط ويأخذ بيده نحو الاستقرار والسلام لجميع شعوبه ، فهل تدرك السياسة الأمريكية أن الحلول التجزيئية والمنفردة لن تقود إلى السلام أو الى التسوية الدائمة والعادلة وبالتالي إلى السلام الذي تنشده دول وشعوب المنطقة والعالم ؟!!

على الإدارة الأمريكية أن تدرك أن استخفاف سياستها بدول وشعوب المنطقة العربية لن يقود إلا إلى مزيد من العنف وعدم الاستقرار ، وقد تجلى هذا الاستخفاف مؤخرا في سياستها القديمة الجديدة تجاه العراق والتي لخصها وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس (( بتأهيل العراق ليصبح سداً منيعاً أمام الأطماع الإيرانية في المنطقة العربية )) تأتي هذه السياسة الأمريكية بعد أن دمرت العراق الدولة والشعب والمؤسسات تدميراً كاملاً وبعد أن وضعته تحت السيطرة الفعلية للجماعات والمليشيات الموالية لإيران !!! هل يمكن لعاقل أن يصدق مثل هذه السياسة التي بشر بها روبرت جيتس ؟! إنها السياسة الأمريكية المستخفة والمستغفلة لشعوب وحكومات المنطقة العربية الشرق أوسطية !!

هذه السياسة الأمريكية تجاه العرب في شتى أقطارهم سواء في العراق أو في فلسطين أو السودان أو في لبنان أو تجاه أفغانستان وإيران والتي يعتقد البعض من المحللين والمراقبين أنها تتصف بالتخبط والاضطراب ، الحقيقة أنها لا تتخبط وإنما تسير باتجاه واحد محدد وهو إدامة هذه الأزمات وجعلها تفقس أو تلد أزمات جديدة لتصبح أزمات المنطقة مركبة ومتداخلة وعصية على الفهم والتفكيك ، فالأزمة تلد أزمة وتلد معها سبباً جديداً لاستمرار الهيمنة الأمريكية المباشرة على المنطقة الشرق أوسطية ، وبمثل هذه السياسة تتحقق مصالح الولايات المتحدة وحليفتها الوحيدة في المنطقة إسرائيل ، فمتى يدرك العرب شعوباً وحكومات حقيقة مخاطر السياسة الأمريكية في إدارة أزمات المنطقة ؟!!

إنها سياسة تفتقد لأي بعد أخلاقي ولا تقيم وزناً لأي مصلحة عربية ، إنها تحقق المصلحة الأمريكية الإسرائيلية فقط وإنها لا تستند إلا إلى شرعية القوة والهيمنة والنفوذ ، إنها سياسة ذات بعد وإتجاه واحد ، وإنها ليست متخبطة كما يعتقد البعض منا ، وإن أظهر الساسة الأمريكيون بعض الرعونة والتخبط في أداء مهامهم السياسية .

بقلم: المهدي داريوس ناظم روايا/ المهدي داريوش ناظم رعایا (Mahdi Darius Nazemroaya)—–الحلف الأطلسي و إسرائيل أدوات أمريكا للحرب في الشرق الأوسط

المميز

ترجمة: أ. رشيد أبو ثور
مجلة الرائد ، العدد ٢٦١، ربيع الأول ١٤٢٩، أذار – مارس ٢٠٠٨
آخن، ألمانيا
المصدر: Mondialisation.ca, Le 1 février 2008
تقديم المترجم
“إن الحصار الخانق والتقتيل الإجرامي الذي يتعرض له أطفال غزة ونساءها وشيوخها ومقاوموها؛ والتحقيق الصحفي المطول الذي ستشره مجلة “فانيتي فير” في عددها لشهر أبريل/ نيسان ٢٠٠٨ حول تخطيط إدارة جورج بوش وتجنيد عملاء فلسطينيين ومشاركة حلفاء واشنطن في المنطقة للإطاحة بحكومة حركة حماس بعد ما فاجأهم نجاحها في الانتخابات التشريعية التي أصر بوش على إجرائها؛ و استقالة قائد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط الأميرال وليامس فالون بسبب خلافه مع الرئيس بوش حول الملف الإيراني، لتثبت ما ذهب إليه المتخصص في قضايا الشرق الأوسط : المهدي داريوس ناظم روايا من تحليل بخصوص مستقبل الشرق الأوسط في هذا البحث الذي عنونه بـ “الحلف الأطلسي و إسرائيل أدوات أمريكا للحرب في الشرق الأوسط”.
والمهدي داريوس ناظم روايا (Mahdi Darius Nazemroaya) كاتب مستقل مقيم في أوطاوا بكندا وباحث مشارك في مركز البحوث حول العولمة.

الحلف الأطلسي و إسرائيل أدوات أمريكا للحرب في الشرق الأوسط
المهدي داريوش ناظم رعایا / المهدي داريوس نازيمروايا
دور الحلف الأطلسي في حروب الشرق الأوسط الشرق

أضحى الحلف الأطلسي أداة لدعم الأهداف البريطانية الأمريكية والفرنسية الألمانية. ورغم خلافات داخلية بين أعضائه، فإن مصالح الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل ـ التي أضحت تعامل منذ ٢٠٠٥ كعضو فعلي في الحلف ـ ترتبط بشكل وثيق داخله.

عسكرة الخليج العربي والمشرق طرف القوات الأجنبية

تمت عسكرة الشرق الأوسط منذ نهاية السبعينيات على مرحلتين متباينتين؛ فكانت الأولى بريطانية- أمريكية، انطلقت مع الحرب بين العراق وإيران، وتمثلت الثانية في جهد موحد للحلف الأطلسي، ولفرنسا وألمانيا فيها دور مركزي.
ورغم أن عسكرة المشرق قد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء إسرائيل، فإن الحلف الأطلسي لم يكن له دور واضح في هذا المسلسل إلا منذ إطلاق ” الحرب العالمية على الإرهاب” سنة ٢٠٠١.

“باريس وبرلين تكشفا دورهما في “الحرب العالمية على الإرهاب”

منذ انطلاق “الحرب العالمية على الإرهاب،” ساند الاتحاد الأوروبي بشكل فعلي، تابعا في ذلك فرنسا وألمانيا، السياسة الخارجية البريطانية ـ الأمريكية. وأسفر ذلك عن انتشار واسع النطاق لوحدات الحلف الأطلسي في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ويرتقب أن يضطلع كل من الحلف الأطلسي وإسرائيل بمسؤوليات أكبر في حال اندلاع مواجهات إقليمية مستقبلية مع إيران وسوريا. وهذا واضح عندما نراقب تمركز جيوش الحلف الأطلسي والبوارج الحربية في الشرق الأوسط وأفغانستان وعلى كل من الحدود الإيرانية والسورية.

مبادرة السلام العربية : اتفاقية مكة و الفصل بـين غزة والضفة الغربية

لا يمكن فهم الوجهة التي يقود إليها الخط المرسوم في أنابوليس، الفلسطينيين والمشرق، دون فهم ما حدث في فلسطين منذ ٢٠٠١. للوصول إلى أنابوليس يجب أن نقر بما حصل بين حركتي حماس وفتح وبالخديعة المحكمة المتمثلة في دور السعودية في اتفاقية مكة وبالأهداف البعيدة المدى لأمريكا وحلفائها في الشرق الأوسط وعلى ساحل البحر الأبيض المتوسط.

لقد أدركت أمريكا والاتحاد الأوروبي أن حركة فتح لا تمثل الإرادة الشعبية للفلسطينيين وأن أحزاب أخرى يمكن أن تنزع السلطة من بين يدي حركة فتح. وهذا ما لا يروق إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لأنهم بحاجة لقادة فتح الفاسدين لكي يطبقوا مخططاتهم البعيدة المدى في الأراضي الفلسطينية المحتلة وشرق البحر الأبيض المتوسط و الشرق الأوسط.
في سنة ٢٠٠٥ بدأت وزارة الخارجية للولايات المتحدة وإسرائيل تتهيآن لمواجهة فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية؛ ووقتها وضعت استراتيجية لتصفية ليس حركة حماس فحسب، بل كل أشكال المقاومة الفلسطينية الشرعية للمخططات الأجنبية التي ارتهنت الفلسطينيين منذ “النكبة.”
كانت إسرائيل وأمريكا وحلفائهما، ومن ضمنهم الاتحاد الأوروبي، يدركون أن حركة حماس لن تقبل أبدا بما تخططه واشنطن للفلسطينيين و للشرق الأوسط؛ بمعنى أن حماس تعارض بكل بساطة مشروع “الشرق الأوسط الجديد” والاتحاد المتوسطي الذي سيتمخض عنه في المشرق. وخلال هذا المسار كانت مبادرة السلام العربية لسنة ٢٠٠٢ هي البوابة التي ستسمح بإقامة كل من الشرق الأوسط الجديد والاتحاد المتوسطي.
فمع قيام السعوديين بدورهم ضمن المبادرة الأمريكية المتعلقة بـ “الشرق الأوسط الجديد”، تم الإيقاع بحركة فتح ودفعها لمحاربة حركة حماس حتى يتوجب إيجاد اتفاقية بين الطرفين. وهكذا قبلت حركة حماس بالتوصل إلى اتفاقية لحرصها، بصفتها الحزب الفلسطيني الحاكم، على صيانة الوحدة الفلسطينية. وهنا دخلت السعودية مجددا على الخط، من خلال دورها في ترتيب اتفاقية مكة، ولم تكن السعودية قد اعترفت بعد دبلوماسيا بحركة حماس. غير أن هذه الاتفاقية لم تكن سوى فخ للإيقاع بحركة حماس، حيث لم يكن واردا منذ البداية أن تبرم هدنة بين الحركتين لتدوم، ولا أن تشكل حكومة وحدة وطنية لتستمر. فاتفاقية مكة قد حددت مسبقا لإضفاء الشرعية على الذي سيحدث فيما بعد، والمتمثل في إشعال حرب أهلية فلسطينية مصغرة في غزة.
وبعد توقيع اتفاقية مكة تلقى عناصر من حركة فتح بقيادة محمد دحلان (الخاضع لتوجيهات الأمريكي كيت دايتون) أمرا من أمريكا وإسرائيل بالإطاحة بالحكومة الفلسطينية التي تقودها حركة حماس. ولا يستبعد وجود مخططين احتياطيين، حيث كان سيعتمد أولهما في حالة انتصار حركة فتح، ويعتمد الثاني (وهو الأرجح) في حالة فشلها. وكان هذا المخطط الثاني يرمي إلى تشكيل حكومتين، أولاهما في غزة بقيادة إسماعيل هنية و حركة حماس، والثانية في الضفة الغربية بزعامة محمود عباس و حركة فتح. ولقد طالب محمود عباس وشركاؤه بتشكيل مجلس نيابي موازي في الضفة، وهو مجلس ليس له من النيابة إلا الإسم. [١] ولقد سمحت فعلا اتفاقية الطائف لحركة فتح بإدارة الضفة الغربية على مرحلتين. وبما أن الحكومة قد شكلت بعد اتفاقية مكة استغلت حركة فتح انسحابها من هذه الحكومة لوصم حكومة إسماعيل هنية بعدم الشرعية. وحدث هذا في الوقت الذي كان فيه تصاعد الصراعات في غزة يحول دون إجراء انتخابات فلسطينية جديدة. ووضع محمود عباس كذلك في موقع يسمح له بتأكيد حقه الشرعي في تشكيل حكومته في الضفة؛ وهي الحكومة التي كانت ستعتبر دوليا غير شرعية لولا اتفاقية مكة. ولم يكن كذلك من الصدف أن الشخص الذي اختير لرآسة حكومة عباس هو سالم فياض الذي كان مستخدما في البنك الدولي. وبتنحية حركة حماس وفصلها عن السلطة بالضفة الغربية كانت الأجواء مهيأة لأمرين : تقديم اقتراحات باستقدام قوات عسكرية دولية للأراضي الفلسطينية وعقد مؤتمر أنابوليس. [٢]

قمة السلام في أنابوليس : إخبار بأحداث قادمة

أوردت قناة الجزيرة أن الاتفاقات الموقعة بين محمود عباس وإسرائيل قبل مؤتمر أنابوليس، والتي سميت “إعلان مبادئ” تضمن ألا يكون للفلسطينيين قوات مسلحة عندما يمنح للضفة الغربية نوع من تقرير المصير. وتطالب الاتفاقيات كذلك باندماج اقتصاديات العالم العربي مع إسرائيل ونشر قوات دولية، على غرار ما هو حاصل في البوسنة وكوسوفو، للإشراف على تطبيق هذه الاتفاقات في الأراضي الفلسطينية. وهذا هو السر في السعي إلى تصفية حركة حماس وإضفاء الشرعية على محمود عباس.
وفي هذه النقطة بالذات يتجلى من جديد دور فرنسا وإنشاء الاتحاد المتوسطي. فلقد سبق لفرنسا، خلال سنوات عدة، وقبل “الحرب العالمية على الإرهاب” بكثير، أن طالبت بنشر قوات عسكرية تابعة للاتحاد الأوروبي أو للحلف الأطلسي في لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة. فيجب على شعوب الشرق الأوسط أن تتفطن لما يحاك لأوطانها.
ولقد سبق لدومينيك دو فلبان أن صرح في ١٩ فبراير ٢٠٠٤ أنه يمكن إرسال قوات أجنبية إلى غزة بمجرد ما تنسحب منها إسرائيل، ويمكن لمؤتمر دولي أن يضفي الشرعية على وجود هذه القوات باعتباره المرحلة الثانية في ورقة الطريق الإسرائيلية الفلسطينية، واعتباره جزءا في المبادرة من أجل “الشرق الأوسط الكبير” أو “الجديد.” [٣‎] ولقد تم الإدلاء بهذا التصريح قبل وصول حركة حماس إلى الحكم وقبل الاتفاق المبدئي لمحمود عباس. غير أن هذا أتي عقب المبادرة العربية المقترحة من طرف السعوديين.
وإذا نظرنا إلى هذه الأمور من هذه الزاوية يتضح أن ما يجري من أحداث في الشرق الأوسط يندرج ضمن ورقة طريق عسكرية سابقة عن “الحرب العالمية على الإرهاب”. وهذا يجرنا إلى اقتراح نيكولا ساركوزي المتعلق بالاتحاد المتوسطي. فاندماج اقتصاديات إسرائيل بالاقتصاديات العربية من شانها أن تطور شبكة من العلاقات الدولية التي سينسجها بشكل وثيق الفاعلون الدوليون لإجماع واشنطن. [*] وهكذا تعتبر مبادرة السلام العربية المقترحة من طرف السعوديين واتفاق المبادئ وأنابوليس مراحل على طريق إنشاء اندماج اقتصادي بين العالم العربي وإسرائيل، من خلال مشروع “الشرق الأوسط الجديد” ودمج دول حوض البحر الأبيض المتوسط في الاتحاد الأوروبي عبر الاتحاد المتوسطي. ووجود قوات عسكرية للحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي في لبنان يندرج في هذا السياق.

هل هو تدويل لقطاع غزة من طرف الحلف الأطلسي كما حدث سابقا في لبنان ؟

يوجد ما يكفي من الأدلة على أن الحرب الإسرائيلية ضد لبنان سنة ٢٠٠٦ قد خطط لها من طرف إسرائيل والولايات المتحدة و الحلف الأطلسي. [٤] وبعد انتشار قوات الحلف الأطلسي داخل لبنان تحت راية “اليونيفيل” كان من المخطط له أن تدخل هذه القوات قطاع غزة في المستقبل القريب. وكان من المقرر أن تنفذ إسرائيل، بموازاة الحرب على لبنان سنة ٢٠٠٦، حملة عسكرية كبيرة ضد قطاع غزة. وقال المسؤولون الإسرائيليون بأنه بعد الحرب بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين سيدخل الحلف الأطلسي قطاع غزة، حيث أن أفكدور ليبرمان وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية السابق (وزعيم الحزب اليميني المتطرف “إسرائيل بيتنا”) ونائب الوزير الأول وقتها، كان يرى في القطاع الوجهة الجديدة لـ “عمليات حفظ السلام” التي يتولها الحلف الأطلسي. ولقد ألح أفدكور ليبرمان أمام كوندوليزا رايس والمسؤولين الأمريكيين على “حتمية” تنفيذ عملية عسكرية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وعلى ” وجوب أن تؤدي هذه العملية إلى انتشار ٠٠٠ ٣‎٠ جندي من قوات الحلف الأطلسي في القطاع” لمنع مزيد من التجمع الفلسطيني المسلح. [٥] وفي شهر مارس ٢٠٠٧ صرح كذلك عمير بيريتز عندما كان وزيرا للدفاع لإسرائيل بأن للجيش الإسرائيلي الإذن بالقيام بعمليات عسكرية في قطاع غزة. [٦]
ولقد تم القتال في القطاع المتوقع من طرف المسؤولين الإسرائيليين والقادة العسكريين، ولكن في البداية بين الفلسطينيين، ولم يبدأ الإسرائيليون عملياتهم إلا بعد ذلك. والذي قام بالعمل القذر بالوكالة عن الإسرائيليين هم عملاء فلسطينيون من قطاع غزة أمثال محمد دحلان. وحتى الإسرائيليون طالبوا بتدويل الحالة في قطاع غزة على غرار الحالة اللبنانية. أما محمود عباس قائد حركة فتح فقد تورط بتطبيق السيناريو الأمريكي الإسرائيلي حرفيا.

إسرائيل ذراع مسلح فعلي للحلف الأطلسي

قال أفكدور ليبرمان وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية : “يجب أن يكون الهدف الدبلوماسي والأمني لإسرائيل واضحا، ألا وهو الالتحاق بالحلف الأطلسي والدخول في الاتحاد الأوروبي.”٠
وهكذا أبرمت إسرائيل اتفاقية للتعاون العسكري رفيع المستوى مع الحلف الأطلسي وصرح أفكدور ليبرمان بأن على إسرائيل أن تكون قاعدة متقدمة للاتحاد الأوروبي وعضو فعلي في الحلف الأطلسي. [٧] وكان ليبرمان هو الذي قاد الاتصالات الإسرائيلية الرفيعة المستوى مع الحلف الأطلسي وحول ملف الحرب على إيران؛ كما شارك مع الولايات المتحدة و الحلف الأطلسي في تنسيق التحضيرات ضد سوريا وإيران.
ينظر لإسرائيل منذ إنشائها على أنها قاعدة متقدمة لما يسمى بـ”الغرب”، ولمصالحه في الشرق الأوسط والعالم العربي. وإسرائيل عضو فاعل في “عملية الجهد الفاعل في شرق البحر الأبيض المتوسط ” التي يتولاها الحلف الأطلسي. ورغم أن إسرائيل ليست عضوا في الحلف الأطلسي فهي تشكل مع تركيا العمود الفقري للقوات الأطلسية في الشرق الأوسط؛ والدولتان مهيأتان للقيام في المستقبل بدور عسكري حاسم في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
في نهاية سنة ٢٠٠٧، بدأت إسرائيل تؤكد أنها تلقت من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومن الحلف الأطلسي “الضوء الأخضر” للمبادرة بشن هجوم على إيران. وكان هذا سيؤدي إلى إشعال الشرق الأوسط. ولقد تابع الجيش الإسرائيلي تدريباته دون انقطاع وطلب الضباط من جنودهم الاستعداد لـ “حرب شاملة”.

إنشاء حواجز في الأراضي الفلسطينية : هل هي تحضيرات للمستقبل ؟

لقد تم تشبيه قطاع غزة من طرف الكثيرين في فلسطين وإسرائيل بسجن كبير. فالحركة فيه مقيدة والحق في التحرك منتهك وكل المنطقة محاطة بالحواجز والأسلاك الشائكة ولا زالت بعض المناطق محتلة من طرف الجيش الإسرائيلي الذي يستعملها كمساحات فاصلة.
تمثل الضفة الغربية منطقة شاسعة بالمقارنة مع قطاع غزة؛ فالقطاع يمتد على مساحة تغطي تقريبا ٣‎٦٠ كلم٢، وتفصلها عن إسرائيل حدود بطول 51 كلم؛ أما مساحة الضفة الغربية فتقدر بـ ٥٩٤٩ كلم٢ . وبالتالي فإنه من الأسهل على الجيش الإسرائيلي، اعتبارا لما يتطلبه ذلك من قوات عسكرية وموارد بشرية، أن يحاصر ويغلق بإحكام القطاع و يشدد مراقبته عليه من أن يفعل ذلك بالضفة. والذي سيتولى محاصرة المقاتلين الفلسطينيين في الضفة الغربية، إذا ما اندلعت حرب واسعة في الشرق الأوسط ، هي حركة فتح بمساعدة قوات أجنبية. ويمكن أن يندرج مشروع تدويل الوضع في قطاع غزة والضفة الغربية من خلال وجود قوات أجنية تابعة للحلف الأطلسي والدول العربية، في سياق الجهد المبذول لإقامة حاجز عسكري لحماية إسرائيل.
تم تعيين الجنرال الإسرائيلي غبي أشكينازي (Gabi Ashkenazi) ذي الأصل المزدوج سوري وبلغاري والذي له تجربة ميدانية بلبنان حيث أشرف على جيش الجنوب هناك، على رأس الجيش الإسرائيلي خلفا لدانييل حالوتز(Daniel Halutz). وكلف أشكينازي ببناء الحاجز الذي يسمى عادة “جدار الميز العنصري” بين الصفة الغربية وإسرائيل. ورغم عدم اكتماله فإن هذا الجدار قد وضع لمنع المقاتلين الفلسطينيين من الانتقال من الصفة الغربية إلى إسرائيل لمقاتلة الجيش الإسرائيلي، إذا ما نشبت حرب إقليمية.

إقامة حواجز إضافية بين لبنان وإسرائيل

إن قوات اليونيفيل التي انتشرت في جنوب لبنان بعد ٢٠٠٦ عقب قصف لبنان ليست كقوات اليونيفيل قبل ٢٠٠٦. فالتي انتشرت بعد ٢٠٠٦ كيان أقوى وأكثر استعدادا للحرب؛ وبالتالي يمكن أن تستعمل كذلك لحماية إسرائيل من المقاتلين اللبنانيين.
وهناك أمر آخر هام كذلك، متمثلا في إلقاء الجيش الإسرائيلي بـ 3 ملايين (أو أكثر) من القنابل العنقودية التي تسلمها من الولايات المتحدة، على الجنوب اللبناني خلال حرب تموز ٢٠٠٦. والأفظع هو أن إسرائيل سارعت إلى إغراق الجنوب اللبناني بهذه القنابل في الوقت الذي أوشكت فيه الهجمات الإسرائيلية على النهاية. ولا تفسير في بعض الأوجه لهذا الفعل إلا من خلال جغرافية المنطقة حيث يقع جنوب لبنان محاذيا لحدود إسرائيل الشمالية.
لقد كان زرع القنابل العنقودية بهذه الكثافة في جنوب لبنان عملا متعمدا لإنشاء حاجز إسرائيلي آخر لمواجهة مقاتلين محتملين في حرب مستقبلية في الشرق الأوسط. ولقد تحولت هذه القنابل العنقودية في واقع الأمر إلى ألغام أرضية قد تمنع أمواج المقاتلين اللبنانيين من الدخول إلى إسرائيل عند اندلاع حرب ضد إيران وسوريا والفلسطينيين ولبنان.

سيناريو لحرب إقليمية : تحضيرات إسرائيلية لعاصفة صواريخ انتقامية

سيكلف مشروع ” الشرق الأوسط الجديد” غاليا، وسيكون الثمن هو تفجير حرب. تتضمن عسكرة قطاع غزة عدة نقاط كما أنها مرتبطة بالتحضيرات لنزاع أوسع في الشرق الأوسط. فالهدف من نشر قوات أجنبية في القطاع والضفة، كما في لبنان، وتسوير الضفة الغربية هو منع الفلسطينيين من الانخراط في الحرب في حالة اندلاعها في الشرق الأوسط بين إسرائيل وأمريكا و الحلف الأطلسي من جهة، وسوريا وإيران وحلفائهما من جهة ثانية. ويقوم هذا التحليل على كون الحرب ضد إيران وسوريا ستضعف الجيش الإسرائيلي : فالقوات الإسرائيلية ستتعرض للصواريخ الإيرانية، وهو الأمر الذي تدركه جيدا مختلف المجموعات الفلسطينية المقاومة. فإذا ما اندلعت حرب إقليمية بين إسرائيل وإيران وسوريا، فسيجد الفلسطينيون أنفسهم على المستوى القتالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة على قدم المساواة مع الإسرائيليين. وبالتالي ستتغير بشكل مباشر طبيعة الحرب بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.أما الانقسامات داخل صفوف الفلسطينيين واللبنانيين فستقوض فعالية أي جهد عسكري منسق ضد إسرائيل عند اندلاع حرب أكثر اتساعا. وهذا ما تعرفه الساحة العراقية؛ فكلما انقسم العراقيون كلما كان جهدهم الحربي ضد الولايات المتحدة وحلفائها المحتلين للعراق أضعف. فلقد تم تكرار النكبة خارج فلسطين، أي في العراق. فلا يجب أن يساورنا شك بهذا الخصوص؛ فاحتلال العراق وفلسطين من طبيعة واحدة ومن صنع نفس المهندسين. إن مصدر ما تكابده بلاد الشام والعراق من آلام واحد.

هل هناك علاقة بين المحادثات حول دولة فلسطينية والحرب ؟

“إن الحرب التي نخوضها (نحن إسرائيل ) في الشرق الأوسط ليست حرب دولة إسرائيل فحسب…ونحن (إسرائيل ) في الخطوط الأولى.” هذا ما قاله أفيدكور ليبرمان وزير الشؤون الاستراتيجية السابق.

بعد اغتيال رفيق الحريري، أضحت ألمانيا وفرنسا أكثر انخراطا في التحرك الدبلوماسي بالشرق الأوسط. لقد تم تحريك الموارد الفرنسية والألمانية بشكل كامل ووضعها على الجبهة الدبلوماسية في خط المصالح البريطانية الأمريكية. فقبل قيامها بزيارة دولة لمصر، صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن بلادها والاتحاد الأوروبي يطلقان من جديد مسلسل السلام العربي الإسرائيلي. [٨] وفي هذا الصدد نسق دبلوماسيون من فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي جهودهم مع السعودية لتهدئة الفلسطينيين. [٩]
يمكن أن نجد عدة أوجه للتشابه بين التوجه نحو حرب ٢٠٠٢ و ٢٠٠٣‎ المستهدفة للعراق والتوجه الحالي نحو حرب ضد سوريا وإيران. وأحد هذه الأوجه كان مبادرة الولايات المتحدة لإحياء ما سمي بـ “مسلسل السلام العربي الإسرائيلي “، والمساعدة على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، قبل الاجتياح الأمريكي والبريطاني للعراق. فهناك علاقة وثيقة بين الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط والانفتاح على العرب من أجل إقامة دولة فلسطينية. وكانت اتفاقيات أوسلو كذلك مرتبطة بهزيمة العراق سنة ١٩٩١ إبان حرب الخليج. فهل كان هذا هو ما جعل جورج بوش، خلال جولته الرئاسية في الشرق الأوسط وزيارته لإسرائيل، يتحدث عن التهديد الإيراني أكثر من حديثه عن السلام ؟
لعل تصريحات الولايات المتحدة المتعلقة بدولة للفلسطينيين، تهدف إلى حماية الحكومات الموالية لأمريكا في العالم العربي من أن تعصف بها ثورة شعبية عربية. تعتبر القضية الفلسطينية ومساندة الشعب الفلسطيني من القضايا التي من شأنها أن تؤدي إلى ربح أو فقدان القلوب والعقول في العالم العربي ولدى الكثير من الشعوب الإسلامية. ويستند هذا الرأي إلى أنه ما دام هناك هدوء على الجبهة الفلسطينية، فيمكن فتح جبهات أخرى دون أن تثور الجماهير في الشرق الأدنى وغيره.

مشاورات حول الحرب بين إسرائيل و الحلف الأطلسي ببروكسيل

“تتشكل شبكة متماسكة تضم الحلف الأطلسي وشرق البحر الأبيض المتوسط “و الحرب العالمية على الإرهاب.” في نهاية شهر يونيو ٢٠٠٧ أجرى أفدكور ليبرمان ومسؤولون إسرائيليون لقاءات رفيعة المستوى مع مسؤولين في الحلف الأطلسي بمقرات الحلف ببروكسيل. [١٠] ولقد تحدث نائب الكاتب العام للحلف الأطلسي الإيطالي أليساندرو مينوطو ريزو(Alessandro Minuto Rizzo) مع البعثة الإسرائيلية التي يقودها ليبرمان حول تقديم تاريخ نشر وحدات من قوات الحلف الأطلسي في قطاع غزة [١١]؛ كما تحدث الطرفان عن نشر قوات دولية في غزة لضبط النظام ومنع الفلسطينيين من التسلح. [١٢] وتناولت المحادثات إيران وقضية الحماية الجوية لإسرائيل وتعميق التعاون بين مصالح المخابرات لكل من الطرفين. [١٣‎] وبعد عودته إلى إسرائيل من هذه اللقاءات، أكد أفيدكور ليبرمان لإذاعة الجيش الإسرائيلي أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي قد منحوا إسرائيل “الضوء الأخضر لبدء حرب في الشرق الأوسط بشن هجوم على إيران في تاريخ لم يعلن. [١٤] وسبق للحلف الأطلسي أن أعطى في سنة ٢٠٠٤ لإسرائيل الضوء الأخضر لشن حرب على إيران في تاريخ لم يتم إعلانه، كما يستشف ذلك من هذا التصريح لخافيير سولانا (Javier Solana) المسؤول عن السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي والكاتب العام للحلف الأطلسي : ” إن إيران دولة معقدة، ولا يبدو أن إسرائيل تملك القدرة على تحديه.” (Der Tagesspiegel)

بعد عودته في بداية سنة ٢٠٠٧ من سفره إلى أوروبا الغربية والمحادثات التي أجراها في مقر القيادة العامة للحلف الأطلسي، قال أفدكور ليبرمان بأنه تلقى أمرا ضمنيا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة و الحلف الأطلسي ببدء هجوك عسكري على إيران، وقال لإذاعة الجيش الإسرائيلي في رسالة موجهة للجنود بعد لقاءاته مع مسؤولين من الاتحاد الأوروبي، و الإسباني خوسيه ماريا أثنار (José Maria Aznar) ونائب الكاتب العام للحلف الأطلسي : “إذا بدأنا عمليات عسكرية بمفردنا ضد إيران، فإن أوروبا والولايات المتحدة سيساندوننا”. وأكد ليبرمان كذلك أنه كان من المستحيل على الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما شن حرب على إيران بسبب حربيهم في العراق وأفغانستان، غير أن الجميع لا يمانع في السماح لإسرائيل بمهاجمة إيران ؛ وأكد كلك أن الولايات المتحدة والحلف الأطلسي سيتدخلان إلى جانب إسرائيل بمجرد ما تبدأ الحرب ضد إيران وحلفائها. والرسالة التي أبلغها الحلف الأطلسي ومسؤولو الاتحاد الأوروبي لليبرمان تقول بأن على إسرائيل أن ” تمنع بنفسها التهديد” ، مما يعني أن على إسرائيل أن تشن حربا على إيران وحلفائها الإقليميين. [١٥]

سيتولى الحلف الأطلسي حماية إسرائيل إذا ما شنت حرب على إيران وسوريا

في ٢١ فبراير ٢٠٠٦، أدلى رونالد د. أسموس (Asmus) المديير التنفيذي لـ (German Marshall Fund’s Transatlantic Center) ببروكسيل، بهذا التصريح : “إن أحسن طريقة لمنح إسرائيل هذا الجانب الإضافي من الأمن هي تحديث علاقتها مع الذراع الجماعي المسلح للغرب المتمثل في منظمة حلف شمال الأطلسي. وكون تحديث هذه العلاقة سيرقى إلى منح إسرائيل العضوية في الحلف الأطلسي، أو سيقتصر فقط على منحها ضمانة بعلاقة استراتيجية ودفاعية وثيقة، فهذا أمر قابل للنقاش. غير أن ضمانة أمنية كلاسيكية تتطلب حدودا معترف بها لكي تتم حمايتها؛ وهذا ما لا تتوفر عليه إسرائيل اليوم. وهكذا سيتطلب ترتيب تحديث علاقة إسرائيل مع الحلف الأطلسي دبلوماسية حذرة وتخطيطا محكما.”

لا تستطيع إسرائيل تحدي إيران عسكريا. إن القدرة العسكرية لطهران تتجاوز قدرات إسرائيل رغم وهم القوة الإسرائيلية. فلن تشن إسرائيل حربا ضد إيران إذا لم تشاركها الولايات المتحدة و الحلف الأطلسي في العملية العسكرية. فإذا ما حدث هذا السيناريو فإن الولايات المتحدة وبريطانيا والحلف الأطلسي سينضمون مباشرة إلى إسرائيل كما صرح بذلك أفيدكور ليبرمان. فهذا الأمر مرتب مسبقا، وسيقول مسؤولو الحلف الأطلسي لمواطنيهم بأن إسرائيل كانت مضطرة للهجوم على إيران بسبب الخوف و”حقها في الوجود”، ثم سيتكتلون حول إسرائيل. غير أن الذي يجب قوله كذلك أنه إذا فرض” الحق في الوجود ” لكائن حي على حساب الحق في الوجود لكل ما يحيط به، فوقتها سيتحول ذلك إلى تهديد شبيه بالسرطان.
في مارس ٢٠٠٦ ورد في بريطانيا أن مسؤولين في الحلف الأطلسي لمحوا أنه سيكون لهم دور في هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران. وأورد ساره باكستير(Sarah Baxter) و أوزي ماهنايمي (Uzi Mahnaimi ) بأن أكسيل توتيلمان (Axel Tüttelmann)، قائد القوات الجوية للإنذار المبكر والمراقبة التابعة للحلف الأطلسي، قد أكد للمسؤولين الإسرائيليين بأن المنظمة الأطلسية ستنخرط في حملة مستقبلية ضد الإيرانيين. [١٦] و”كشفت الشروح التي قدمها القائد العام توتيلمان أن الحلف الأطلسي يمكن أن يقوم بدور المساندة إذا شنت أمريكا (وإسرائيل ) هجمات جوية.” كما كشف التقرير أنه قد سبق لتوتيلمان أن قدم للإسرائيليين عرضا توضيحيا حول طائرة المراقبة والإنذار المبكر التابعة للقوات الجوية للإنذار المبكر والمراقبة. [١٧] والتوضيحات حول طائرات المراقبة التابعة للحلف الأطلسي توحي بوجود تحضيرات للحرب مشتركة بين إسرائيل المنظمة الأطلسية.

قال باتريك كرونين المحلل الاستراتيجي في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لصحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية في سنة ٢٠٠٧ : إذا ألحت إسرائيل على ضرب إيران، فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها مضطرة للقيام بـ “عملية حاسمة”، ملمحا بذلك إلى أن أمريكا ستدخل الحرب إلى جانب إسرائيل التي بدأت الحرب. [١٨]

تعمل إسرائيل على خلق جو وظروف استراتيجية، لكن بالنسبة لمن ؟

قال نابوليون بونابارت ذات مرة : “لا يجب أن نترك الحوادث الدولية العارضة تصنع السياسة الخارجية، بل يجب أن تكون السياسة الخارجية هي التي تصنع الحوادث العارضة.”
ومهما قيل في نابوليون، فمما لا مراء فيه أنه كان عبقريا عسكريا ورجل دولة كبير. فلقد كان رجلا ذكيا ومدركا لعمق العلاقات الدولية ولسياسة الأحداث العرضية. ولو كان حيا اليوم، فلم يكن ليفاجأ بالأحداث التي تهز استقرار العالم، وخاصة في الشرق الأوسط. فلا زالت السياسة الخارجية إلى اليوم هي التي تصنع الأحداث العالمية. وكانت إسرائيل كيانا مقاتلا ومصارعا لنحت وصياغة محيطه الاستراتيجي.
إذا قررت الولايات المتحدة وبريطانيا أن تبادر بالدخول في حرب، فإن زعماءهما سيواجهون معارضة عنيفة من الرأي العام لديهم، قد تهدد موقعهم السياسي، وتهدد حتى الاستقرار الوطني. أما إذا كنت إسرائيل هي التي تشن الحرب، فالأمر سيختلف. فإذا شنت إسرائيل الحرب بذريعة حماية نفسها من تهديد إيراني متزايد، فإن الولايات المتحدة وبريطانيا ستتدخلان لـ “حماية إسرائيل ” من الرد الإيراني دون أن تعطيا الانطباع بأنهما بادرا إلى حرب دولية غير مشروعة، والعتب سيقع على الإسرائيليين عوضا أن يتجه للإدارة الأمريكية وحليفها البريطاني الدائم، وسيحتج القادة السياسيون الغربيون بأن من واجبهم الوطني حماية إسرائيل مهما تمادت هذه الأخيرة في انتهاك القانون الدولي.

هارماجدون نووي في الشرق الأوسط : هل تستهدف إسرائيل العالم العربي وإيران بسلاحها النووي ؟

كتبه نورمان بودهوريتز(Norman Podhoretz)، احد أشباه المثقفين الذين يصنعون السياسة الخارجية لإدارة بوش الصغير، في عدد فبراير ٢٠٠٨ لمجلة (Commentary Magazine) : “إن الخيار الوحيد الذي يبدو أقرب إلى المعقول هو أن يعمد (جورج بوش) إلى توكيل الإسرائيليين بالقيام بهذا العمل (أي بدأ الحرب ضد إيران).”
ولم يكتف بودهوريتز بالطلب بأن تهاجم إسرائيل إيران لفائدة الولايات المتحدة، بل أكد كذلك أن حربا نووية بين الإسرائيليين والإيرانيين حتمية، إلا إذا تمت قنبلة إيران، وهذا رغم شهادة الوكالة الدولية للطاقة النووية بالطبيعة السلمية للبرنامج النووي الإيراني. وبناء على دراسة لأنطوني كورديسمان (Anthony Cordesman)، تقدم بودهوريتز بفكرة تقول أن على إسرائيل تصفية جيرانها العرب مثل مصر وسوريا (رغم أن مصر قد وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل ). وحسب ما قاله بودهوريتز حرفيا : “في حالة حصول هذا السيناريو الرهيب الذي وصفه كورديسمان، فإنه سيقتل عشرات الملايين، لكن إسرائيل ستظل على قيد الحياة ولو كمجتمع في أبسط أشكاله، رغم ما سيتعرض له مدنيوها من إبادة ومدنها من دمار؛ غير أن الأمر لن يكون كذلك بالنسبة لإيران، و لجيرانها العرب الأكثر أهمية، وخاصة مصر وسوريا، لأن كوردسمان يعتقد أن على إسرائيل أن تستهدفهما “لتكون متيقنة من عدم استفادة أية قوة أخرى مما سيصيبها بسبب الهجوم على إيران.” ولا يستبعد أن يدفع اليأس إسرائيل إلى ضرب أبار النفط ومنشآت التكرير والموانئ في الخليج العربي.”

التحضير لهجوم إسرائيلي على إيران ؟

تجدر الإشارة إلى أن برويز مشرف قد بدأ جولة في أوروبا بموازاة مع زيارات الرئيسين الأمريكي والفرنسي للشرق الأوسط واستقالة أفيدكور ليبرمان من الحكومة الإسرائيلية. [١٩] ويهدف مشرف من تحركه الأوروبي إلى تنسيق المواقف مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ببروكسيل، وإلى زيارة فرنسا وبريطانيا وسويسرا. [٢٠] وتأتي زيارة مشرف في الوقت الذي تمر فيه باكستان بأزمة انقسام سياسي والمطالبة الإسرائيلية بضرب إيران.
وزار الكاتب العام للحلف الأطلسي جاكوب دي هوب شيفير(Jakob [Jaap] de Hoop Sheffer) بدوره الإمارات العربية المتحدة بعيد تحركات جورج بوش ونيكولا ساركوزي؛ وقال هوب شيفر لمضيفيه في أبي ضبي بأن الحلف الأطلسي يعمل في الخليج العربي لمحاصرة إيران [٢١]؛ كما قال بأن إيران تشكل تهددا بالنسبة لكل من مجلس التعاون الخليجي وأعضاء الحلف الأطلسي. وتندرج أسفار هوب شيفر وتصريحاته ضمن المخطط الأمريكي/البريطاني والفرنسي/الألماني الهادف إلى مواجهة إيران في الشرق الأوسط. وعند وجوده في الإمارات العربية المتحدة أفهم الكاتب العام للحلف الأطلسي محادثيه بأن الحلف سيتدخل في حرب بين إسرائيل والعرب، والتي هي كما ذكرنا، قيد الإعداد منذ عدة سنوات. [٢٢]
وراجت تصريحات مقلقة تفيد أن تل أبيب كانت تحاول مهاجمة إيران منذ سنة ٢٠٠٤؛ ولم تتوقف بعد ذلك تلك المحاولات، بل صارت أقوى. وشجع جون بولتون (John Bolton) تل أبيب خلال مؤتمر هرتزيليا سنة ٢٠٠٨ ـ وهو مؤتمر إسرائيلي ينعقد سنويا حول الأمن القومي ـ على قنبلة إيران عند حديثه عن هجوم الطيران الإسرائيلي على سوريا في سبتمبر ٢٠٠٧، والذي وصفه بأنه مقدمة لهجوم آخر. [٢٣‎] وفي نهاية يناير ٢٠٠٨ بدأ إيهودا براك يؤكد بأن إيران في المراحل الأخيرة لصناعة رؤوس نووية، في حين أعلنت الحكومة الإسرائيلية نجاح صواريخها الحاملة لرؤوس نووية. [٢٤] وأومأت باريس كذلك إلى أن إسرائيل ستبدأ حربا ضد إيران، حيث صرح نيكولا ساركوزي في حوار مع مجلة النوفيل أوبسيرفاتور الفرنسية بأن احتمال أن تبدأ إسرائيل حربا ضد إيران أقوى من هجوم أمريكي على إيران. [25] وبدوره أكد الكاتب الوطني في الأمن ميكايل شيرطوف(Michael Chertoff) في حوار مع رييا نوفوسطي(RIA Novosti)، أن الولايات المتحدة لن تقوم بأي هجوم على إيران. [٢٦]
صرحت إيران وسويا بأنهما على استعداد للدفاع عن نفسهما وأنهما سيردان على أي عدوان إسرائيلي. [٢٧] فعلى امتداد الشرق الأوسط توجد كل القوى المقاومة للهيمنة الخارجية في حالة تأهب لمواجهة أي شكل من العدوان الإسرائيلي. وفي هذا الصدد حذر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، تل أبيب مستبقا أي عدوان جديد في الشرق الأوسط، خلال تظاهرة عامة في بيروت، قائلا : ” إذا أقدمت إسرائيل على حرب جديدة ضد لبنان، فإننا نعدهم بحرب ستغير وجه المنطقة بكاملها.” [٢٨]

إسرائيل : أداة للسياسة الولايات المتحدة الخارجية في الشرق الأوسط

لقد منحت تل أبيب الحجج لمعارضيها الذين يؤكدون بأنها أداة لتنفيذ مشاريع استعمارية في الشرق الأوسط؛ فأغلبية الإسرائيليين يتم تضليلهم من خلال منظومة مركبة تشمل التضليل الإعلامي وإثارة المخاوف وترويض نفساني محكم. ويستعمل الدم الإسرائيلي لممارسة القمع والقتل والمصادرة وتغذية آلات الإمبراطوريات الاقتصادية. فالجشع لازال حيا لكن شكله تغير.
تستعمل إسرائيل من خلال مسؤوليها وقادتها الحكوميين للإبقاء على التوتر حيا في الشرق الأوسط، وهي أداة لتبرير التدخل البريطاني/الأمريكي والفرنسي/الألماني ؛ و إلا لماذا ستغضب الولايات المتحدة من إسرائيل لكون تل أبيب لم تعرض مصالحها للخطر بهجومها على سوريا خلال حربها على لبنان سنة ٢٠٠٣‎، مما كان سيضعها في مواجهة حرب إقليمية موسعة ضد إيران وسوريا؟ [٢٩]
رغم إرادة ورأي أغلبية الإسرائيليين، لا زال إيهود أولميرت في منصبه كوزير أول، وهو المعروف بفساده عندما كان محافظا للقدس الغربية. فكما تم تجاهل الإرادة الدموقراطية للشعب الأمريكي بخصوص العراق، تم كذلك تجاهل الإرادة الدموقراطية للإسرائيليين الراغبين في التخلص من إيهود أولميرت. وكما هو الحال في العديد من المواقع، لا تعير المراتب العليا للسلطة أية أهمية لمصالح الشعب الإسرائيلي؛ فالقادة الإسرائيليون لا يخدمون مصالح شعبهم بقدر ما يخدمون مصالح “إجماع واشنطن.”
يمكن لتحالف إيهود أولميرت أن يستمر ما يكفي من الوقت لشن حرب إقليمية. إن الحياة السياسية للوزير الأول إيهود أولميرت توشك على الانتهاء، وبالتالي لن يخسر شيئا إذا أقدم على حرب أخرى. غادر أفيدكور ليبرمان الذي قاد المشاورات الرفيعة المستوى باسم تل أبيب مع الحلف الأطلسي، الحكومة الإسرائيلية عند زيارة جورج بوش لإسرائيل ، وصرح ليبرمان أن انسحابه من الحكومة كان بسبب “محادثات السلام مع الفلسطينيين”، غير أن قراره جاء في الحقيقة بسبب لجنة فينوغراد، وكتكتيك لإبقاء حزب العمال في الحكومة الائتلافية لإيهود أولميرت؛ وهو تكتيك يهدف إلى إعطاء حكومة هذا الأخير ما يكفي من الوقت والحياة لشن حرب إقليمية بمحاولة الهجوم على إيران.
حتى أعداء إسرائيل يوافقون على أن تل أبيب وكيلة المصالح الخارجية البريطانية الأمريكية. ولقد حذر وزير الدفاع الإيراني السابق علي شمخاني، الحكومة الأمريكية بأن الرد العسكري الإيراني على أي هجوم إسرائيلي، سيستهدف كلا من إسرائيل والولايات المتحدة. وهذا ما يعني أن إسرائيل لن تقدم على أي عدوان دون إذن من الولايات المتحدة. [٣‎٠] ولقد شارك البيت الأبيض بشكل كامل في كل التجارب التي أجريت على الصواريخ الإسرائيلية؛ كما أن التحضيرات الحربية الإسرائيلية قد تمت بتنسيق أمريكي، عبر مؤسسات مثل [٣‎١؛ الإنجليزية: Israeli-US Joint Political Military Group / فرنسي: Groupe conjoint politico militaire israélo-États-Unis]. بعد حرب تموز ٢٠٠٦ على لبنان، صرح الشيخ ناعم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله في حوار مع قناة المنار، قائلا : “من بدأ الحرب ؟ إسرائيل. وهكذا لم يكن عدوان إسرائيل ردا على ما أصابها، بل لتنفيذ قرارات أمريكية معدة مسبقا. فالعدوان خطط له مسبقا.” [٣‎٢] وأضاف متهما إسرائيل بـ “العمل كذراع مسلح للولايات المتحدة ” ثم قال : ” كان الجميع يقولون دائما بأن إسرائيل هي التي تتحكم في أمريكا، غير أننا نجد اليوم أن أمريكا هي التي تقود إسرائيل. لقد تحولت إسرائيل إلى ذراع مسلح لأمريكا.” [٣‎٣‎]

مهدي داريوش ناظم رعایا، عالم اجتماع وباحث في مركز بحث العولمة في مونتريال مدينة بكندا. متخصص في شؤون الشرق الاوسط ووسط اسيا.

ملاحظة: نشرت المقالة باللغة الانجيليزية هنا.
الهوامش

[١] Khaled Abu Toameh, “PLO to form separate W. Bank parliament, The Jerusalem Post, January 14, 2008
[٢] Emine Kart, Ankara cool towards Palestine troops, Today’s Zaman, July 3, 2007
[٣] Dominique René de Villepin, Déclarations de Dominique de Villepin à propos du Grand Moyen-Orient, interview with Pierre Rousselin, Le Figaro, February 19, 2004
[٤] Mahdi Darius Nazemroaya, The Premeditated Nature of the War on Lebanon: A Stage of the Broader Middle East Military Roadmap, Global Research, September 10, 2007
[٥] Israeli action in Gaza ‘inevitable,’ Al Jazeera, January 14, 2007
[٦] Tom Spender, Israel ‘planning Gaza invasion,’ Al Jazeera, April 4, 2007
[٧] Avigdor Lieberman: Israel should press to join NATO, EU, Haaretz, January 1, 2007
[٨] Germany to help renew Mideast peace efforts: Chancellor, Xinhua News Agency, December 10, 2006
[٩] Angela Merkel sets off to Middle East, Associated Press, March 31, 2007
[١٠] Ronny Sofer, Lieberman wants NATO troops in Gaza, Yedioth Ahronoth, June 28, 2007
[١١] نفس المرجع.
[١٢] نفس المرجع.
[١٣‎] نفس المرجع.
[١٤] NATO: The US and Europe can not suspend Iran’s nuclear program, Azeri Press Agency (APA), July 11, 2007
[١٥] نفس المرجع.
[١٦] Sarah Baxter and Uzi Mahnaimi, NATO may help US strikes on Iran, The Times (UK), March 5, 2006
[١٧] نفس المرجع.
[١٨] Julian Borger and Ewen MacAskill, Cheney pushes Bush to act on Iran, The Guardian (UK), July 16, 2007
[١٩] Pakistan President arrives in Belgium for Europe tour, The Times of India, January 2008
[٢٠] نفس المرجع.
[٢١] Indel Ersan, NATO chief urges cooperation with Gulf over Iran, ed. Andrew Roche, Reuters, January 24, 2008
[٢٢] Jamal Al-Majaida, NATO chief discusses alliance’s role in Gulf, Khaleej Times, January 27, 2008
[٢٣] Yuval Azoulay and Barak Ravid, Bolton: ‘Near zero chace’ Pres. Bush will strike Iran, Haaretz, January 24, 2008
Israeli Transportation Minister, Shaul Mofaz, also indicated at the Herzilya Conference that the years 2008 and 2009 will also see the last diplomatic efforts against Tehran before an implied military option (attack) against the Iranians. The Israeli Transportation Minister also made similar threats before saying that sanctions had till the end of 2007 to work against Iran until the military option would be prepaired
This prior threat was made as he led the Israeli delegation of the Israeli-US Joint Political Military Group, which focuses on Iran, Syria, Palestine, and Lebanon
Shaul Mofaz was also the former commander of the Israeli military, a former Israeli defence minister, and hereto is one of the individuals in charge of the Iran file in Tel Aviv
[٢٤] Iran may be working on nuclear warheads: Israeli Defence Minister, Times of India, Jan. 26, 2008; Israel suspects Iranians already working on nuclear warhead, AFP, Jan. 16, 2008; L. Weymouth, A Conversation With Ehud Barak, Washington Post, Jan. 26, 2008, p.A17
[٢٥] Sarkozy: France worried by Iran-Israel tension, Associated Press, December 12, 2007
[٢٦] US will not attack Iran, RIA Novosti, January 25, 2008
[٢٧] Bush trying to foment discord in Mideast, Tehran Times, January 28, 2008, p.A1 +; Mahdi Darius Nazemroaya, America’s “Divide and Rule” Strategies in the Middle East, Global Research, January 17, 2008; Nir Magal, Syrian VP: We’ll retaliate for Israeli aggression, Yedioth Ahronoth, September 8, 2007
[٢٨] Hezbollah chief scoffs at Israel at rare public appearance, Agence France-Presse (AFP), January 19, 2008
[٢٩] Yitzhak Benhorin, Neocons: We expected Israel to attack Syria, Yedioth Aharonot, December 16, 2006
[٣‎٠] Anthon La Guardia, Iran wars Israel on pre-emptive strike, The Telegraph (UK), August 19, 2004
[٣‎١] Mahdi Darius Nazemroaya, Israel’s Nuclear Missile Threat against Iran, Global Research, January 19, 2008; Hilary Leila Krieger, Mofaz warns sanction on Iran must bite by year’s end, The Jerusalem Post, June 7, 2007
[٣‎٢] Hanan Awarekeh, Kassem: If Israel attacks, we’ll show them surprise, Al-Manar, July 12, 2007
[٣‎٣‎] نفس المرجع.

[*] المترجم : في سنة 1990 تم توضيح المذهبية المؤسسة للمرحلة الليبرالية الجديدة في مسار العولمة، من طرف الاقتصادي جون ويليامسون (John Williamson) تحت مسمى “إجماع واشنطن” الذي يقوم على 7 ركائز:
١- الانضباط الضريبي القائم على توازن الميزانية وخفض الضرائب.
٢- التحرير المالي (حيث يترك للسوق تحديد سعر العملة).
٣‎- تحرير التجارة بحذف الحماية الجمركية.
٤- الانفتاح الشامل للاقتصاد أمام الاستثمارالمباشر.
٥- تفويت كلية المؤسسات العامة للخواص.
٦- إلغاء القوانين الموجهة أو المنظمة، أي إلغاء كل الحواجز التي تعرقل التنافس الحر.
٧- الحماية التامة لحقوق الملكية الفكرية للشركات العبرة للقارات.

المخطط الشيطاني لتقسيم الوطن العربي

المميز

لذين لم يقرءوا التاريخ يظنون ما صنعته أمريكا بالعراق من احتلال وتقسيم أمرًا مفاجئًا جاء وليد الأحداث التي أنتجته، وما يحدث الآن في جنوب السودان له دوافع وأسباب، ولكن الحقيقة الكبرى أنهم نسوا أن ما يحدث الآن هو تحقيق وتنفيذ للمخطط الصهيونى الاستعماري للعالم الموضوع عام خططته وصاغته وأعلنته الصهيونية بمساعدة أمريكا والغرب لتفتيت العالم العربى ، وتجزئته وتحويله إلى عام 1948 يقسم فيه للكيان الصهيوني (السيد المطاع)، وذلك منذ إنشاء هذا الكيان الصهيوني على أرض فلسطين
وعندما ننشر هذه الوثيقة
فإننا نهدف إلى تعريف المسلمين والمسيحين بالمخطط الخطير خاصة للشباب الذين هم عماد الامة
والذين يتعرضوا بصفة مستمرة لأكبر عملية يقوم بها فريق يعمل بدأب على عقولهم ؛ لخدمة عملية ( غسيل المخ )
المشروع الصهيوني الأمريكي لوصم تلك المخططات بأنها مجرد “نظرية مؤامرة” رغم ما نراه رأي العين ماثلاً أمامنا من حقائق في فلسطين والعراق والسودان وأفغانستان، والبقية آتية لا ريب إذا غفلنا.

وحتى لا ننسى ما حدث لنا وما يحدث الآن وما سوف يحدث في المستقبل، فيكون دافعًا لنا على العمل والحركة؛ لوقف الطوفان القادم.

برنارد لويس صورة

برنارد لويس
“برنارد لويس” من هو؟
* العراب الصهيوني.
* أعدى أعداء الإسلام على وجه الأرض.
* حيي بن أخطب العصر الحديث، والذي قاد الحملة ضد الإسلام ونبي الإسلام، وخرج بوفد يهود المدينة؛ ليحرض الجزيرة العربية كلها على قتال المسلمين والتخلص من رسولهم.

* صاحب أخطر مشروع في هذا القرن لتفتيت العالم العربي والإسلامي من باكستان إلى المغرب، والذي نشرته مجلة وزارة الدفاع الأمريكية.

ولد “برنارد لويس” في لندن عام 1916م، وهو مستشرق بريطاني الأصل، يهودي الديانة، صهيوني الانتماء، أمريكي الجنسية.

تخرَّج في جامعة لندن 1936م، وعمل فيها مدرس في قسم التاريخ للدراسات الشرقية الإفريقية،

كتب “لويس” كثيرًا، وتداخل في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ حيث اعتبر مرجعًا فيه، فكتب عن كلِّ ما يسيء للتاريخ الإسلامي متعمدًا، فكتب عن الحشاشين، وأصول الإسماعيلية، والناطقة، والقرامطة، وكتب في التاريخ الحديث نازعًا النزعة الصهيونية التي يصرح بها ويؤكدها.

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” مقالاً قالت فيه:
إن برنارد لويس “90 عامًا” المؤرخ البارز للشرق الأوسط وقد وَفَّرَ الكثير من الذخيرة الإيدلوجية لإدارة بوش في قضايا الشرق الأوسط والحرب على الإرهاب؛ حتى إنه يُعتبر بحقٍّ منظرًا لسياسة التدخل والهيمنة الأمريكية في المنطقة.

العالم نفس الصحيفة إن لويس قدَّم تأيدًا واضحًا للحملات الصليبية الفاشلة، أن الحملات الصليبية بالرغم عن بشاعتها كانت رغم ذلك ردًّا مفهومًا على الهجوم الإسلامي خلال القرون السابقة، وأوضح قائلا وأنه من السخف الاعتذار عنها.

رغم أن أن مصطلح “صدام الحضارات” يرتبط بالمفكر المحافظ “صموئيل هنتينجتون” فإن “لويس” هو مَن قدَّم التعبير أولاً إلى الخطاب العام، ففي كتاب “هنتينجتون” الصادر في 1996م يشير المؤلف إلى فقرة رئيسية في مقال كتبها “لويس” عام 1990م بعنوان جذور الغضب الإسلامي، قال فيها: “هذا ليس أقل من صراع بين الحضارات، ربما تكون غير منطقية، لكنها بالتأكيد رد فعل تاريخي منافس قديم لتراثنا اليهودي والمسيحي، وحاضرنا العلماني، والتوسع العالمي لكليهما”.

طوَّر “لويس” روابطه الوثيقة بالمعسكر السياسي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة منذ سبعينيات القرن العشرين؛ حيث يشير “جريشت” من معهد العمل الأمريكي إلى أن لويس ظلَّ طوال سنوات “رجل الشئون العامة”، كما كان مستشارًا لإدارتي بوش الأب والابن.

في 1 /5 /2006م ألقى “ديك تشيني” نائب الرئيس “بوش الابن” خطابًا يكرِّم فيه “لويس” في مجلس الشئون العالمية في فيلادلفيا؛ حيث ذكر “تشيني” أن لويس قد جاء إلى واشنطن ليكون مستشارًا لوزير الدفاع لشئون الشرق الأوسط.

لويس الأستاذ المتقاعد بجامعة “برنستون” ألَّف 20 كتابًا عن الشرق الأوسط من بينها “العرب في التاريخ” و “الصدام بين الإسلام والحداثة في الشرق الأوسط الحديث” و”أزمة الإسلام” و”حرب مندسة وإرهاب غير مقدس”.

لم يقف دور برنارد لويس عند استنفار القيادة في القارتين الأمريكية والأوروبية، وإنما تعدَّاه إلى القيام بدور العراب الصهيوني الذي صاغ للمحافظين الجدد في إدارة الرئيس بوش الابن إستراتيجيتهم في العداء الشديد للإسلام والمسلمين، وقد شارك لويس في وضع إستراتيجية الغزو الأمريكي للعراق؛ حيث ذكرت الصحيفة الأمريكية أن “لويس” كان مع الرئيس بوش الابن ونائبه تشيني، خلال اختفاء الاثنين على إثر حادثة ارتطام الطائرة بالمركز الاقتصادي العالمي، وخلال هذه الاجتماعات ابتدع لويس للغزو مبرراته وأهدافه التي ضمَّنها في مقولات “صراع الحضارات” و”الإرهاب الإسلامي”.

مقابلة أجرتها وكالة الإعلام مع “لويس” في 20/5/2005م قال الآتي بالنص إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تُرِكوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمِّر الحضارات، وتقوِّض المجتمعات، ولذلك فإن الحلَّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية، وفي حال قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة؛ لتجنُّب الأخطاء والمواقف السلبية التي اقترفتها الدولتان، إنه العربية والإسلامية من الضروري إعادة تقسيم الأقطار إلى وحدات عشائرية وطائفية ولا داعي لمراعاة خواطرهم فى ذلك

التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم أو تدمير حضارتنا ويجب أن يكون شعار أمريكا في إما أن نضعهم تحت سيادتنا، أو ندعهم ليدمروا حضارتنا، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية، وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع أن تقدم أمريكا بالضغط على قيادتهم الإسلامية- دون مجاملة ولا لين ولا هوادة- ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة، ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها، واستثمار التناقضات العرقية، والعصبيات القبلية والطائفية فيها، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمر الحضارة فيها”.

انتقد “لويس” محاولات الحل السلمي، وانتقد الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان، واصفًا هذا الانسحاب بأنه عمل متسرِّع ولا مبرر له، فالكيان الصهيوني يمثل الخطوط الأمامية للحضارة الغربية، وهي تقف أمام الحقد الإسلامي الزائف نحو الغرب الأوروبي والأمريكي، ولذلك فإن على الأمم الغربية أن تقف في وجه هذا الخطر البربري دون تلكُّؤ أو قصور، ولا داعي لاعتبارات الرأي العام العالمي، وعندما دعت أمريكا عام 2007م إلى مؤتمر “أنابوليس” للسلام كتب لويس في صحيفة “وول ستريت” يقول:

“يجب ألا ننظر إلى هذا المؤتمر ونتائجه إلا باعتباره مجرد تكتيك موقوت، غايته تعزيز التحالف ضد الخطر الإيراني، وتسهيل تفكيك الدول العربية والإسلامية، ودفع الأتراك والأكراد والعرب والفلسطينيين والإيرانيين ليقاتل بعضهم بعضًا، كما فعلت أمريكا مع الهنود الحمر من قبل”.

“بريجنسكي” مستشار الأمن القومي الأمريكي

بريجسكي
مشروع برنارد لويس لتقسيم الدول العربية والإسلامية، والذي اعتمدته الولايات المتحدة لسياستها المستقبلية:

1- في عام 1980م والحرب العراقية الإيرانية مستعرة صرح مستشار الأمن القومي الأمريكي “بريجنسكي” بقوله: “إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980م) هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران تستطيع أمريكا من خلالها تصحيح حدود “سايكس- بيكو”.

2- عقب إطلاق هذا التصريح وبتكليف من وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” بدأ المؤرخ الصهيوني المتأمرك “برنارد لويس” بوضع مشروعه الشهير الخاص بتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية جميعًا كلا على حدة، ومنها العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وإيران وتركيا وأفغانستان وباكستان والسعودية ودول الخليج ودول الشمال الإفريقي.. إلخ، وتفتيت كل منها إلى مجموعة من الكانتونات والدويلات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وقد أرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة تحت إشرافه تشمل جميع الدول العربية والإسلامية المرشحة للتفتيت بوحي من مضمون تصريح “بريجنسكي” مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس “جيمي”.

جيمي كارتر- الرئيس الأسبق لأمريكا

جيمي كارتر

“كارتر” الخاص بتسعير حرب خليجية ثانية تستطيع الولايات المتحدة من خلالها تصحيح حدود سايكس بيكو بحيث يكون هذا التصحيح متسقا مع الصالح الصهيو أمريكي.

3- في عام 1983م وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع الدكتور “برنارد لويس”، وبذلك تمَّ تقنين هذا المشروع واعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية الإستراتيجية لسنوات مقبلة.

تفاصيل المشروع الصهيوأمريكي لتفتيت العالم الإسلامي “لبرنارد لويس”

خريطة مصر والسودان
مصر والسودان
1- مصر
4 دويلات
1- سيناء وشرق الدلتا:
“تحت النفوذ اليهودي” (ليتحقق حلم اليهود من النيل إلى الفرات).
2- الدولة النصرانية:
* عاصمتها الإسكندرية.
* ممتدة من جنوب بني سويف حتى جنوب أسيوط واتسعت غربًا لتضم الفيوم وتمتد في خط صحراوي عبر وادي النطرون ليربط هذه المنطقة بالإسكندرية.

* وقد اتسعت لتضم أيضًا جزءًا من المنطقة الساحلية الممتدة حتى مرسى مطروح.

3- دولة النوبة:
* المتكاملة مع الأراضي الشمالية السودانية.
* عاصمتها أسوان.
* تربط الجزء الجنوبي الممتد من صعيد مصر حتى شمال السودان باسم بلاد النوبة بمنطقة الصحراء الكبرى لتلتحم مع دولة البربر التي سوف تمتد من جنوب المغرب حتى البحر الأحمر.

4- مصر الإسلامية:
* عاصمتها القاهرة.
* الجزء المتبقي من مصر.
* يراد لها أن تكون أيضًا تحت النفوذ الإسرائيلي (حيث تدخل في نطاق إسرائيل الكبرى التي يطمع اليهود في إنشائها).

2- السودان
انظر الخريطة السابقة (خريطة تقسيم مصر والسودان).
4 دويلات
1- دويلة النوبة: المتكاملة مع دويلة النوبة في الأراضي المصرية التي عاصمتها أسوان.

2- دويلة الشمال السوداني الإسلامي:

3- دويلة الجنوب السوداني المسيحي: وهي التي سوف تعلن انفصالها في الاستفتاء المزمع عمله ليكون أول فصل رسمي طبقًا للمخطط.

4- دارفور: والمؤامرات مستمرة لفصلها عن السودان بعد الجنوب مباشرة حيث إنها غنية باليورانيوم والذهب والبترول.

3- دول الشمال الإفريقي

حريطة شمال أفريقيا
تفكيك ليبيا والجزائر والمغرب بهدف إقامة:

1- دولة البربر: على امتداد دويلة النوبة بمصر والسودان.

2- دويلة البوليساريو.

3- الباقي دويلات المغرب والجزائر وتونس وليبيا.

4- شبه الجزيرة العربية (والخليج)

خريطة شبه الجزيرة العربية والخليج
– إلغاء الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان واليمن والإمارات العربية من الخارطة ومحو وجودها الدستوري بحيث تتضمن شبه الجزيرة والخليج ثلاث دويلات فقط.

1- دويلة الإحساء الشيعية: (وتضم الكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين).

2- دويلة نجد السنية.
3- دويلة الحجاز السنية.

5- العراق
تفكيك العراق على أسس عرقية ودينية ومذهبية على النحو الذي حدث في سوريا في عهد العثمانيين.

3 دويلات
1- دويلة شيعية في الجنوب حول البصرة.
2- دويلة سنية في وسط العراق حول بغداد.
3- دويلة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل (كردستان) تقوم على أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية والسوفيتية (سابقًا).

خريطة سوريا العراق
ملاحظة:(صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي كشرط انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 29/9/2007 على تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات المذكور أعلاه وطالب مسعود برزاني بعمل استفتاء لتقرير مصير إقليم كردستان العراق واعتبار عاصمته محافظة (كركوك) الغنية بالنفط محافظة كردية ونال مباركة عراقية وأمريكية في أكتوبر 2010 والمعروف أن دستور “بريمر” وحلفائه من العراقيين قد أقر الفيدرالية التي تشمل الدويلات الثلاث على أسس طائفية: شيعية في (الجنوب)/ سنية في (الوسط)/ كردية في (الشمال)، عقب احتلال العراق في مارس-أبريل 2003).

6- سوريا
انظر الخريطة السابقة (خريطة تقسيم سوريا والعراق)
تقسيمها إلى أقاليم متمايزة عرقيًّا أو دينيًّا أو مذهبيًّا

4- دويلات
1- دولة علوية شيعية (على امتداد الشاطئ).
2- دولة سنية في منطقة حلب.
3- دولة سنية حول دمشق.
4- دولة الدروز في الجولان ولبنان (الأراضي الجنوبية السورية وشرق الأردن والأراضي اللبنانية).

7- لبنان

خريطة لبنان
تقسيم لبنان إلى ثمانية كانتونات عرقية ومذهبية ودينية:

1- دويلة سنية في الشمال (عاصمتها طرابلس).
2- دويلة مارونية شمالاً (عاصمتها جونيه).
3- دويلة سهل البقاع العلوية (عاصمتها بعلبك) خاضعة للنفوذ السوري شرق لبنان.
4- بيروت الدولية (المدوّلة)
5- كانتون فلسطيني حول صيدا وحتى نهر الليطاني تسيطر عليه منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)

6- كانتون كتائبي في الجنوب والتي تشمل مسيحيين ونصف مليون من الشيعة.

7- دويلة درزية (في أجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية المحتلة).

8- كانتون مسيحي تحت النفوذ الإسرائيلي.

تقسيم إيران وباكستان وأفغانستان
8- إيران وباكستان وأفغانستان
تقسيمها إلى عشرة كيانات عرقية ضعيفة:
1- كردستان.
2- أذربيجان.
3- تركستان.
4- عربستان.
5- إيرانستان (ما بقي من إيران بعد التقسيم).
6- بوخونستان.
7- بلونستان.
8- أفغانستان (ما بقي منها بعد التقسيم).
9- باكستان (ما بقي منها بعد التقسيم).
10- كشمير.
9- تركيا
انتزاع جزء منها وضمه للدولة الكردية المزمع إقامتها في العراق.
10- الأردن
تصفية الأردن ونقل السلطة للفلسطينيين.
11- فلسطين

خريطة إسرائيل الكبرى
ابتلاعها بالكامل وهدم مقوماتها وإبادة شعبها.
خريطة إسرائيل الكبرى
خريطة إسرائيل الكبرى
12- اليمن
إزالة الكيان الدستوري الحالي للدولة اليمنية بشطريها الجنوبي والشمالي واعتبار مجمل أراضيها جزءًا من دويلة الحجاز.
—————————–
* اتفاقية سايكس- بيكو 1916 وفيها تم اقتسام ما تبقى من المشرق العربي عقب الحرب العالمية الأولى بين إنجلترا وفرنسا والذي أعقبها وعد بلفور 1947 لليهود في فلسطين
* جيمي كارتر حَكَمَ أمريكا منذ (1977- 1981) وفي عهده تم وضع مشروع التفكيك، وهو قس داهية يعتمد السياسة الناعمة وهو الآن يجوب الدول العربية والإسلامية بحجة تحقيق الديمقراطية ونشر السلام في المنطقة!!!

آندرو جافن مارشال——البنية الإمبريالية لـــ “القاعدة” (2) القاعدة وموارد الطاقة والإمبريالية: شبكة الإرهاب الأنكلو-أمريكية

المميز

نهاية الحرب الباردة واستراتيجية النظام الدولي الجديد:

مع نهاية الحرب الباردة كان لابد من وضع استراتيجية جديدة لإدارة النظام العالمي. وبرزت مع انهيار الاتحاد السوفييتي إلى المقدمة إعلانات عن “نظام عالمي جديد” محور تركيزها الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم. وطرح هذا الأمر عدداً كبيرا من التحديات الكبرى، مثلما طرح فرصة هيمنة أعظم على العالم أيضاً.
مع انهيار الاتحاد السوفييتي تشكلت عدة أمم في آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية وأصبحت مستقلة. وترافق مع هذا أن أصبحت ثرواتها الطبيعية الهائلة من غاز ومصادر طاقة أخرى جاهزة للاستغلال. أفغانستان ذاتها كانت تعد “محوراً استراتيجياً كبيراً” لكونها “البوابة الرئيسية إلى آسيا الوسطى وما تختزنه أراضيها من مصادر طاقة”(1).
وبدأت شركات النفط الغربية أمثال اكسون موبل، وتكساكو، وآنوكال، وبرتش بترليوم- آموكو، وشل، وإنرون، بصب بلايين الدولارات في بلدان آسيا الوسطى مع مطلع تسعينات القرن العشرين(2).
في العام 1992 تسربت إلى الصحافة وثيقة من وثائق وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) عنوانها “مرشد للتخطيط الدفاعي” . تصف هذه الوثيقة ما يجب أن تكون عليه استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في “النظام العالمي الجديد” . كان واضعها هو “ديك تشيني” وزير دفاع جورج هـ. دبليو. بوش، وتنص هذه الوثيقة على “أن رسالة أمريكا السياسية والعسكرية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ستكون ضمان عدم السماح بظهور قوة عظمى منافسة في أوروبا الغربية أو آسيا أو في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق” . وتصف الوثيقة التي يحظر نشرها “وضعية عالم تهيمن عليه قوة عظمى وحيدة يمكن أن يتعزز موقعها ويدوم بسلوك بنّاء وقدرة عسكرية كافية لردع أية أمة أو جماعة من الأمم ومنعها من تحدي اليد الأمريكية العليا”(3).
أكثر من ذلك، تضع المسودة الجديدة مخططاً لعالم توجد فيه قوة عسكرية واحدة مهيمنة ” يجب أن يحتفظ قادتها بآليات تردع حتى طموح المنافسين المحتملين إلى دور إقليمي أو دولي أوسع” . وتفترض الوثيقة، من بين ما تفترضه من تحديات ضرورية للسطوة الأمريكية، ” حروباً إقليمية تشن ضد العراق وكوريا الشمالية” ، وتعرّف الصين وروسيا بوصفهما أكبر تهديد لهذه السطوة، وتقترح إضافة إلى هذا”إمكانية أن تأخذ الولايات المتحدة في اعتبارها توسيع مدى التزامها بأمن أمم أوروبا الشرقية ووسطها يماثل تلك الالتزامات بأمن العربية السعودية والكويت والدول العربية الأخرى على ساحل الخليج الفارسي”(4).
وعلى النحو نفسه، أنشأ “وقف كارنيجي للسلام الدولي” ، وهو واحد من أكثر مراكز الأبحاث نفوذاً في الولايات المتحدة، لجنة في العام 1992 لتحديد سياسة خارجية جديدة للولايات المتحدة في أعقاب الحرب الباردة. وكان من بين أعضاء هذه اللجنة، مادلين اولبرايت، وهنري سيسيزوس، وجون دويتش، ورتشارد هولبروك، وآليس رفلن، وديفيد جيرجن، والأدميرال وليم كراو.
نشر تقرير هذه اللجنة النهائي في صيف العام 1992 تحت عنوان” تغيير طرائقنا: أمريكا والعالم الجديد” ، وحث على اعتماد “مبدأ جديد في العلاقات الدولية؛ مبدأ أن تدمير وإبعاد جماعات بشرية في دولة من الدول يمكن أن يبرّر التدخل الدولي” . واقترح التقرير على الولايات المتحدة أن تتعامل مع المشاكل الأمنية الجديدة في اوروبا بوساطة ذراعيها، حلف الناتو ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وحث على “التدخل تحت أقنعة إنسانية” .
وتبعاً لذلك، هذا التقرير هو الذي “زرع بذور حرب كوسوفو” حيث “وفر أسباب التدخل الأمريكي والتوصية السياسية حول أفضل الوسائل(حلف الناتو) لشن تلك الحرب”(5).
وفي السنة نفسها، وسع تقرير آخر لوقف كارنيجي، عنوانه “تقرير المصير في النظام العالمي الجديد” ، أهداف أمريكا الاستعمارية بأن وضع “معياراً بيد المسؤولين يستخدمونه في تقرير متى يدعمون الجماعات العرقية الانفصالية الساعية إلى الاستقلال، وفي الدفاع عن استخدام القوة العسكرية لهذا الغرض” ، وأوصى بأن “الأحلاف العسكرية، ويفضل أن تكون بقيادة الأمم المتحدة، يمكنها إرسال قوة مسلحة، ليس كقوات حفظ سلام، بل كقوات تصنع السلام، لمنع انفجار النزاع وحصره في مكانه بلا حدود” . ونص التقرير أيضاً على “أن استخدام القوة العسكرية لخلق دولة جديدة سيتطلب سلوكاً بالغ الفظاعة من الدولة المستهدفة بالتدخل بحيث تفقد أي حق في حكم الأقلية المطالبة بتقرير المصير”(6).
وسرعان ما شرعت الولايات المتحدة، وحلفائها في حلف الناتو، بتنفيذ إستراتيجية جديدة، ساعين إلى الحفاظ على الهيمنة على العالم، فوسعوا سيطرتهم على مناطق كانت سابقا تحت نفوذ الاتحاد السوفييتي (مثل تلك التي في شرقي أوروبا وآسيا الوسطى)، ومنعوا بروز روسيا أو صين نشطة، وكانت إحدى الواجهات الأساسية لهذه الاستراتيجية فكرة “التدخل الإنساني” .

التخطيط لتفكيك يوغوسلافيا:
في تسعينات القرن العشرين شرعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو، وبخاصة بريطانيا وألمانيا، بتنفيذ إستراتيجية زعزعة استقرار يوغوسلافيا، سعياً إلى تفكيك وتجزئة هذا البلد في نهاية المطاف. ومن أجل تحقيق هذا، طبقت إستراتيجية التقسيم والغزو بالتلاعب بمختلف التوترات العرقية وتسليح ودعم مختلف الميليشيات والمنظمات الإرهابية. وخلال تطبيق هذه الإستراتيجية استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها “قاعدة البيانات” أو “القاعدة” لتعزيز أجندة زعزعة الاستقرار وتفكيك يوغوسلافيا.
في العام 1983 سعت يوغوسلافيا للحصول على مساعدة مالية من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فاشترط هذان تطبيق “برنامج تعديلات بنيوية” (SAP ). ونتج عن تطبيق هذا البرنامج تفكيك الدولة المدنية وتفاقم المشكلات الاجتماعية وتغذية الميول الانفصالية، وهو ما قاد كرواتيا وسلوفينيا إلى الانسحاب من الجمهورية في العام 1991 (7). وكانت أوساط المخابرات الأمريكية قد أصدرت في العام 1990 تقريراً يتنبأ بأن يوغوسلافيا سوف تتشظى وتندلع فيها حرب أهلية، وألقى التقرير باللوم على الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش واتهمه بأنه سيكون سبب هذه الكارثة الوشيكة الحدوث(8).
وبالعودة إلى العام 1988، نجد أن زعيم كرواتيا التقى بالمستشار الألماني هيلموت كول لخلق “سياسة مشتركة من أجل تفتيت يوغوسلافيا” وجلب سلوفينيا وكرواتيا إلى “منطقة اقتصادية المانية” . وتم إرسال ضباط أمريكيين إلى كرواتيا والبوسنة وألبانيا ومقدونيا بصفة مستشارين، وجلب هؤلاء معهم قوات أمريكية خاصة للمساعدة(9).
واندلع القتال بين يوغوسلافيا وكرواتيا حين أعلنت الأخيرة الاستقلال في العام 1991. واستمر القتال حتى العام 1995، وامتزج في جزء منه بحرب البوسنة. ودعمت الولايات المتحدة العملية، ووفرت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية مساعدة مخابراتية فعالة للقوات الكرواتية، وهو ما أدى إلى نزوح ما بين 150 ألف و 200 ألف صربي بسبب وسائل القتل والنهب وإحراق القرى والتطهير العرقي على نطاق واسع(10). وكان الجيش الكرواتي تدرب على يد المستشارين الأمريكيين، وأحد الجنرالات الذي تمت محاكمته في لاهاي لاحقا بتهمة ارتكاب جرائم حرب كانت المخابرات المركزية الأمريكية تدعمه شخصياً(11). ومن هنا نرى استخدام المعيار المزدوج في التطهير العرقي والإبادة الجماعية؛ فحين ترتكبهما الولايات المتحدة، أو تساند من يرتكبهما، يسميان “تدخلا إنسانيا” ويبرران سياسياً، أو لا يُعترف بحدوثهما بكل بساطة، ولكن حين ترتكبهما دولة عدوة(أو تتهم بارتكابهما) يُطالب “المجتمع الدولي” بالتحرك واستخدام كل وسيلة توصف بأنها ضرورية، بما في ذلك ارتكاب إبادة جماعية، لمنع “الإبادة الجماعية” !
حكومة بيل كلينتون أعطت الضوء الأخضر لتسليح مسلمي البوسنة. ومن “العام 1992 وحتى يناير 1996 كان هناك تيار من السلاح والمستشارين يتدفق على البوسنة”، إضافة إلى أن “بعض الدول الاسلامية ساعدت على إدخال “المجاهدين” إلى البوسنة ليقاتلوا مع المسلمين ضد الصرب، وجاءت بهم من أفغانستان والشيشان واليمن والجزائر، وبعضهم على علاقة بمخيمات بن لادن للتدريب في افغانستان(12).
وخلال الحرب في البوسنة، جرت قناة واسعة لتهريب السلاح عبر كرواتيا، وقامت على تنظيم هذه القناة أجهزة المخابرات الأمريكية والتركية مع منظومة جماعات إسلامية متطرفة، بما في ذلك مجاهدو أفغانستان” . أكثر من ذلك، كانت المخابرات السرية الأوكرانية واليونانية والإسرائيلية منهمكة بتسليح صرب البوسنة”(14). وهكذا كانت القوى الخارجية تمول وتسلح كل الأطراف سعياً وراء تأجيج النزاع وتحطيم يوغوسلافيا في المطاف النهائي خدمة لأهدافهم الاستعمارية في المنطقة.
في العام 1992 جعل مركز التجنيد لــ”القاعدة” في بروكلين المسمى “مركز الكفاح” ، من البوسنة هدفه الرئيس. وفي العام 1993 افتتح فرعاً له في كرواتيا. ولم تكن عملية التجنيد من أجل مسلمي البوسنة “مشروع عمل سري ترعاه العربية السعودية فقط، بل وساهمت الولايات المتحدة الأمريكية في رعاية جزء منه”(15).
في العام 1996 سيطرت المافيا الألبانية، وهي منظمة عصابات، بالتعاون مع “جيش تحرير كوسوفو” (KLA)، على ممرات تجارة تهريب الهيروين في البلقان. وكان جيش تحرير كوسوفو هذا ذا صلة بالمجاهدين الأفغان السابقين في أفغانستان، بمن فيهم أسامة ابن لادن.(16).
في العام 1997 بدأ جيش تحرير كوسوفو القتال ضد القوات الصربية (17)، وفي العام 1998، رفعت وزارة الخارجية الأمريكية هذا الجيش من قائمتها للمنظمات الإرهابية(18). وكان هذا الجيش، قبل وبعد العام 1998، يتلقى التدريب والسلاح والدعم من الولايات المتحدة وحلف الناتو، وكانت وزيرة خارجية كلينتون، مادلين أولبرايت، على علاقة وثيقة بزعيم هذا الجيش هاشم طاشي(19). ودعم كلا الجهازين، المخابرات الأمريكية والألمانية، إرهابي جيش تحرير كوسوفو في يوغوسلافيا، قبل وبعد قيام حلف الناتو بقصف يوغوسلافيا في العام 1999. وللمخابرات الألمانية صلات بهذا الجيش منذ أوائل التسعينات، وهي الفترة نفسها التي كان فيها هذا الجيش ينشئ علاقاته بــ”القاعدة”(20). وتلقى نتيجتها إرهابيو هذا الجيش التدريب في معسكرات ابن لادن في أفغانستان. بل وحتى الأمم المتحدة صرحت بأن الجزء الأكبر من العنف أرتكب على يد أفراد من هذا الجيش “وبخاصة أولئك المتحالفين مع هاشم طاشي”(21).
وفي مارس من العام 1999 تم تبرير قصف الناتو ليوغوسلافيا بذريعة وضع حد للقمع الصربي لألبان كوسوفو، ذلك الذي أطلق عليه الغرب تسمية إبادة جماعية. وزعمت حكومة كلينتون بأنه فُقد 100 الف ألباني كوسوفي على الأقل، وربما “قتلوا” على يد الصرب. وقارن بيل كلينتون شخصياً بين أحداث كوسوفو والهولوكوست. وعبرتْ وزارة الخارجية الأمريكية عن خشيتها من أن يكون ما يقارب 500 ألف ألباني قد قتلوا. وفي النهاية تقلص التقدير الرسمي إلى رقم 10 آلاف. ولكن بعد تحقيقات مكثفة وواقعية كشف عن أن أقل من 2500 ألباني يمكن نسبة موتهم إلى الصرب. بينما قتل قصف حلف الناتو ما بين 400 إى 1500 مدني صربي، وارتكب هذا الحلف جرائم حرب ، بما في ذلك قصف محطة تلفزيون صربية ومستشفى.(22).
في نهاية الأمر، خدمت إستراتيجية زعزعة استقرار يوغوسلافيا عدة أهداف استعمارية؛ لقد شنت الحرب في يوغوسلافيا ليتوسع حلف الناتو، وكان يجب إقصاء “صربيا” إقصاء دائماً عن مسار التطور الأوروبي لتبرير وجود عسكري أمريكي في المنطقة، وتم التخطيط لهذا التوسع بهدف احتواء روسيا في نهاية المطاف(23).
جاء في مقال افتتاحي لصحيفة نيويورك تايمز في العام 1996 أنه “بدلا من رؤية البوسنة كحدود شرقية للناتو، علينا النظر إلى منطقة البلقان بوصفها الحدود الغربية لفضاء النفوذ الأمريكي المتوسع بسرعة كبيرة في الشرق الأوسط” . ويضيف المقال:
“تعكس واقعة أن الولايات المتحدة أكثر حماساً من حلفائها الأوروبيين لقضية دولة بوسنية إسلامية، من بين ما تعكسه من أشياء أخرى، الدور الأمريكي الجديد بوصف الولايات المتحدة قائد تجمع أمم إسلامية غير رسمي يمتد من الخليج الفارسي وصولا إلى البلقان. وتبدي هذه المنطقة، التي حكمها الأتراك العثمانيون ذات يوم، إشارات إلى أنها ستصبح قلب الإمبراطورية الأمريكية الثالثة. والآن، وبعد سنوات من انتهاء الحرب الباردة، تتسيد الولايات المتحدة مرة أخرى فوق إمبراطورية خصم سابق. إن تفكك الاتحاد السوفييتي حض الولايات المتحدة على توسيع منطقة هيمنتها العسكرية في أوروبا الشرقية (بوساطة الناتو)، وفي يوغوسلافيا الطبيعية سابقاً. والأكثر أهمية من كل هذا، ان نهاية الحرب الباردة أتاحت للولايات المتحدة تعميق تدخلها في قضايا الشرق الأوسط (24). يضاف إلى هذا، أنه مع تفكك يوغوسلافيا، أصبح ممر نقل النفط والغاز الطبيعي من منطقة بحر قزوين ميّسراً بإنشاء خط أنابيب عابر للبلقان، وسيمتد هذا الخط من ميناء بورغاس على البحر الأسود إلى ميناء فلوري على البحر الإدرياتيكي، عابرا بلغاريا ومقدونيا وألبانيا. ومن المحتمل أن يصبح هذا الخط المسار الرئيسي للنفط والغاز، المستخرجين الآن في بلدان آسيا الوسطى، نحو الغرب. وسيحمل 750 ألف برميل يومياً بقيمة 600 مليون دولار شهرياً حسب الأسعار الجارية. هذا المشروع كما جاء في “الجارديان” البريطانية” :
“ضروري وفقاً لورقة نشرتها وكالة التجارة والتنمية الأمريكية في أواخر شهر مايو، لأن النفط القادم من بحر قزوين “سيتخطى بسرعة طاقة خط الشحن عبر البوسفور” ، وتلاحظ الوكالة أن المخطط سيوفر “مورداً ثابتاً من النفط الخام للمصافي الأمريكية” ، و “سيوفر للشركات الأمريكية دوراً محورياً في تنمية هذا الممر الشرقي/الغربي الحيوي” ، و”سيدفع إلى الأمام طموحات الحكومة الأمريكية في المنطقة لنقل المشروعات من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة” ، و”يسهل إحداث تكامل سريع بين دول البلقان وأوروبا الغربية” .
في شهر نوفمبر من العام 1998، أعلن بل رتشاردسون، وزير الطاقة الأمريكي آنذاك، الأهداف السياسية من وراء استخراج ونقل نفط بحر قزوين بالقول ” إن الأمر يتعلق بأمن الطاقة الأمريكي” ، وأوضح ” ويتعلق الأمر أيضاً بمنع الاعتداءات الإستراتيجية من قبل أولئك الذين لا يشاركوننا قيمنا. نحن نحاول نقل هذه البلدان المستقلة حديثاً باتجاه الغرب، ونود رؤيتها تعتمد على مصالح الغرب التجارية والسياسية بدلا من الذهاب في طريق آخر. لقد وضعنا استثماراً سياسيا جوهرياً في قزوين، وأهمية هذا الاستثمار البالغة بالنسبة لنا، ان خريطة أنابيب النفط والغاز وخريطة السياسة تسيران معاً في الاتجاه الصحيح”(25).
مشروع هذا الخط وجد دعماً منذ العام 1994، وبرزت ملامحه دائماً في سياسة حروب البلقان. في 9 ديسمبر 1998، ربط الرئيس الألباني، خلال حضوره لقاءً حول خريطة هذا الخط، ربطاً حتمياً بينه وبين كوسوفو. كانت رسالته التي أرسلت خلال هذا اللقاء إلى الأمريكيين واضحة :”إذا أردتم قبول الألبان بمرور هذا الخط العابر للبلقان فمن الأفضل لكم انتزاع كوسوفو من أيدي الصرب” (26).
وهكذا، بمساعدة شبكة دولية من المليشيات الإسلامية دربتها المخابرات الأمريكية، توسعت الهيمنة الأمريكية السياسية والاقتصادية في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين.

انتشار “القاعدة”
لم تتمدد “القاعدة” إلى البوسنة وكوسوفو فقط، بل شهدت مناطق عديدة في العالم تمدد “قاعدة بيانات” المقاتلين الإسلاميين هذه، ودائماً بمساندة وكالات المخابرات الغربية أو قنواتها الإقليمية (المخابرات الباكستانية والمخابرات السعودية على سبيل المثال). وأصبحت الأصولية الإسلامية، بعد إنشاء الاستراتيجية الأمريكية وتبعا لها استراتيجية حلف الناتو، تلعب دوراً في هذه الاستراتيجية.
ويعود تشكيل هذا الدور وتحديد مهماته إلى أواخر سبعينات القرن الماضي. وعلى يد جملة من ضباط المخابرات تم رسم هذا الدور. من هؤلاء برنارد لويس، ضابط الاستخبارات البريطاني السابق والمؤرخ، فهو صاحب التفسير الشائن الذي يعلل سخط العرب على الغرب، ليس بسبب كونه رد فعل على الاستعمار، بل بسبب كونه سخطا متجذراً في الإسلام. أي أن الإسلام يتعارض مع الغرب، وأن الإسلام والغرب مقدر لهما الصدام، مستخدماً مصطلح “صدام الحضارات” . ولعب برنارد لويس “طيلة عقود دوراً جوهرياً في نشر تعاليمه كأستاذ ومشرف ومعلم لجيلين من المستشرقين والأكاديميين ورجال مخابرات بريطانيين وأمريكيين، ولعاملين في مراكز الأبحاث وتشكيلة من المحافظين الجدد” . وفي ثمانينات القرن العشرين “كان لويس على علاقة حميمة بكبار موظفي وزارة الحرب الأمريكية” (27). وكان أيضاً، مع بريزنسكي، أحد واضعي إستراتيجية “قوس الأزمة” التي تم تطبيقها في أواخر سبعينات القرن الماضي.
لويس هذا، كتب مقالا في العام 1992 في مجلة “شؤون خارجية” ، وهي مجلة مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، عنوانه “إعادة التفكير بالشرق الأوسط” ، رسم فيه مشهد سياسة أخرى تجاه الشرق الأوسط عشية انتهاء الحرب الباردة وبدايات النظام الدولي الجديد. جاء في هذا المقال ” هذا النظام الدولي الجديد يمكن أن تعجل بظهوره حتى الأصولية المتطرفة التي شاعت تسميتها باسم “اللبننة”.. فمعظم دول الشرق الأوسط ( ومصر استثناء واضح) ذات بنى حديثة مصطنعة، وهي معرضة لعملية من هذا النوع. إذا تم إضعاف السلطة المركزية إضعافاً ملموساً، في ظل عدم وجود مجتمع مدني يمكنه الحفاظ على كيان الدولة، أو إحساس مشترك حقيقي بهوية وطنية، أو ولاء أعلى لدولة قومية، عندئذ ستتفكك الدولة كما حدث في لبنان، وستسود حالة من شجار فوضوي بين ضغائن وطوائف متناحرة وقبائل ومناطق وأطراف” (28).
ومن هنا تأتي إمكانية نشر “قاعدة بيانات” “القاعدة” دولياً لزعزعة استقرار مختلف الأقاليم، وبهذه يتم توفير مبرر للتدخل أو حتى الحرب. ما يحتاجه الأمر هو وضع رجال مخابرات فعالين في مواقع ملائمة ليسيطروا على مواقع قيادة أساسية داخل المنظمات الإرهابية. ولن يكون لدى الغالبية العظمى من قيادات هذه المنظمات العليا وكل ناشطي القاعدة تقريبا، وعي، أو ليس لهم أن يعوا، بأن المنظمة تستخدم سراً كذراع لسياسة الولايات المتحدة الجغرافية/السياسية.
في تسعينات القرن العشرين، بنى أسامة بن لادن قوة جوية خفية لدعم أنشطته الإرهابية، مستخدماً في ذلك الخطوط الجوية الأفغانية، وطائرة فائضة عن الحاجة للقوات الجوية الأمريكية، وتأجير وسائل نقل سراً، وأكثر من ذلك كما كشفت صحيفة لوس انجلوس تايمز:
” بمباركة من حركة طالبان اختطف بن لادن اختطافاً عملياً خطوط إريانا (شركة الطيران المدني الأفغانية). وطيلة أربع سنوات، حسب أقوال موظفي برنامج المساعدة الأمريكي وأفغان منفيين، نقلت رحلات طيران إيريانا الميليشيات الإسلامية والأسلحة والأموال والمخدرات عبر الإمارات العربية المتحدة وباكستان، وزود أعضاء شبكة بن لادن الإرهابية ببطاقات هوية زائفة بوصفهم موظفين في شركة إيريانا، مما وفر لهم حرية الحركة في الشرق الأوسط. وفتحت سلطات طالبان ممراتها الجوية أيضاً لكبار موظفي دول الخليج الفارسي الذين يطيرون إلى أفغانستان روتينيا من أجل رحلات صيد مسرفة، ويرافقهم أحياناً بن لادن وقادة من طالبان وشخصيات اجتماعية أخرى، وضمن ذلك موظفين كبار من السعودية والإمارات يتركون حين يغادرون المال والعربات والمعدات لدى مضيفيهم حسب التقارير الأمريكية والأفغانية”(29).
وفي العام 1992 استخدمت طائرة القوات الجوية الأمريكية التي اشتراها بن لادن سراً “في نقل قاعدة القاعدة إلى شرقي أفريقيا، حيث قاموا هناك بتدريب رجال القبائل الصومالية على مهاجمة قوات حفظ السلام الأمريكية” ، وساعد الأمريكيون “غفلة منهم” بن لادن “على تمويه الطائرة وإظهار أنها طائرة مدنية” . وكان رجال الأمن الأمريكيون على معرفة تامة بأن “القاعدة” تستخدم شركة الخطوط الجوية الأفغانية(30).
ومن بين كبار موظفي دول الخليج الفارسي الذين طاروا إلى أفغانستان “لرحلات الصيد” الأمير تركي الفيصل الذي أدار نشاط المخابرات السعودية حتى أغسطس من العام 2001″ محافظا بذلك على العلاقات بابن لادن وطالبان” . وأيضاً كان من بين فريق الصيد “الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي ووزير دفاع الإمارات” ، وفي عدة مناسبات خالط بن لادن والملا عمر زعيم طالبان الصيادين، ولدى رحيلهم “يترك الزائرون الأثرياء غالباً وراءهم أحدث سيارات النقل والتجهيزات” والتي كانت “إحدى طرق حصول طالبان على معداتها”(31).
ولكن ما لم يشر إليه المقال هو أن المخابرات الباكستانية (ISI)كانت الراعي الرئيس لطالبان، مع دعم وتسهيل كاملين من المخابرات المركزية الأمريكية. وأضافت العلاقة برئيس المخابرات السعودية قوة إلى أطروحة أن “نادي السفاري” الذي أنشأه رئيس المخابرات الفرنسية في العام 1976، قد يكون ظل قائماً كشبكة مخابرات سرية تضم وكالات المخابرات الغربية العاملة “عبر وكالات المخابرات الإقليمية مثل الباكستانية والسعودية” . في العام 2002 كشفت وكالة المخابرات الألمانية (BND) عن أن شركتين سعوديتين، ارتبطتا بتمويل “القاعدة” خلال تسعينات القرن العشرين، هما في الحقيقة وجهتان للمخابرات السعودية وعلى علاقة وثيقة برئيسها الأمير تركي الفيصل(32).
وبين العامين 1989 و 2001 قام بيلي ويغ، أحد مقاولي المخابرات المركزية الأمريكية، بتدريب عدد من نشطاء “القاعدة” في مختلف انحاء العالم(33).
وكُشف في العام 2002 أن “المخابرات البريطانية دفعت أموالا ضخمة إلى خلية من خلايا “القاعدة” في ليبيا في محاولة فاشلة لاغتيال العقيد القذافي في العام 1996، كما أفشلت هذه المخابرات محاولة مبكرة لجلب أسامة بن لادن إلى العدالة”. ففي العام 1998 أصدرت ليبيا مذكرة اعتقال بحق أسامة بن لادن، ومع ذلك:
“أخفت المخابرات البريطانية والأمريكية واقعة أن مذكرة اعتقال جاءت من ليبيا، وقللت كلتاهما من أهمية التهديد، وبعد خمسة أشهر من صدور مذكرة الاعتقال قتلت “القاعدة” أكثر من 200 شخص بتفجير شاحنة للسفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا”(34). ولكن “يمكن تفسير صد وكالات المخابرات الغربية للمخاوف الليبية والتهوين من شأنها، بمشاركة المخابرات البريطانية الخارجية في مؤامرة انقلاب “القاعدة” ، فهي التي منحت حق اللجوء السياسي لأحد زعماء “القاعدة” المسمى أنس الليبي، في بريطانيا، وعاش في ما نشستر حتى مايو 2000 حيث راوغ هجوم شرطة على منزله وتمكن من الفرار خارج بريطانيا”(35).
في أعقاب نهاية الحرب الباردة، أعيد توزيع الكثير من مقاتلي المجاهدين على مواقع متعددة، فأرسلوا إلى الشيشان الروسية غير المستقرة، حيث كان اثنان من زعماء المتمردين الشيشان قد تمولا وتدربا سابقاً على يد المخابرات المركزية الأمريكية في أفغانستان. وقد تم التخطيط للحرب في الشيشان في لقاء سري في العام 1996 حضره أسامة بن لادن وكبار مسؤولي المخابرات الباكستانية الذين تجاوز انخراطهم في الشيشان ” مد الشيشانين بالأسلحة والخبراء؛ لقد كانت المخابرات الباكستانية والوكلاء الإسلاميون المتطوعون هم من أطلق دعوة القتال في هذه الحرب”(36). أو بكلمات أخرى، كانت المخابرات الأمريكية توجه الحرب عبر المخابرات الباكستانية.
وجاء دعم الولايات المتحدة وبريطانيا للنزعة لانفصالية في الشيشان لكونها “تضعف روسيا، وتعمل على تقدم القوة الأمريكية في منطقة بحر قزوين الحيوية، وتشل أي منافس محتمل في المستقبل”(37)
وكان الرئيس الروسي السابق، ميخائيل غورباتشوف، صرح بأن البريطانيين كانوا يسلحون متمردي الشيشان(38).
والنفط أيضاً ظهرت ملامحه جلية في نزاع الشيشان، لأن الشيشان موطن احتياط نفطي كبير، وهي ممرات لمسار أنابيب النفط والغاز المتنافس عليها بين روسيا وشركات النفط الأنكلو-أمريكية. لهذه الأسباب دعم الأنكلو-أمريكيون الانفصاليين الشيشان، بينما أرسل إليها الروس قواتهم العسكرية(39). وساهمت المخابرات الأمريكية في تمويل ونقل “القاعدة” إلى الشيشان في أوائل تسعينات القرن العشرين، وظلت هذه المخابرات منخرطة في هذا العمل حتى نهاية ذلك العقد، نتيجة لرؤيتها بأن “الجهاد الإسلامي في القوقاز” هو طريقة “لحرمان روسيا من ممر خط أنابيب حيوي بوساطة حلقة عنف وإرهاب لا تتوقف عن الدوران”(40).

إستراتيجية الهيمنة العالمية في قرن جديد:
في أعقاب وضع الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو لأهدافهما الاستراتيجية من أجل توسيع هيمنتهما على العالم في أوائل تسعينات القرن العشرين، ومن أجل منع بروز منافسين (روسيا والصين)، وتوسيع منافذ المصالح الغربية الاقتصادية باتجاه بحر قزوين، رُسمت مخططاتٌ جديدة في أوساط أقوى مراكز الأبحاث نفوذا في الولايات المتحدة، كما وضع خطوطها العريضة العسكريون الاستراتيجيون من ذوي النفوذ. ووسعت الاستراتيجية المجددة مجرد توسيع مدى الاستراتيجية المعتمدة، ولم تختلف من حيث الهدف المصمم سابقاً، أي تطويق واحتواء روسيا والصين.
وأطلق أحد الأطراف، المحافظون الجدد، هدف التوسع عسكرياً في الشرق الأوسط، بداية من العراق، بينما وضع الصقور الواقعيون، أصحاب الخط المتصلب الراسخ من أمثال زبغنيو بريزنسكي، خطوط استراتيجية أكثر شمولا وأطول من حيث المدى الزمني للهيمنة العالمية تبدأ بالسيطرة كلياً على أوراسيا ( أوروبا وآسيا)، ولاحقاً على أفريقيا.
وشكل صقور المحافظين الجدد في مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية مركز أبحاث حمل اسم “مشروع من أجل القرن الأمريكي الجديد” (PNAC) في تسعينات القرن العشرين. ونشروا تقريرهم في العام 2000 تحت عنوان”إعادة بناء دفاعات أمريكا” الذي وضعوا فيه خطوط استراتيجية للولايات المتحدة في “القرن الجديد” . وعلى آثار منطلقات وثيقة “مرشد للتخطيط الدفاعي” (خلال حكومة بوش الأولى)، نص التقرير على أنه” يجب أن تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على قوى كافية قادرة على الانتشار السريع والانتصار في عدة حروب متزامنة على نطاق واسع” ، وهناك حاجة “للحفاظ على قوات معارك كافية للقتال والانتصار في مسرح عمليات حروب متعددة ومتزامنة تقريباً” وخلال ذلك “سيكون على البنتاغون (وزارة الحرب الأمريكية)، وبشكل مستقل، احتساب القوة الضرورية لحماية مصالح الولايات المتحدة في أوروبا وشرق آسيا والخليج دائماً”(41).
وأوصى التقرير “بإجراء تغيير” في نظام صدام حسين في العراق بوصفه “المبرر المباشر “للحضور الأمريكي في الخليج” ، ولكن ” الحاجة إلى حضور قوة أمريكية في الخليج تعلو على قضية نظام صدام حسين” .
ونص التقرير، دفاعاً عن زيادة كبرى في نفقات الدفاع (الحرب)، ورسم خطوط العمليات العسكرية ضد العراق وكوريا الشمالية وربما إيران، على أن “عملية التحول، حتى لو جلبت تغييراً ثورياً، فهناك بالإضافة إلى هذا، احتمال أن تكون هذه العملية طويلة في ظل غياب حدث كارثي وضخم مثل بيرل هاربر جديد”(42).
زبغنيو بريزنسكي وضع من جانبه الخطوط العريضة لإستراتيجية أمريكية طويلة الأمد للسيطرة على أوراسيا في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” ، وكتب بفظاظة “إن من الملحّ عدم ظهور أي متحدٍ أوراسي قادر على الهيمنة على أوراسيا، فضلا عن أن يتحدى أمريكا أيضاً”، ثم شرح بجلاء طبيعة إستراتيجيته الاستعمارية:
“لوضعها في مفردات لغة تعود بنا إلى عصر أكثر وحشية من عصور الإمبراطوريات القديمة، فإن القواعد الأساسية الثلاث الكبرى لإستراتيجية الجغرافية/السياسية الإمبريالية هي، منع ظهور تحالف بين التابعين والحفاظ على اعتمادهم الأمني علينا، وإبقاء دافعي الجزية مطواعين ومحميين، وإبقاء البرابرة بعيدين عن إمكانية التجمع معاً”(43).
وأفاض في شرح أن أمم آسيا الوسطى ( شعوب البلقان الأوراسي كما يشير إليها):
“ذات أهمية، من وجهة نظر أمنية ومطامح تاريخية، بالنسبة لثلاثة على الأقل من جيرانهم الأقرب إليهم والأكثر قوة، أعني روسيا وتركيا وإيران، والصين أيضاً التي تصدر إشارات على تزايد مصالحها السياسية في المنطقة. ولكن شعوب بلقان أوراسيا اكثر أهمية بشكل لا حدود له بوصفها جائزة اقتصادية محتملة؛ هناك تركز هائل لمصادر الغاز الطبيعي واحتياطيات النفط يقع في المنطقة، بالإضافة إلى معادن مهمة، بما في ذلك الذهب”(44).
ويشدد بريزنسكي على ان “مصلحة أمريكا الرئيسية هي المساعدة على ضمان أن لا تنفرد قوة واحدة بالسيطرة على هذا الفضاء الجغرافي/السياسي، وان يظل هذا الفضاء مفتوحاً في متناول المجتمع العالمي، اقتصاداً وتمويلا بلا عائق”(45).

الاستعداد للحرب على أفغانستان:
في العام 1997 سافر وفد رسمي من طالبان إلى تكساس في أمريكا للقاء شركة آنوكال النفطية لمناقشة إمكانية مد خط أنابيب من تركمنستان إلى باكستان عبر أفغانستان. وكان لدى الشركة الأمريكية اتفاقيات مع تركمنستان لبيع غازها ومع باكستان لشرائه. وكانت الحلقة المفقودة هي مرور الغاز إلى باكستان عبر أفغانستان حيث ظهرت في الصورة طالبان. منافس الشركة الأمريكية، آنوكال، في موضوع مد الخط كانت مؤسسة “بريداس” الأرجنتينية. ولكن أفغانستان أنذاك كانت لا تزال غارقة في الحرب الأهلية، مما جعل توقع مد الخط مشروعاً غير مستقر(46).
قبل شهر من زيارة وفد طالبان، المؤسسة الأرجنتينية بريداس كانت قد اندمجت بأصولها من النفط والغاز مع شركة نفط آموكو الأرجنتينية، وهي شركة تابعة لشركة النفط البريطانية (BP)، واحدة من ثلاث أكبر شركات النفط في العالم(47). وقبل ان يتم هذه الاندماج بوقت قصير، أعلنت بريداس أنها على وشك توقيع عقد قيمته 2 بليون دولار مع طالبان، قائلة “إن المحادثات في مرحلتها الأخيرة”(48).
وأعلنت طالبان بعد لقاء تكساس مع مسؤولي آنوكال في يناير 1998 أنها “قريبة من الوصول إلى اتفاق نهائي على مد خط نقل الغاز عبر أفغانستان” ، ولكنها “لم تحدد أي شركة من الشركتين المتنافستين تفضل”(49).
ومن المهم هنا ملاحظة وجود وطبيعة بعض الشخصيات التي كانت على علاقة بالشركات النفطية ذات العلاقة باحتياطيات آسيا الوسطى من الغاز ومشروعات مد خطوط نقله. في العام 1997، كان زبغنيو بريزنسكي، الذي ينسب إلى نفسه كونه العقل المدبر للحرب على الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ومستشار الأمن القومي في عهد كارتر، ومؤسس لجنة أضلاع المثلث مع ديفيد روكفلر، مستشاراً لشركة النفط البريطانية وفرعها آموكو، وبخاصة في ما يتعلق بمنطقة بحر قزوين.(50). وفي محاولة منها لضمان عقد اتفاقية مد خطها مع طالبان استأجرت شركة آنوكال وزير خارجية أمريكا السابق، هنري كيسنجر. وجاءت الشركة أيضاً بزالماي خليل زاد، الأفغاني المولد، ومستشار وزارة خارجية ريغان في الشؤون الأفغانية خلال الحرب على الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، كمستشار لفريق استأجرته الشركة، وسيصبح هذا في ما بعد موفدا أمريكيا إلى أفغانستان بعد الغزو الأمريكي في العام 2001 لهذا البلد(51).
مشروع الخط هذا اعترضته مشاكل عويصة آنذاك؛ فقد أعلنت شركة آنوكال في ديسمبر 1998 إنها خرجت من مشروعها للخط الأفغاني(52). بين 1996 والعام 2001، دفع مالكو شركة إنرون ملايين الدولارات رشوة لمسؤولي طالبان لضمان عقود مد خطوط الأنابيب. وبعد انسحاب آنوكال، واصلت إنرون الضغط على طالبان للموافقة على مد الخطوط. في العام 1996، وقعت الجارة أوزبكستان صفقة مع إنرون لتطوير حقول غاز أوزبكستان(53)، وفي العام 1997، شركة هالبرتون، ومع ديك تشيني كمستشار لها، حصلت على عقد في تركمنستان للاستكشاف والتنقيب في حوض بحر قزوين(54). ولكن إنرون أعلن إفلاسها في ديسمبر من العام 2001.
وفي النهاية، انسحبت آنوكال من الصفقة نتيجة أنه لم يتم الاعتراف الدولي الكامل بشرعية حكومة طالبان، ومن هنا يمكن أن لا يجد مشروع الخط تمويلا من المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي. وانسحبت آنوكال أيضاً نتيجة استمرار الصراع في أفغانستان بين مختلف الجماعات(55).
في العام 1999 أصدر البنتاجون وثيقة سرية مصدقة من قبل هيئة الأركان وزير الدفاع، تنص على أن “النزاع النفطي حول وسائل الانتاج ومسارات النقل، وبخاصة في الخليج الفارسي ومناطق بحر قزوين متصور بشكل محدد في المستقبل القريب” ، وتضيف “إن الطاقة وقضايا الموارد ستستمر في تشكيل الأمن الدولي”. وتركز الوثيقة الضوء “بقوة على كيف أن أوساط الدفاع الأمريكية العليا قبلت بشن حرب نفطية بوصفها خياراً عسكرياً مشروعاً”(56).
وقبل أن يصبح جورج دبليو. بوش رئيسا في يناير 2001، كانت هناك خطط في مستويات الحكومة الأمريكية العليا ببدء الاستعدادات لحرب على أفغانستان، تتضمن محاولات لتأمين تحالف مع الروس “بالدعوة إلى عمل عسكري ضد أفغانستان”(57).
في مارس 2001، تحدثت تقارير عن أن الهند انضمت إلى الولايات المتحدة وروسيا وإيران في جهد إحلال حكومة أخرى محل حكومة طالبان الأفغانية عسكرياً، مع استخدام طاجيكستان وأوزبكستان كقواعد لإطلاق حملات في أفغانستان ضد طالبان(58). وفي ربيع العام 2001 وضعت العسكرية الأمريكية تصورا كاملا لسيناريو الهجوم الأمريكي على أفغانستان، وهو ما أصبح في ما بعد خطة العمليات الحربية(59). وفي صيف العام 2001، سربت طالبان معلومات من لقاءات عليا بالغة السرية بأن نظام بوش كان يخطط لشن عملية عسكرية ضد طالبان في تموز/يوليو لإحلال حكومة أخرى محل طالبان. وظهرت خطة طوارئ عسكرية على الورق لمهاجمة أفغانستان من الشمال مع نهاية صيف العام 2001، قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر(60).
وذكر دبلوماسي باكستاني سابق لمحطة الإذاعة البريطانية (BBC) أن الولايات المتحدة كانت تخطط لعمل عسكري ضد طالبان وأسامة بن لادن قبل هجمات 11/9، وأخبر مسؤولون أمريكيون كبار في منتصف تموز/يوليو وزير الخارجية الباكستانية السابق، نياز نياك “بأن عملا عسكريا ضد أفغانستان سيحدث في منتصف شهر أكتوبر” . وحدث الغزو لاحقا في 7 أكتوبر 2001، وهذه المعلومات قيلت للوزير الباكستاني خلال لقاء سري رعته الولايات المتحدة في برلين في تموز/يوليو 2001، ضم مسؤولين أمريكيين وروس وعدد من بلدان آسيا الوسطى. وقال أيضاً بأن الولايات المتحدة ستطلق العملية من قواعدهم في طاجيكستان “حيث تموضع سلفاُ المستشارون الأمريكيون”(61).
وكان من المتوقع، حسب ما كشفت عنه شبكة NBC الإخبارية “أن يوقع الرئيس الأمريكي بوش على خطط تفصيلية لحرب واسعة النطاق في مختلف أرجاء العالم على “القاعدة” قبل يومين من 11/9″ ، وأن “تلك الخطط تتعلق بكل جوانب حرب على “القاعدة” تتراوح بين مبادرات دبلوماسية وعمليات عسكرية في أفغانستان” . وكانت الخطوط العريضة لهذه الخطط “هي ذاتها من حيث الجوهر” خطة الحرب التي نفذت بعد هجمات 11/9. وقبل حدوث الهجمات سلمت إلى كونداليسا رايس أيضاً وثيقة الأمن القومي، وتضمنت خططا لمهاجمة طالبان وأزاحتها عن سدة الحكم في أفغانستان(62). وجاء في تصريح لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير “.. الحقيقة هي أنه لم تكن هناك طريقة نحظى فيها بقبول الرأي العام شن حرب مفاجئة على أفغانستان لولا ما حدث في 11 سبتمبر”(63).
بعد أن بدأت الحرب في أفغانستان في أكتوبر 2001، كتب جورج مونباوت في الجارديان البريطانية بأن “الحرب قد تكون أيضاً من أواخر المغامرات الاستعمارية” بما أن “أفغانستان بلد لا بديل عنه من أجل السيطرة الإقليمية وشحن النفط في آسيا الوسطى، تماما كما كان الحال مع مصر في العصور الوسطى” . ويستحق مونباوت اقتطاف المزيد من شرحه:
“تمتلك أفغانستان كميات من النفط والغاز، ولكنها كميات لا تكفي لتكون ذات أهمية استراتيجية كبرى. بينما تحتوي أراضي جيرانها شمالا، على العكس من ذلك، احتياطيات يمكن أن تكون حاسمة في تقرير مستقبل الموارد العالمية. في العام 1998 لاحظ ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي الآن، ولكنه كان الرئيس التنفيذي لشركة خدمات نفطية كبيرة، ” لا يمكنني التفكير بزمن تكون لدينا فيه منطقة تظهر فجأة على أنها ذات أهمية استراتيجية مثلما أفكر الآن بمنطقة بحر قزوين” . ولكن النفط والغاز هناك لا قيمة لهما إذا لم ينقلا، والمسار الوحيد ذو المعنى السياسي والاقتصادي على حد سواء يمر بأفغانستان. إن نقل كل موارد حوض بحر قزوين من نفط وغاز عبر روسيا وأذربيجان سيعزز تعزيزا كبيراً سيطرة روسيا السياسية والاقتصادية على جمهوريات آسيا الوسطى، وهو الأمر الذي قضى الغرب عشر سنوات تحديداً لمنعه. وضخ هذه الموارد عبر إيران سيجعل من نظام تحاول الولايات المتحدة عزله نظاما بالغ الثراء، وإرساله عبر طريق طويل يقطع نصف العالم عبر الصين سيكون، إذا تركنا جانباً الاعتبارات الاستراتيجية، عملية مكلفة جداً. ولكن أنابيب نفط وغاز عبر أفغانستان سيسمح للولايات المتحدة بأمرين معاً: متابعة هدفها في “تنويع مصادر الطاقة” ، والتغلغل أكثر في أكثر أسواق العالم ربحية. نمو استهلاك الغرب من النفط بطيء والمنافسة عالية، ولكن الأمر نقيض ذلك في جنوب آسيا، فهناك يزدهر الطلب والمتنافسون قلة. بكلمات أخرى، إن ضخ النفط وبيعه في باكستان والهند أكثر ربحية بما لا يقاس من ضخه غرباً وبيعه في أوروبا. ووفق توثيق الكاتب أحمد راشد، بدأت شركة آنوكال الأمريكية في العام 1995 مفاوضات مدّ خطوط نفط وغاز من تركمنستان عبر أفغانستان، وصولا إلى الموانئ الباكستانية على بحر العرب. وتطلب مخطط الشركة وجود حكومة واحدة في أفغانستان تضمن أمن طريق بضاعة الشركة. وحالما استولت طالبان على كابول في سبتمبر 1996، نشرت صحيفة التلغراف تقريراً مفاده “أن أوساطاً من داخل صناعة النفط تقول بأن حلم ضمان خط أنابيب عبر أفغانستان هو السبب الرئيس وراء دعم باكستان القوي، وهي حليف مقرب سياسياً من أمريكا، لطالبان، وهو السبب الرئيس وراء قبول أمريكا الهادئ لسيطرتها على أفغانستان” . وقد دعت آنوكال بعضاً من قادة طالبان إلى هيوستن حيث استقبلوا استقبالا حافلا، واقترحت الشركة أن تدفع لهؤلاء البرابرة 15 سنتاً عن كل ألف قدم مكعب من الغاز يمر عبر الأرض التي سيطروا عليها. وفي أول سنة من سنوات حكم طالبان بدا أن سياسة أمريكا تجاه النظام مصممة أساساً وفق مصالح شركة آنوكال. وفي العام 1997 أخبر دبلوماسي أمريكي أحمد راشد بأن” من المحتمل أن تتطور طالبان على غرار تطور السعودية؛ ستكون هناك شركة آرامكو (الكونسرتيوم الأمريكي السابق في العربية السعودية)، وخطوط أنابيب وأمير والكثير من أحكام الشريعة ولا وجود لبرلمان، ونستطيع التعايش مع هذا” .
وفي فبراير 1998، أخبر مدير العلاقات الخارجية في شركة آنوكال، جون ماريسكا، مندوبي الشركة بأن نمو الطلب على الطاقة في آسيا والعقوبات ضد إيران تبقي أفغانستان “الممر الوحيد الممكن” لنفط بحر قزوين. ولا تزال الشركة تأمل، ما أن يعترف الدبلوماسيون والمصرفيون الأجانب بالحكومة الأفغانية، تمديد خط أنابيب طوله 1000 ميل سيحمل مليون برميل يومياً. وفقط في ديسمبر 1998 بعد أربعة أشهر على تفجير السفارة في شرقي أفريقيا، تخلت آنوكال عن خططها. ولكن أهمية أفغانستان الاستراتيجية لم تتغير. وفي شهر سبتمبر، قبل بضعة أيام من الهجوم على نيويورك، جاء في تقرير لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن “أهمية أفغانستان، من وجهة نظر موارد الطاقة، تنبع من موقعها الجغرافي/السياسي كممر وسيط ممكن للنفط والغاز الطبيعي المصدرين من آسيا الوسطى إلى بحر العرب. وتتضمن هذه الإمكانية احتمال إنشاء خطوط تصدير نفط وغاز عبر أفغانستان. وفي ضوء أن مديري صناعة النفط التنفيذيين السابقين هم الذين يهيمنون على الحكومة الأمريكية فسنكون حمقى إذا افترضنا أن مثل هذه الخطط لم تعد واردة في تفكيرها الاستراتيجي. وكما أشار الباحث كيث فيشر، فإن الحصيلة الاقتصادية الممكنة للحرب في أفغانستان تعكس في مرآتها الحصيلة الاقتصادية الممكنة للحرب في البلقان، حيث أن إنشاء “المجاز رقم 8″ كمنطقة اقتصادية قامت حول أنبوب يحمل النفط والغاز من بحر قزوين إلى أوروبا هو موضع اهتمام تحالف حاسم.
السياسة الأمريكية الخارجية يحكمها مبدأ” هيمنة بكامل ألوان الطيف” ، وهذا يعني أن على الولايات المتحدة أن تسيطر على مسار التطور في كل أنحاء العالم عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. الصين ردت بالسعي إلى توسيع مصالحها في آسيا الوسطى، ودفعت الورقة الدفاعية الصينية البيضاء التي نشرتها بكين في السنة الماضية بأن “مصالح الصين الأساسية تقع في إنشاء وصيانة نظام أمني إقليمي جديد” . وفي حزيران، أدخلت روسيا والصين أربع جمهوريات في آسيا الوسطى في “منظمة شنغهاي للتعاون” التي تستهدف، حسب أقوال جيانغ زيمين “فرض عالم متعدد الأقطاب” ، وهو ما يعني بالنسبة له صراعاً مع مبدأ الهيمنة الأمريكية بكل ألوان الطيف.
فإذا نجحت الولايات المتحدة في إسقاط طالبان والمجيء بحكومة مستقرة موالية وممتنة للغرب، وإذا ربطت الولايات المتحدة عندئذ اقتصاديات آسيا الوسطى بتلك التي لحليفتها باكستان، فلن تسحق الإرهاب فقط، بل ستسحق الطموحات المتنامية أيضاً لكل من روسيا والصين. لقد كانت أفغانستان دائماً، وستظل، مفتاح الهيمنة الغربية على آسيا.(64)
لقد قررت الولايات المتحدة وباكستان، كما كشفت صحيفة سان فرانسيسكو كرونكل في نوفمبر 2001″ زرع نظام مستقر في أفغانستان حوالي العام 1994، نظام يضع حداً للحرب الأهلية في ذلك البلد، وبهذا يتم ضمان أمن مشروع خط آنوكال”.
وهكذا:
” اتفقت وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة المخابرات الباكستانية الداخلية على تمرير السلاح والمال إلى حركة طالبان في حربها ضد تحالف الشمال العرقي الطاجيكي. وكما هو الأمر في الوقت الراهن من العام 1999، يدفع دافعو الضرائب الأمريكيون الراتب السنوي كاملا لكل فرد من أفراد موظفي حكومة طالبان، وكل هذا على أمل استعادة أيام “الدولار مقابل جالون من الغاز” ، ومن الطبيعي أن باكستان ستحصل على إيرادات من تسهيلات ميناء كراتشي النفطي”(65).
الأمر الجلي أن خطط وأهداف الحرب على أفغانستان أعدت إعدادا جيداً، ولم يحتج المخططون إلا إلى تبريرٍ أمام الرأي العام. الشعب لم يكن جاهزاً لدعم حرب للسيطرة على احتياطيات الطاقة الاستراتيجية ومسارات أنابيب تمتد حول العالم، إضافة إلى حقيقة أن هذا سيكون تسليماً بفكرة الإمبراطورية، وهو أمر لازالت الغالبية العظمى من الأمريكيين لا تستطيع التصالح معه وقبوله، وسيكون الطلب من الأمريكيين أن يموتوا من أجل شركة آنوكال مهمة صعبة. ما يحتاجه الشعب الأمريكي لإثارة شهيته للحرب أن يعاد تشكيل وعيه الجماعي بالخوف؛ كانت هناك حاجة إلى إرهاب.

• آندرو جافن مارشال، باحث متعاون مع مركز أبحاث العولمة (CRG). تعاون مع ميشيل تشودوفسكي على تحرير كتاب ” أزمة الإقتصاد العالمي: كساد القرن الحادي والعشرين الكبير” الذي صدر حديثا عن مركز أبحاث العولمة.

آندرو جافن مارشال —–البنية الإمبريالية لـــ “القاعدة” (1) إرهابيو السي. آي. إيه ومهربو مخدراتها و”قوس الأزمة”

المميز

مقدمة:
مع اقتراب ذكرى الحادي عشر من سبتمبر 2001، واستمرار شن الحرب على الإرهاب وتنامي جغرافيتها ووحشيتها، يبدو من الملح إلحاحا شديداً العودة إلى أحداث صباح سبتمبر الفاجعة تلك، وإعادة قراءة أسباب الحرب وطبيعة المتهم المعلن، “القاعدة”، قراءة متمعنة.
لقد تغلغلت أحداث 11/9 في المخيلة الأمريكية، والعالم أيضاً، كأسطورة تاريخية. ولكن أحداث ذلك اليوم، وتلك التي قادت إليها، بعيدا عن الصور المشوشة التي تكررها إعلانات وسائط الإعلام الباعثة على الدوار، لاتزال مجهولة على نطاق واسع، ولم يفهم الرأي العام إلا القليل عنها.
وضاعت وقائع وحقائق ذلك اليوم المزعجة في فولكلور أسطورة 11/9: أن أكبر هجوم جرى على الأرض الأمريكية نظمه 19 مسلماً مسلحين بمشارط ورق ومدفوعين بأفكار أصولية دينية، وكل هذا بناء على تعليمات من “بن لادن” القائد لشبكة إرهاب عالمية تدعى “القاعدة”، مقره كهف في أفغانستان.
إن هذه الأسطورة تزيح جانباً وقائع وطبيعة إرهاب”القاعدة”، والإمبراطورية الأمريكية، وتتحدى حرفياً قوانين الفيزياء. وأعظم عدو للحقيقة، كما قال جون. ف. كينيدي، ليس الأكذوبة المخترعة والمتعمدة وانعدام الأمانة، “بل الأسطورة المستمرة والمتغلغلة والخيالية”.
هذه القراءة في ثلاث حلقات، وموضوعها ” البنية الإمبريالية لـ “القاعدة” ، تتفحص بإمعان الأصول الجغرافية- السياسية والتاريخية لما يعرف باسم “القاعدة، وطبيعتها. تلك التي هي في الحقيقة أدوات إرهابية تابعة لشبكة مخابرات أنجلو- أمريكية، تُستخدم لتحقيق الأهداف الأمريكية وأهداف حلف الناتو الإمبريالية في مناطق مختلفة من العالم.
يتمعن الجزء الأول في أصول الشبكة المخابراتية المعروفة باسم “نادي السفاري”، وتعني أعضاء فريق رحلة الصيد المشتركة، الذي نظم ومول كتلة مختلطة من الإرهابيين الدوليين، ويتمعن أيضاً في دور المخابرات المركزية الأمريكية CIA في تجارة المخدرات العالمية وبروز “طالبان” وأصول “القاعدة”.
نادي السفاري:

في أعقاب استقالة الرئيس الأمريكي نيكسون، أصبح جيرالد فورد الرئيس الجديد للولايات المتحدة في العام 1974، وظل هنري كيسنجر وزيراً للخارجية، وجاء فورد إلى حكومته باسمين سيلعبان دورين مهمين في مستقبل الإمبراطورية الأمريكية: دونالد رامسفيلد رئيساً لموظفي البيت الأبيض، وديك تشيني وكيلا مساعدا للرئيس. وكان نائب الرئيس آنذاك هو نيلسون روكفلر، شقيق ديفيد روكفلر. وحين تمت ترقية رامسفيلد إلى منصب وزير الدفاع في السنوات اللاحقة، احتل ديك تشيني منصبه كرئيس لموظفي البيت الأبيض. وعين فورد أيضاً شخصاً يدعى جورج.هـ. دبليو. بوش مديرا للسي. آي. إيه.
وفي العام 1976 تشكّل تحالف الوكالات الاستخبارية المسمى “نادي السفاري”. وكان هذا مؤشراً على التنسيق السرّي بين مختلف وكالات الاستخبارات، والذي سيتواصل طيلة عقود.
جاء تشكيل هذا التحالف في وقت كانت فيه السي. آي. إيه تخضع لتحقيق محلي حول فضيحة ووترغيت، وتحقيقات الكونغرس في نشاطاتها السرية، وهو ما أجبرها على اللجوء إلى التستر على نشاطاتها.
في العام 2002، قال رئيس المخابرات السعودية الأمير تركي الفيصل خلال حديث أدلى به، إنه استجابة لحاجة السي. آي. إيه إلى المزيد من حرية العمل “عملت مجموعة من البلدان سوية على أمل محاربة الشيوعية وأنشأت ماكان يدعى “نادي السفاري”، وانضمت إلى هذا النادي فرنسا ومصر والعربية السعودية والمغرب وإيران (في عهد الشاه) (1).
ولكن هذا النادي احتاج إلى شبكة مصارف لتمويل عملياته المخابراتية، فقام رئيس المخابرات السعودية كمال أدهم، بمباركة من جورج هـ. دبليو. بوش رئيس السي. آي. إيه “بتحويل مصرف باكستاني تجاري صغير، مصرف الإئتمان والتجارة الدولي (BCCI)، إلى آلة لغسيل الأموال على نطاق عالمي تشتري مصارف من مختلف أنحاء العالم لخلق أكبر شبكة أموال سرّية في العالم”(2).
وبوصفه رئيسا للسي. آي. إيه، قام بوش “بتمتين العلاقات مع المخابرات السعودية ومخابرات شاه إيران، وعمل عن قرب مع كمال أدهم، عديل الملك فيصل ومن المساهمين الأوائل في مصرف الإئتمان والتجارة الباكستاني”. وكان أدهم هذا قد عمل سابقاً “كقناة اتصال بين هنري كيسنجر والرئيس المصري أنور السادات” في العام 1972. وفي العام 1976 شكلت العربية السعودية ومصر نادي سفاري ” لتقوم أجهزة مخابراتهما بالعمليات التي كانت صعبة آنذاك على السي. آي. إيه، والتي نظم قدراً كبيراً منها رئيس المخابرات الفرنسية الكسندر مارينشيه” (3).
“قوس الأزمة” والثورة الإيرانية:

حين أصبح جيمي كارتر رئيساً في العام 1977، عين أكثر من 24 عضواً من أعضاء “لجنة المضلع الثلاثي” في حكومته، وهي لجنة كانت مركزاً بحثياً أوجده زبغنيو بريزينسكي وديفيد روكفلر في العام 1973، ودعيا كارتر ليكون عضوا في هذه اللجنة. وما أن اصبح كارتر رئيساً، حتى أصبح بريزينسكي مستشار الأمن القومي، وأصبح سايروس فانس، وهو أيضا عضو آخر في اللجنة، وزيراً للخارجية، وأصبح صموئيل هنتنغتون، عضو آخر في اللجنة، منسق الأمن القومي ووكيل بريزنسكي.
المؤلف والباحث بيتر ديل سكوت قدم في كتابه “الطريق إلى 11/9″ تحليلا شاملا جديرا بالثقة للأحداث التي قادت إلى الثورة الإيرانية وتخللتها. وفي مايلي الكثير من المعلومات التي قدمها:
كان على صموئيل هنتنغتون وبريزنسكي تحديد موقف السياسة الأمريكية في الحرب الباردة، وأطلق على السياسة الأمريكية- السوفياتية التي خلقاها تسمية “تعاون وتنافس”. وسيشدد بريزنسكي في هذه السياسة على كلمة “تعاون” حين يتحدث إلى الصحافة، ولكنه سيدفع إلى “التنافس” في الدوائر الخاصة. وهكذا، بينما كان وزير الخارجية فانس يواصل ممارسة سياسة مرنة تجاه الاتحاد السوفياتي، كان بريزنسكي يدفع نحو سياسة التفوق على الاتحاد السوفياتي، ولذا لم يكن فانس وبريزنسكي على وفاق حول أي قضية تقريباً (4).
في العام 1978 أدلى بريزنسكي بحديث قال فيه ” هناك قوس أزمة يمتد على طول سواحل المحيط الهندي، مع وجود بنى اجتماعية وسياسية هشة في منطقة ذات أهمية حيوية لنا مهددة بالتشظي، وقد تملأ الفوضى السياسية الناجمة عن هذا عناصر معادية لقيمنا ومتعاطفة مع خصومنا”. ويمتد قوس الأزمة هذا من الهند الصينية إلى جنوبي أفريقيا، رغم ان المنطقة المعنية محل التركيز وبتحديد أكثر كانت ” الأمم الممتدة عبر الجناح الجنوبي للإتحاد السوفياتي، بدءا من شبه القارة الهندية وصولا إلى تركيا، وجنوباً عبر الجزيرة العربية وصولا إلى القرن الأفريقي”. وأكثر من ذلك، إن “مركز جاذبية هذا القوس هي إيران، رابع أكبر قوى الانتاج النفطي في العالم، والتي ظلت طيلة أكثر من عقدين قلعة قوة اقتصادية وعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط. والآن يظهر إن 37 عاماً من حكم الشاه محمد رضا بهلوي قد شارفت على نهايتها، وبدأت تضع حداً لها شهور يبرز فيها اضطراب مدني وثورة” (5). ومع ارتفاع الاستياء في المنطقة ” هناك هذه الفكرة، وهي إن القوى الاسلامية يمكن استخدامها ضد الاتحاد السوفياتي. النظرية هي أن هناك قوس أزمة، ولذا يمكن تعبئة قوس إسلامي لاحتواء السوفيات. وكان هذا هو مفهوم بريزنسكي” (6).
قبل شهر من حديث بريزنسكي هذا، في نوفمبر 1978 ” عين كارتر عضو مجموعة “بلدربيرغ”، جورج بول، وأحد أعضاء لجنة المضلع الثلاثي، رئيسا لقوة المهمات الإيرانية الخاصة لدى البيت الأبيض تحت إشراف مجلس بريزنسكي للأمن القومي”. بالإضافة إلى هذا ” أوصى بول بأن تسقط واشنطن دعمها للشاه، وتقوم بدعم معارضة آية الله الخميني الأصولية الإسلامية” (7). وقام جورج بول بزيارة إلى إيران في مهمة سرية (8).
وخلال العام 1978، تولد لدى شاه إيران انطباع بأن “حكومة كارتر كانت تتآمر لقلب نظامه”. وفي العام نفسه أخبرت الملكة، زوجة الشاه، منوشهر جنجي، أحد وزراء الشاه، “إن الأمريكيين يناورون لإسقاط الشاه”، وأضافت “أعتقد أنهم يريدون حتى إسقاط النظام” (9).
وفي ذلك الوقت توصل السفير الأمريكي في طهران، وليم سوليفان، إلى قناعة مفادها أن الثورة ستنجح، ونقل اعتقاده هذا إلى رامسي كلارك، المدعي الأمريكي العام السابق في حكومة جونسون، وإلى البروفيسور رتشارد فولك أيضاً، حين كانا في زيارة لسوليفان في إيران في العام 1978. وبعدها ذهب كلارك وفولك من إيران إلى باريس لزيارة الخميني الذي كان يعيش منفياً هناك. وعبر جيمس بيل، أحد مستشاري كارتر، عن شعوره بأن “حركة دينية تصعد إلى السلطة بمساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية ستكون صديقاً طبيعياً للولايات المتحدة” (10).
ومن المهم في هذا السياق ذكر واقعة أن تبث محطة البي. بي. سي البريطانية برامج ناطقة بالفارسية موالية للخميني في إيران كأحد أشكال الدعاية الناعمة. و”أعطت هذه البرامج مصداقية ملموسة لدعم البريطانيين والولايات المتحدة للخميني” (11). وفي المقابل، رفضت المحطة البريطانية إعطاء الشاه مساحة للرد، و ” لم تأت طلبات الشاه الشخصية المكرورة من المحطة بنتيجة” (12).
في اجتماع مجموعة “بلدربيرغ” في مايو 1979، طرح برنارد لويس، وهو مؤرخ بريطاني متنفذ (ومن هنا جاءت عضويته في مجموعة بلدربيرغ) استراتيجية بريطانية- أمريكية “تجعل حركة الإخوان المسلمين الراديكالية تقف وراء الخميني، من أجل بلقنة بلدان مسلمي الشرق الأدنى على امتداد خطوط قبلية ودينية. وحاجج لويس بأن على الغرب تشجيع الجماعات الباحثة عن استقلال ذاتي مثل الأكراد والأرمن والمارونيين اللبنانيين والأقباط الأثيوبيين وأتراك أذربيجان.. وغيرهم. وهو ما سيؤدي إلى فوضى تنتشر في ما سماه “قوس الأزمة”، ومنه ستنتقل إلى مناطق الاتحاد السوفياتي الاسلامية” (13). إضافة إلى هذا ، فإن هذه الفوضى ستمنع نفوذ الاتحاد السوفياتي من الدخول إلى الشرق الأوسط، حيث يُنظر إلى الاتحاد السوفياتي بوصفه إمبراطورية للإلحاد والكفر بالله، وجوهرياً إمبراطورية علمانية وغير أخلاقية تسعى إلى فرض العلمانية على البلدان الاسلامية. وهكذا فإن دعم الجماعات الاسلامية الراديكالية سيعني التقليل من فرص حظوة الاتحاد السوفياتي بأي نفوذ أو علاقات مع بلدان الشرق الأوسط، مما سيجعل الولايات المتحدة المريكية المرشح الأكثر قبولا لتطوير علاقاته مع هذه البلدان.
في العام 1979، وصف مقال ظهر في مجلة “الشؤون الخارجية”، مجلة مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، قوس الأزمة بالقول ” إن للشرق الأوسط نواته المركزية، وموقعه الاستراتيجي لايضاهيه أي موقع آخر: إنه آخر منطقة كبرى من مناطق العالم الحرتجاور الاتحاد السوفياتي مباشرة، وتحت أرضه حوالي ثلاثة أرباع احتياطيات العالم النفطيةالثابتة والمقدرة، وهو مكان إحدى أكثر الأزمات قابلية للتفاعل في القرن العشرين؛ تلك هي مواجهة الصهيونية للقومية العربية”. وأوضح المقال ان السياسة الأمريكية مابعد الحرب العالمية الثانية ركزت على “احتواء” الاتحاد السوفياتي، والوصول إلى مناطق النفط أيضاً (14). ويمضي المقال إلى المزيد من الشرح وتوضيح أن أكثر “الانقسامات وضوحاً” في الشرق الأوسط هي تلك “التي تفصل الطبقة الجغرافية الشمالية (تركيا وإيران وأفغانستان ) عن النواة العربية” وإن “تركيا وإيران بعد الحرب العالمية الثانية كانا البلدان الأكثر تعرضاً لتهديد التوسع الجغرافي والتخريب السياسي السوفياتيين” (15). وأخيراً “كانت الطبقة الجغرافية الشمالية تحظى دائماً بالتزام أمريكي جاد بحمايتها من المصير الذي تعرضت له أوروبا الشرقية” (16).
وخلال وجود الخميني في باريس قبل الثورة، نظم ممثل للرئيس الفرنسي لقاءاً بين الخميني و “القوى العالمية الراهنة” قدم فيه الخميني مطالب معينة مثل “إزاحة شاه إيران عن إيران والمساعدة على تجنب إنقلاب عسكري يقوم به الجيش الإيراني”. ولكن القوى الغربية ” كانت قلقة من تمكن الاتحاد السوفياتي وتغلغله، ومن قطع إمداد الغرب بالنفط الإيراني. وأعطى الخميني الضمانات الضرورية. هذه اللقاءات والاتصالات حدثت في يناير من العام 1979، مباشرة قبل بضعة أيام من قيام الثورة الاسلامية في فبراير 1979″ (17).
في فبراير 1979 كان الخميني يطير من باريس على متن الخطوط الجوية الفرنسية عائداً إلى إيران “بمباركة من جيمي كارتر” (18). وعين آية الله الخميني مهدي بازركان رئيساً لوزارة الحكومة الثورية المهنية في 4 فبراير 1979. ومقابل طلب الخميني، خلال لقاءاته الباريسية في يناير 1979 بوجوب أن تساعد القوى الغربية على تجنب إنقلاب يقوم به الجيش الإيراني، كانت حكومة كارتر في ذلك الشهر نفسه تبدأ التخطيط لإنقلاب عسكري بتوجيه من بريزنسكي (19).
هل يمكن أن يكون هدف المخطط الإطاحة بالخميني، ثم تسارع الولايات المتحدة إلى إعادة الوضع، وربما حتى إعادة الخميني إلى السلطة؟
اللافت للنظر أنه في يناير 1979 ” وكان الشاه على وشك مغادرة البلد، وصل نائب قائد حلف الناتو الأمريكي الجنرال هايزر، وتواصل طيلة ما يقارب الشهرمع القادة الإيرانيين العسكريين، وقد يكون تأثيره أساسياً على قرار العسكر الإيرانيين بعدم القيام بمحاولة إنقلاب، والتسليم لقوى الخميني في نهاية المطاف، وبخاصة، إذا كانت تقارير الصحافة دقيقة في ما نقلته، أن هذا الجنرال وآخرون هددوا بإيقاف الامدادات العسكرية إذا حدثت محاولة إنقلاب” (20).
لاحقاً لم يحدث إنقلاب، وجاء الخميني إلى السلطة بوصفه آية الله الجمهورية الإيرانية الإسلامية.
ويلفت النظر أيضاً، أن الولايات المتحدة الأمريكية، خلال تصاعد الغليان في الشارع الإيراني، أرسلت “مستشارين أمنيين” إلى إيران للضغط على “سافاك” الشاه (شرطته السرية) من أجل أن يستخدم ” سياسة قمع وحشي أشد لم يسبق أن استخدمها، بإسلوب محسوب لرفع منسوب كراهية الشعب للشاه حتى الحد الأقصى”، وبدأت حكومة كارتر في الوقت نفسه تنتقد علناً انتهاكات الشاه لحقوق الإنسان” (21).
في 6 سبتمبر 1978، حظر الشاه المظاهرات، وفي اليوم التالي قتل بالرصاص ما بين 700 و 2000 متظاهرإثر “نصيحة من بريزنسكي للشاه بأن يكون صارماً” (22). بينما كان أمريكيون آخرون يعلنون، مثل آندرو يونغ عضو لجنة المضلع الثلاثي، ” أن الخميني سيمجد في نهاية المطاف كقديس”، ويقول السفير الأمريكي في إيران، وليم سوليفان، “إن الخميني شخصية شبيهة بشخصية غاندي”، ويقول مستشار كارتر جيمس بيل “إن الخميني كان رجل نزاهة واستقامة خالية من العيوب” (23).
وكان مرض الشاه في أواخر العام 1978 بالغاً أيضاً، وهكذا هرب من إيران في يناير 1979 إلى جزر البهاما، تاركاً المجال لقيام الثورة. ومن المهم هنا بشكل خاص فهم العلاقة بين ديفيد روكفلر وشاه إيران. فقد تم تعيين جوزيف ريد، مساعد ديفيد روكفلر، “والياً على موارد الشاه المالية وحاجاته الشخصية”، وكان روبيرت أرمايو، الذي عمل نائب رئيس لنيلسون روكفلر، قد أرسل “للعمل وكيل علاقات عامة للشاه وجامعاً لقوى مساندة له”، وكان بنيامين هـ. كين، أحد المساعدين القدامى لرئيس مجلس إدارة مصرف تشيس مانهاتن ديفيد روكفلر، و “طبيبه الشخصي”، قد أرسل إلى المكسيك حين كان الشاه هناك، ونصح بأن ” يعالج في مستشفى أمريكي” (24).
ومن المهم هنا ملاحظة أن مصالح روكفلر” وجهت السياسة الأمريكية في إيران منذ إنقلاب السي. آي. إيه في العام 1953″ (25). وإثر هروب شاه إيران من إيران، كانت هناك ضغوط متزايدة في داخل الولايات المتحدة من قبل أناس متنفذين للسماح له بدخول الولايات المتحدة، وهؤلاء هم، زبغنيو بريزنسكي ووزير الخارجية السابق هنري كيسنجر وجون ماكلوي، رجل الدولة السابق والعضو البارز في مجموعة بلدربيرغ ولجنة المضلع الثلاثي ومجلس العلاقات الخارجية، وكان أيضاً محامياً لمصرف تشيس مانهاتن وديفيد روكفلر بالطبع (26).
ولمصرف تشيس نانهاتن، أكثر من أي مصرف آخر، مصالح في إيران. والحقيقة أن الشاه “أمر بأن تكون كل عمليات حكومته المحاسبية بيد هذا المصرف، وأن يدير حصرا رسائل إعتماد شراء النفط، وأصبح هذا المصرف وكيلا ومديراً رئيسياً للكثير من القروض إلى إيران. وباختصار، أصبحت إيران جوهرة تاج أوراق وسندات عمليات صيرفة تشيس مانهاتن الدولية” (27).
في نوفمبر 1979 انهارت الحكومة الإيرانية المؤقتة برئاسة رئيس الوزراء بازركان حين استولى الطلبة الإيرانيون على السفارة الأمريكية واحتجزوا الرهائن، ولكن هناك المزيد حول هذه الحادثة أكثر مما هو ظاهر للعيان. فخلال عهد الحكومة المؤقتة (فبراير 1979- نوفمبر 1979) تم تنفيذ بضع عمليات هدّدتْ بعضاً من المصالح القوية جداً التي ساعدت آية الله على الوصول إلى السلطة. لقد واجه مصرف تشيس مانهاتن أزمة سيولة بوجود قروض لإيران تمت تمويلها عبر هذا المصرف تقدر ببضعة بلايين من الدولارات وضعت موضع تساؤل (28). وبرز “احتمال أن بعض هذه القروض لم يكن قانونياً وفق الدستور الإيراني” (19). يضاف إلى هذا، إن الحكومة المؤقتة ما أن وصلت إلى السلطة في فبراير 1979 حتى بدأت باتخاذ “خطوات لتسويق نفطها تسويقاً مستقلا عن كبريات شركات النفط الغربية”. وأرادت الحكومة المؤقتة أيضاً “أن يعيد مصرف تشيس مانهاتن الأصول الإيرانية التي قدرها روكفلر في العام 1978 بأكثر من بليون دولار، بينما هي وفق بعض التقديرات أعلى من ذلك بكثير”، وهو السبب الذي قد يكون “خلق أزمة سيولة لمصرف كان يعاني آنذاك من متاعب مالية” (30).
ومع احتلال السفارة الأمريكية في إيران، اتخذ الرئيس كارتر خطوات لتجميد الأصول المالية الإيرانية. وفعل هذا التجميد فعله كما جاء في كتاب ديفيد روكفلر حيث كتب:” قدم تجميد كارتر للإصول الإيرانية الرسمية حماية لموقفنا (موقف مصرف تشيس مانهاتن)، ولكن لم يلعب أحد في المصرف دوراً في إقناع الحكومة الأمريكية بالقيام بهذا” (31).
في فبراير من العام 1979 اتخذت إيران “خطوات لتسويق نفطها تسويقاً مستقلا عن كبريات شركات النفط الغربية. وفي هذا العام، كما في العام 1953، جعل تجميد الأصول الإيرانية هذه الخطوات المستقلة أكثر صعوبة” (32). وكان هذا التجميد مهماً لمصرف تشيس مانهاتن، ليس بسبب مجرد التشابك الوثيق بين مجلس إدارة المصرف ومجالس إدارة الشركات النفطية، ناهيك عن روكفلر ذاته الذي هو أب العائلة التي يرادف اسمها النفط، بل أيضاً لأن المصرف يحتكر إدارة كل رسائل الإئتمان لشراء النفط الإيراني (33).
وفاقم قبول دخول الشاه إلى الولايات المتحدة تحت ضغط علني من قبل هنري كيسنجر وبريزنسكي وديفيد روكفلر أزمة الرهائن التي بدأت في 4 نوفمبر. وبعدها بعشرة أيام جمّد كارتر كل الأصول الإيرانية في المصارف الأمريكية بناءاً على نصيحة وزيره للخزانة وليم ملر، وتصادف إن لدى ملر روابط مع مصرف تشيس مانهاتن.
ورغم استفادة تشيس مانهاتن مباشرة من الاستيلاء على الأرصدة الإيرانية، إلا أن التفكير وراء الاستيلاء، كما الأحداث التي قادت إليه أيضاً، مثل الدور الأنجلو-أمريكي الخفي وراء الثورة الإيرانية الذي جاء بالشاه إلى أمريكا مما كثف من أزمة الرهائن، لايمكن أن يحال ببساطة إلى فوائد شخصية لمصرف تشيس مانهاتن. لقد كانت وراء هذه الأزمة مخططات أكبر. ولهذا لايمكن أن تؤخذ أزمة العام 1979 في إيران ببساطة على أنها إجراء ارتجالي ابن لحظته، بل يجب أن ينظر إليها على أنها أفعال عاجلة اتخذت بناء على تصور لفرصة واعدة. وكانت الفرصة بروز السخط على الشاه داخل إيران؛ لقد كانت هذه الأفعال العجولة تدفع بالبلاد سّراً إلى الثورة.
في العام 1979 “مع تقييد وصول إيران إلى السوق النفطي العالمي تقييدا فعالا، أصبح تجميد الأصول عاملا مؤثراً في زيادات أسعار النفط الهائلة بين العامين 1979 و 1981″ (35).
يضاف إلى هذا إن شركة النفط البريطانية ألغت في العام 1979 عقوداً نفطية كبيرة لتوريد النفط، وهو مادفع سعر النفط، إلى جانب الإلغاءات التي قامت بها شركة شل، إلى مستويات أعلى (36).
لقد أجبر أول ارتفاع كبير لأسعار النفط في العام 1973 (حث عليه وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر) دول العالم الثالث على الإقتراض من الولايات المتحدة والمصارف الأوروبية قروضا ثقيلة. ومع صدمات سعر النفط الثانية في العام 1979، رفع مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي تحت رئاسة مديره الجديد بول فولكر معدلات الفائدة رفعا دراماتيكيا من 2% في أواخر السبعينات إلى 18% في أوائل الثمانينات، وبول فولكر هذا هو ذاته الذي سبق له أن عمل موظفاً في مصرف تشيس مانهاتن تحت إدارة ديفيد روكفلر.
ولأن الأمم النامية لاتستطيع تحمل دفع فوائد مثل هذه مضافا إليها قروضها، انتشرت في الثمانينات أزمة الديون في مختلف أنحاء العالم الثالث، وتقدم صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي للإنقاذ، مع برامجهما المسماة “برامج إعادة الهيكلة”، تلك التي ضمنت السيطرة الغربية على إقتصاديات العالم النامي (37).
لقد ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية سرّاً حكومة إسلامية راديكالية على الوصول إلى السلطة في إيران، “مركز قوس الأزمة”، ثم أثارت مباشرة بعد ذلك نزاعاً وحرباً في المنطقة. في إبريل 1980، قبل أن يغزو العراق إيران بخمسة أشهر، صرح زبغنيو بريزنسكي علناً بالإستعداد الأمريكي للعمل جنباً إلى جنب مع العراق بشكل وثيق. وقبل الحرب بشهرين، التقى بصدام حسين في الأردن حيث قدم دعمه لإثارة عدم الاستقرار في إيران (38). وإثناء وجود صدام في الأردن، عقد هذا اجتماعاً مع ثلاثة من كبار عملاء السي. آي. إيه أعد له الملك الأردني حسين، ثم ذهب للإجتماع مع ملك العربية السعودية فهد، وأعلمه بخططه لغزو إيران، وبعدها التقى بأمير الكويت ليعلمه بالأمر نفسه. وبهذا حصل على دعم أمريكي وعلى تمويل وتسليح من البلدان العربية المصدرة للنفط. وكانت الأسلحة تمرر إلى العراق عبر الأردن والعربية السعودية والكويت (39). واستمرت الحرب حتى العام 1988، وأنتجت أكثر من مليون قتيل.
وكان هذا هو بروز “استراتيجية التوتر” في ” قوس الأزمة”، وبخاصة الدعم السّري (سواء كان تسليحاً أو تدريباً أو تمويلا) للعناصر الإسلامية الراديكالية لإثارة العنف والنزاع في منطقة. لقد كان هذا هو التكتيك الإمبريالي القديم ذاته؛ “التقسيم والغزو”: ضع الناس ضد بعضهم البعض حتى لايستطيعوا تجميع قواهم ضد القوة الإمبريالية. وسيوفر هذا العنف والراديكالية الإسلامية إضافة إلى هذا، الذريعة التي تمكن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الإمبرياليين من الإنخراط في الحرب وإحتلال المنطقة، وفي كل الحالات، تأمين مصالحها الإقتصادية والاستراتيجية الواسعة.
“قوس الأزمة” في أفغانستان: نادي السفاري يعمل

في العام 1978 أثارت حكومة “طراقي” في أفغانستان غضب الولايات المتحدة الأمريكية بسبب “سياستها الإقتصادية القائمة على المساواة والعمل الجماعي” (40)، وتم تصوير الحكومة الأفغانية في الغرب على نطاق واسع كحكومة “شيوعية”، وبهذا هي تهديد للأمن القومي الأمريكي. ولكن الحكومة الأفغانية كانت تنتهج سياسات وعلاقات صديقة مع الاتحاد السوفياتي، ولم تكن حكومة شيوعية.
الحقيقة هي إنه مع وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة في العام 1978، بدأت الولايات المتحدة فوراً تقريبا بتمويل جماعات متمردة عبر السي. آي. إيه سرّا (41). وفي العام 1979 عمل زبغنيو بريزنسكي مع مساعده من السي. آي. إيه، روبرت غيتس (وزير الدفاع الحالي) على إحداث إنتقالة في سياسة كارتر الإسلامية. وهذا هو ماقاله بريزنسكي في العام 1998 في لقاء مع مطبوعة فرنسية:
” وفق رواية التاريخ الرسمية، بدأت مساعدة السي. آي. إيه للمجاهدين خلال العام 1980، أي بعد أن غزا الجيش السوفياتي أفغانستان في ديسمبر من العام 1979، ولكن الحقيقة المحمية كسرّ حتى الآن أمر مختلف تماماً؛ الحق أن الرئيس كارتر صادق على توجيه بالمساعدات السرية لخصوم النظام الموالي للسوفيات في كابول في 3 تموز 1979. وفي ذلك اليوم بالذات كتبت مذكرة إلى الرئيس شرحت له فيها أن هذه المساعدات كما أراها ستستفز تدخلا سوفياتيا عسكرياً” (42).
وتوسع بريزنسكي قائلا أنه “نظرا لمعرفته بتزايد احتمال قيام السوفيات بالغزو”، يتذكر أنه كتب إلى كارتر في يوم غزو السوفيات ” بأن لدينا الفرصة الآن لإعطاء السوفيات حرب فيتنام خاصة بهم. وبالفعل كان على موسكو أن تقوم بحرب طيلة عشر سنوات تقريباً لايمكن دعمها من قبل الحكومة، ونزاع تسبب في إفقاد الإمبراطورية السوفياتية معنوياتها وانهيارها أخيراً”.
وحين سألته المطبوعة عن التبعات اللاحقة لدعم مثل هذا في رعاية ظهور الأصولية الإسلامية، أجاب بريزنسكي قائلا ” ماهو أكثر أهمية لتاريخ العالم؟ طالبان أم انهيار الاتحاد السوفياتي؟ بعض المسلمين الهائجين أم تحرير أوروبا ونهاية الحرب الباردة؟” (43).
ومثلما أشار الكاتب بيتر ديل سكوت في كتابه “الطريق إلى 11/9 “:
“كان شكل الإسلام المهيمن في أفغانستان وجمهوريات الاتحاد السوفياتي صوفياً ومحلي الطابع، وكان معنى القرار بالعمل مع المخابرات السعودية والباكستانية إنفاق ملايين الدولارات من السي. آي. إيه والسعودية على برامج ستساهم في نهاية المطاف في تعزيز الجهادية العالمية والوهابية المرتبطة اليوم بـ “القاعدة” (44).
في سبتمبر من العام 1979، نظم حفظ الله أمين، المسؤول الرفيع المستوى في حكومة طراقي، والمصنف كما يعتقد الكثيرون على أنه أحد عملاء السي. آي. إيه، انقلاباً، و”أعدم طراقي، وأوقف الإصلاحات، وقتل أوسجن أو نفى آلافا من أنصار طراقي، وهو يقوم بنقلة لإقامة دولة إسلامية أصولية. ولكن خلال شهرين أطاحت به العناصر الباقية من الحزب الديموقراطي الشعبي PDP ، بما فيهم عناصر من داخل الجيش” (45).
وتدخل السوفيات لاستبدال أمين الذي نظر إليه بوصفه شخصاً “متطرفاً لايمكن التنبؤ بتصرفاته”، ووضع في محله بارباك كارمال الأكثر اعتدالا. (46).
وهكذا حث الغزو السوفياتي مؤسسة الأمن القومي الأمريكي على القيام بأكبر عملية سرّية في التاريخ. وحين حل رونالد ريغان محل جيمي كارتر في العام 1981، لم تتواصل فقط مساعدة المجاهدين الأفغان على الطريق الذي رسمه بريزنسكي، بل تسارع التعجيل بها، كما تسارع التعجيل بالاستراتيجية الشاملة في “قوس الأزمة”.
حين أصبح ريغان رئيساً، أصبح نائبه جورج هـ. دبليو. بوش الذي ساهم، خلال منصبه كرئيس للسي. آي. إيه في عهد حكومة فورد، في إنشاء شبكة نادي السفاري الاستخبارية ومصرف الإئتمان والتجارة الدولي (BCCI) في باكستان. وكان هذا المصرف “قد برز بروزا واضحاً في حملة مساعدة تمويل الأفغان كأصل من أصول المخابرات الأمريكية”. وبدأ وليم كيسي رئيس السي. آي. إيه ” باستخدام الخارج (السعوديين والباكستانين وهذا المصرف) للحصول على مالايستطيعون الحصول عليه عن طريق الكونغرس، وكان لدى آبيدي، مدير المصرف الباكستاني، المال لتقديم المساعدة”. وأجرى رئيس السي. آي. إيه “لقاءات متواصلة” مع مدير المصرف (47).
وهكذا عمل وليم كيسي في العام 1981 مع الأمير السعودي تركي الفيصل، الذي كان يدير المخابرات السعودية (GID)، ومع المخابرات الباكستانية (ISI) ” على خلق فيلق أجنبي من الجهاديين المسلمين أو من يدعون “الإفغان العرب”. وهي الفكرة التي تعود في أصولها إلى نخبة نادي السفاري التي أنشأها رئيس المخابرات الفرنسية الكسندر مارينشيه” (48).
وفي العام 1986 ساندت السي. آي. إيه خطة للمخابرات الباكستانية “لتجنيد أناس من مختلف أنحاء العالم لينضموا إلى الجهاد الأفغاني” وتبعاً لذلك:
تم تدريب أكثر من 100،000 مقاتل في باكستان بين العامين 1986 و 1992، في معسكرات أشرفت عليها السي. آي. إيه والمخابرات البريطانية M16 ، مع القوات البريطانية الخاصة التي قامت بتدريب من سيكونون مقاتلي القاعدة وطالبان على صناعة المتفجرات والفنون السوداء الأخرى. وكان قادتهم قد تدربوا في معسكر للسي. آي. إيه في فيرجينيا. ودعيت العملية باسم “عملية الإعصار”، وتواصلت زمناً طويلا بعد أن انسحب السوفيات في العام 1989(49).
وكان تمويل السي. آي. إيه للعمليات “يمرّ عبر الجنرال ضياء والمخابرات الباكستانية في باكستان” (50).وإنه لأمر ذو دلالة أن روبرت غيتس الذي خدم سابقاً كمساعد لبريزنسكي في مجلس الأمن القومي، ظل في حكومة ريغان- بوش كمساعد تنفيذي لرئيس السي. آي. إيه وليم كيسي، والذي هو الآن وزير للدفاع.
السي. آي. إيه وتجارة المخدرات العالمية

كواجهة مركزية لتمويل وتدريب المجاهدين الأفغان سرّاً، أصبح دور تجارة المخدرات لايقدر بثمن. وكانت الإمبراطوريات تستخدم تجارة المخدرات العالمية منذ وقت طويل في تمويل وإذكاء النزاعات بهدف تسهيل الهيمنة الإمبريالية.
في العام 1773 أنشأ الحاكم البريطاني الاستعماري في البنغال ” احتكاراً اسعمارياً لبيع الأفيون” كما أوضح ألفريد دبليو. ماكوي في كتابه “سياسات الهيروين”:
ومع توسيع شركة الهند الشرقية لانتاجها، أصبح الأفيون على رأس الصادرات الهندية. وطيلة المئة والثلاثين عاماً اللاحقة، عززت بريطانيا تصدير الأفيون الهندي إلى الصين، متحدية قوانين المخدرات الصينية، وخاضت حربين لفتح سوق الأفيون الصيني أمام تجارها. ولعبت بريطانيا، باستخدام قواتها العسكرية والتجارية، دوراً مركزياً في تحويل الصين إلى سوق مخدرات واسع، وفي زيادة زراعة الأفيون في أرجاء الصين. ومع العام 1900، كان لدى الصين 13 مليون ونصف المليون مدمن على المخدرات يستهلكون 39 ألف طن من الأفيون (51).
وفي أربعينات وخمسينات القرن العشرين، مكنت المخابرات الفرنسية في الهند الصينية “تجارة الأفيون من التغلب على محاولات الحكومة قمعها”. ولاحقاً “ساعدت أنشطة السي. آي. إيه في بورما على تحويل دويلات “شان” من منطقة زراعة محدودة لزهرة الخشخاش إلى الأكبر بين مناطق زراعة الأفيون في العالم” (52). وفعلت السي. آي. إيه هذا لدعم جيش الكومنتانغ (KMT) في بورما من أجل غزو الصين، وتسهيل احتكاره لتجارة الأفيون وتوسيعها، مما سمح لهذا الجيش بالبقاء في بورما حتى انقلاب العام 1961 الذي طرد على إثره إلى لاوس وتايلند (53). ولاحقا لعبت السي. آي. إيه دوراً كبيراً جداً في تسهيل تجارة المخدرات في لاوس وفيتنام طيلة الستينات وصولا إلى السبعينات من القرن الماضي (54).
ولم “تتحول آسيا الوسطى من منطقة إنتاج ذاتي للأفيون إلى مورد كبير للهيروين إلى السوق العالمي إلا في ثمانينات القرن العشرين على يد حرب السي. آي. إيه السرية في أفغانستان” بالطريقة التالية:
حتى أواخر سبعينات القرن العشرين، كان المزارعون القبليون في مرتفعات أفغانستان وباكستان يزرعون كميات محدودة من الأفيون يبيعونها لتجار القوافل المتجهة غرباً إلى إيران وشرقي الهند. وخلال عقد من حربها السرية على الاحتلال السوفياتي، وفرت السي. آي. إيه الحماية السياسية والمواصلات اللوجستية التي ربطت حقول زهرة الخشخاش الأفغانية بأسواق الهيروين في أوروبا وأمريكا (55).
في العام 1977 قام الجنرال ضياء الحق في باكستان بانقلاب عسكري، و”فرض نظاماً عسكرياً وحشياً” وأعدم الرئيس السابق ذو الفقار علي بوتو (والد بنازير بوتو). وكانت المخابرات الباكستانية، حين وصل ضياء إلى السلطة، “وحدة مخابرات عسكرية صغيرة”، ولكن تحت “نصيحة وبمساعدة السي. آي. إيه” حوّل الجنرال ضياء المخابرات الباكستانية إلى “وحدة سرية بالغة القوة، وجعلها الذراع القوي لنظامه العسكري” (56).
ولم تتدفق أموال السي. آي. إيه والسعودية على تسليح المجاهدين وتدريبهم فقط، بل على تجارة المخدرات أيضاً. وعين الرئيس الباكستاني ضياء الحق، فضل الحق كحاكم عسكري للمقاطعة الباكستانية الشمالية الغربية، وسيتعاون هذا مع “بريزنسكي على إنشاء برنامج مقاومة أفغاني”، وسيصبح أصلا من أصول السي. آي. إيه. وحين احتاج رئيسها وليم كيسي ونائب الرئيس جورج هـ. دبيلو. بوش إلى مراجعة عمليات السي. آي. إيه الأفغانية، ذهبا لرؤية هذا الجنرال، والذي كان يعتبره الانتربول في العام 1981 مهرب مخدرات دولياً. ونقل هذا الجنرال الكثير من أموال المخدرات عبر مصرف الإئتمان والتجارة الباكستاني (57).
في مايو 1979، قبل الغزو السوفياتي لأفغانستان، اجتمع وفد من السي. آي. إيه بقادة المقاومة الأفغانية في لقاء نظمته المخابرات الباكستانية. وفي هذا الاجتماع “عرضت المخابرات الباكستانية على الوفد الأمريكي تحالفاً مع عميلها الأفغاني غولبودن حكمتيار” الذي كان يقود فريق عصابات صغير. وقبلت السي. آي. إيه. وطيلة العقد اللاحق، ذهبت نصف مساعدات السي. آي. إيه إلى عصابات حكمتيار (58). وأصبح حكمتيار أمير مجاهدي المخدرات البارز في أفغانستان، وأنشأ “مجمعاً يحتوي على ستة مختبرات لصناعة الهيروين في منطقة تسيطر عليها المخابرات الباكستانية في مقاطعة بلوشستان الباكستانية” (59).
وتبعاً لذلك، وخلال الثمانينات، وبالتمفصل مع العربية السعودية، أعطت الولايات المتحدة حكمتيار أسلحة بقيمة تزيد قيمتها على مليار دولار. وبعد ذلك مباشرة بدأ الأفيون يتدفق من أفغانستان على أمريكا. ومع العام 1980، ارتفع عدد الوفيات الناجمة عن تعاطي الأفيون في نيويورك إلى 77%، عما كان عليه في العام 1979(60). ومع العام 1980، زود أمراء المخدرات في أفغانستان وباكستان أمريكا بما نسبته 60% من الهيروين الذي يصل إليها. وكانت الشاحنات تذهب إلى أفغانستان محملة بأسلحة السي. آي. إيه من باكستان، وتعود محملة بالهيروين ” تحميها من الشرطة أذونات المخابرات الباكستانية” (61).
فضل الحق، عميل السي. آي. إيه في باكستان، كان يدير أيضاً تجارة مخدرات “ينخرط فيها انخراطاً تاماً مصرف الإئتمان والتجارة الباكستاني”. وفي الثمانينات أصرت السي. آي. إيه على ان تنشئ المخابرات الباكستانية “خلية خاصة لاستخدام الهيروين في العمليات السرية”. وبتفصيل أكثر:
عززت هذه الخلية زراعة زهرة الخشخاش وتصنيع الهيروين في الأراضي الباكستانية، كما في الأراضي الأفغانية التي يسيطر عليها المجاهدون، كي يتم تهريبها إلى المناطق التي يسيطر عليها السوفيات لجعل القوات السوفياتية تدمن على الهيروين (62).ويرجع أصل هذه الخطة في الواقع إلى اقتراح من رئيس المخابرات الفرنسية مؤسس نادي السفاري الكسندر دي مارينشيه، وهو الذي أوحى بها لرئيس السي. آي. إيه وليم كيسي (63).
أحد البرامج التي نفذتها السي. آي. إيه في الثمانينات كان برنامج تمويل دعاية المجاهدين في الكتب المدرسية التي تدرس في المدارس الأفغانية. وأعطت الولايات المتحدة المجاهدين 43 مليون دولار كمساعدة غير عسكرية من أجل مشروع الكتب المدرسية وحده الذي نفذته وكالة التنمية الأمريكية (USAID)، وخلال عملها على المشروع “نسقت الوكالة عملها مع السي. آي. إيه التي تدير برنامج الأسلحة”. و” طلبت الحكومة الأمريكية من وكالة التنمية أن تترك لزعماء الحرب الأفغان وضع المنهاج المدرسي ومحتوى الكتب المدرسية” (64). وكانت هذه الكتب المدرسية “محتشدة بصور عنيفة وتعاليم المقاتلين الاسلاميين” و” كلام عن الجهاد ورسوم للبنادق والرصاص والجنود والألغام”. وظلت هذه الكتب منذ الحرب السرية في الثمانينات، وما بعدها “نواة منهج ونظام التعليم في المدارس الأفغانية. وحتى طالبان استخدمت الكتب المنتجة أمريكياً”. هذه الكتب وضعتها “جامعة نبراسكا ومركزها للدراسات الأفغانية” بمنحة من وكالة التنمية الأمريكية. وحين تم تهريب هذه الكتب إلى أفغانستان بوساطة قادة المناطق العسكرية، ” كان الأطفال يتعلمون حساب الأعداد وفق صور إيضاحية للدبابات والصواريخ والألغام الأرضية”، وأوقفت وكالة التنمية هذا التمويل في العام 1994 (65).
ظهور طالبان

حين انسحب السوفيات من أفغانستان في العام 1989، تواصل القتال بين الحكومة الأفغانية المدعومة من قبل السوفيات وبين المجاهدين المدعومين من قبل الولايات المتحدة والعربية السعودية وباكستان. وحين انهار الاتحاد السوفياتي في العام 1991، انهارت معه مساعدته للحكومة الأفغانية أيضاً التي هي ذاتها تمت الإطاحة بها في العام 1992. ولكن القتال سرعان ما نشب فوراً بين العصابات المتنافسة الساعية إلى السلطة، بما في ذلك عصابة حكمتيار.
في أوائل العام 1990، كانت جماعة غامضة من “البشتون الأفغان” قد أصبحت قوة عسكرية وسياسية متمكنة في أفغانستان، عرفت باسم طالبان (66). ” ظهرت طالبان على السطح كقوة ميليشيا صغيرة عاملة بالقرب من مدينة قندهار خلال ربيع وصيف العام 1994، تشن هجمات ذكية على أمراء الحرب الصغار”، وتنامت شهرة طالبان بالتوازي مع تنامي الاستياء من أمراء الحرب (67). كانت طالبان تحظى بتحالف مع المخابرات الباكستانية، وتنامت العلاقة بين الطرفين طيلة العام 1995، وأصبحت ” أقرب فأقرب إلى ماهو أكثر من تحالف عسكري مباشر”. وأخيراً أصبحت طالبان “أصلا استثمارياً للمخابرات الباكستانية و ” وكيلا الجيش الباكستاني” (68). وأكثر من ذلك، دعمت الولايات المتحدة طالبان سياسياً بوساطة حليفيها، باكستان والسعودية بين العامين 1994 و 1995، وبخاصة وأن واشنطن رأت في طالبان طرفاً معادياً لإيران ومعاديا للشيعة وموالياً للغرب” (69).وفي مؤتمر في الهند قال سيلج هاريسون، الباحث في مركز أبحاث ودرو ويلسون الدولي، وأحد الخبراء الأمريكيين بجنوب آسيا، إن السي. آي. إيه عملت مع باكستان على خلق طالبان. ولهاريسون هذا “علاقات وثيقة” بالسي. آي. إيه، وكانت له “اجتماعات مع السي. آي. إيه في الوقت الذي كانت فيه القوى الإسلامية تزداد قوة في أفغانستان”، حين كان مساعداً رفيع المستوى في معهد كارنيجي الدولي للسلام. وكما كشف في العام 2001، “لاتزال السي. آي. إيه على علاقة وثيقة بالمخابرات الباكستانية” (70). ومع العام 1996، سيطرت طالبان على قندهار، بينما كان القتال يتواصل وكذلك عدم الاستقرار في البلد.
أسامة و “القاعدة”

بين العامين 1980 و1989، تم تمرير ما يقارب 600 مليون دولار عبر منظمات أسامة بن لادن الخيرية الأمامية، وتحديداً “مكتب الخدمات” المعروف باسم الكفاح، وكان مصدر غالبية هذه الأموال متبرعون أثرياء في العربية السعودية ومناطق أخرى في الخليج، ومرت هذه الأموال عبر مكاتبه الخيرية لتسليح المجاهدين في أفغانستان (71). وكانت القوات البريطانية الخاصة (SAS) في الثمانينات تدرب المجاهدين في أفغانستان وفي معسكرات سرية في اسكوتلندا أيضاً. وهي قوات تتلقى أوامرها مباشرة من السي. آي. إيه، وكانت هذه الأخيرة تبدأ في هذه الفترة أيضاً بتسليح أسامة بن لادن (72).
وشاركت المخابرات الباكستانية في تغذية مكتب خدمات بن لادن (73). وكانت تقارير قد ذكرت أن أسامة بن لادن جندته السي. آي. إيه في اسطنبول في العام 1979، وحظي بدعم وثيق من قبل صديقه رئيس المخابرات السعودية الأمير تركي الفيصل، وأقام علاقات وثيقة مع حكمتيار في باكستان أيضاً (74). وكلاهما كان شخصية محورية في نادي السفاري- السي. آي إيه. وبين العامين 1980 و1985، كان الجنرال أخطار عبد الرحمن، رئيس المخابرات الباكستانية، يجتمع بابن لادن اجتماعات منتظمة في باكستان، ودخلا في شراكة طلب فرض ضريبة على تجارة أفيون أمراء الحرب. ولهذا مع العام 1985، كان بن لادن والمخابرات الباكستانية يحصلان على أرباح تزيد على 100 مليون دولار كل عام (75). وصرح شقيق بن لادن، سالم، في العام 1985، أن أسامة كان “حلقة وصل بين الولايات المتحدة والحكومة السعودية والمتمردين الأفغان” (76).
في العام 1988 ناقش بن لادن مسألة “إنشاء مجموعة عسكرية جديدة” وهي التي ستعرف ياسم “القاعدة” (77). وقام مكتب الخدمات التابع له (والذي سيشكل في نهاية المطاف “القاعدة”) بتأسيس مركز الكفاح في بروكلين، نيويورك، لتجنيد المسلمين للجهاد ضد السوفيات. وتم تأسيس مكتب الكفاح هذا في أواخر الثمانينات بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية التي وفرت تأشيرات الدخول لارهابيين معروفين مرتبطين بهذه المنظمة، بما في ذلك علي محمد، والشيخ الأعمى عمر عبد الرحمن، وربما خاطف الطائرات الرئيسي في 11/9 محمد عطا (78).
وترافق هذا مع خلق القاعدة التي كان مركز الكفاح جبهة تجنيدها، و” سمح لمقاتلي القاعدة بدخول الولايات المتحدة للتدريب تحت برنامج تأشيرات خاص”. ولكن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) كان يراقب تدريبات الإرهابيين “وتوقف عن مراقبتهم في خريف العام 1989″. وفي العام 1990 منحت السي. آي. إيه تأشيرة دخول للشيخ عمر عبد الرحمن للمجيء وإدارة مركز الكفاح، والذي كان يعتبر شخصاً لايمكن “المساس به” لكونه يحظى بحماية مالايقل عن ثلاث جهات، بما فيها وزارة الخارجية ووكالة الأمن الوطني (NSA) والسي. آي. إيه (79).
كتب روبن كوك، النائب ووزير الخارجية البريطاني السابق، أن القاعدة” وتعني حرفياً “قاعدة بيانات” كانت في الأصل ملف كومبيوتر يحتوي على أسماء آلاف المجاهدين الذين جندوا وتدربوا بمساعدة من السي. آي. إيه لهزيمة الروس” (80). ومن هنا فقد ولدت القاعدة كأداة بيد وكالات المخابرات الغربية. وعزز هذه المعلومات عن القاعدة أكثر، عميل للمخابرات الفرنسية صرح “أنه في منتصف الثمانينات كانت “القاعدة” قاعدة بيانات”، وظلت كذلك حتى التسعينات. وعبر عن قناعته بأن ” القاعدة لم تكن مجموعة إرهابية ولا ملكية شخصية لابن لادن”، وأكثر من ذلك:
الحقيقة هي انه لاوجود لجيش إسلامي أو جماعة إرهابية تدعى القاعدة، ويعرف هذا كل ضابط مخابرات مطلع. ولكن هناك حملة دعائية لجعل الجمهور العام يؤمن بوجود كينونة ذات هوية تمثل “الشيطان”، فقط لدفع “مشاهدي التلفاز” إلى قبول قيادة دولية موحدة للحرب ضد الإرهاب. والبلد الذي يقف وراء هذه الحملة الدعائية هي الولايات المتحدة الأمريكية، والجماعات المساندة لحرب الولايات المتحدة على الإرهاب غير معنية إلا بكسب الأموال” (81).
وهكذا تم تسهيل خلق “القاعدة” على يد السي. آي. إيه وشبكات المخابرات الحليفة، والهدف كان الإبقاء على قاعدة بيانات المجاهدين لاستخدامها كأصول استثمارية للمخابرات من أجل تحقيق أهداف سياسة الولايات المتحدة الخارجية، خلال الحرب الباردة، وخلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة، مرحلة “نظام عالمي جديد”.
الجزء الثاني من هذه الدراسة سيأخذ القاريء إلى قراءة فاحصة للإستراتيجية الإمبريالية الجديدة التي وضعها استراتجيو الجغرافية- السياسية الأمريكيون مع نهاية الحرب الباردة، والمصممة من أجل أن تحافظ أمريكا على سيطرتها على موارد العالم، ومنع بروز قوة منافسة. وفي هذه الاستراتيجية، وعلى نحو سرّي، أصبحت “قاعدة البيانات” (القاعدة) مركزية في هذه العملية لأنه تم استخدامها لتحقيق الأهداف الأمريكية في مختلف المناطق، مثل استخدامها في تفكيك يوغوسلافيا.
ويتمعن الجزء الثاني أيضاً في الطبيعة الدقيقة للقاعدة؛ في أصولها ومصطلحاتها وتدريباتها وتسليحها وتمويلها وتوسعها. وستكون موضع تركيز، على وجه الخصوص، أدوار وكالات المخابرات الغربية في إنشاء وتوسيع القاعدة. وأخيرا هنالك تحليل للإستعداد للحرب في أفغانستان لإلقاء ضوء على الطموحات الجغرافية-السياسية وراء النزاع المتواصل منذ تسع سنوات تقريبا حتى الآن.

الإرهاب بوجه إنساني: تاريخ فرق الموت الأمريكية تأسيس فرق الموت في العراق وسورية—-البروفيسور مايكل شوسودوفسكي

المميز

يعتبر توظيف فرق الموت جزءاً من الخطة الاستخبارية-العسكرية المحكمة للولايات المتحدة الأمريكية. فتاريخ الولايات المتحدة الطويل والرهيب في التمويل السري ودعم كتائب الموت والاغتيالات المستهدفة تعود إلى الحرب الفيتنامية.

وفيما تستمر القوات الحكومية في التصدي لما يسمى “الجيش السوري الحر”، فإنه من الواجب فضح الجذور التاريخية لحرب الغرب السرية ضد سورية والتي تضمنت فظائع لا حصر لها.

فمنذ البداية في آذار/مارس 2011، دعمت الولايات المتحدة وحلفاءها تشكيل فرق الموت واختراق صفوف الكتائب الإرهابية في عملية خطط لها بعناية.

وقد صممت عمليات تشكيل وتدريب كتائب الإرهاب في كل من العراق وسورية على غرار “الخيار السلفادوري”، وهو “نموذج إرهابي” لعمليات قتل جماعية تنفذها فرق للموت كانت ترعاها الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى. وقد طبقت بداية في السلفادور، في أوج المقاومة ضد الديكتاتورية العسكرية هناك،
وأسفرت عن مقتل ما يقارب 75,000 شخصاً.

ويأتي تشكيل فرق الموت في سورية استمراراً تاريخياً لما فعلته الولايات المتحدة في العراق، وبناءاً على خبرتها في رعاية كتائب الإرهاب هناك في إطار برنامج البنتاغون لـ “مكافحة التمرد”.

تأسيس فرق الموت في العراق

بدء تأسيس فرق الموت في العراق خلال الأعوام 2004 – 2005 بمبادرة قادها السفير الأمريكي جون نيغروبونتي [الصورة: يسار] الذي أُرسِل إلى بغداد من قبل وزارة الخارجية الأمريكية في حزيران/يونيو 2004.

كان نيغروبونتي “الرجل المناسب للمهمة”. فبصفته سفيراً للولايات المتحدة في هندوراس ما بين 1981 – 1985، لعب الرجل دوراً رئيساً في دعم وتوجيه عصابات الكونتراس النيكاراغوية المقيمة في هندوراس، وكذلك الإشراف على فرق الموت الهندوراسية.

“في ظل حكم الجنرال غوستافو ألفاريز مارتينيز، كانت الحكومة العسكرية في هندوراس حليفاً مقرباً من إدارة ريغان، وكانت ضالعة في “إختفاء” العشرات من المعارضين السياسيين باتباع الأساليب التقليدية لفرق الموت.”

في كانون الأول/يناير 2005، أعلن البنتاغون بأنه يدرس:

“تشكيل قوات ضاربة من المقاتلين الأكراد والشيعة لاستهداف قادة التمرد [المقاومة] في نقلة نوعية تحاكي جهود مكافحة رجال العصابات اليساريين في أمريكا الوسطى قبل عشرين عاماً“.

ففي إطار ما سمي “الخيار السلفادوري”، ستكلف القوات العراقية والأمريكية باختطاف وقتل قادة التمرد، بل وحتى مطاردتهم في سورية، حيث كان بعضهم يقيمون كلاجئين.

ونظراً لما كانت تثيره أعمال فرق الموت تلك من حساسيات، فإن معظمها سيبقى طي الكتمان.

إن تجربة “فرق الموت” في أمريكا الوسطى تظل مؤلمة للكثيرين حتى يومنا هذا، وقد ألحقت العار بصورة الولايات المتحدة في المنطقة.

فوقتئذ، مولت إدارة ريغان ودرَّبت فرقاً من القوى القومية المتطرفة للقضاء على قادة الثوار السلفادوريين والمتعاطفين معهم.

ولعب جون نيغروبونتي، السفير الأميركي في بغداد، دوراً قيادياً في تلك الأحداث عندما كان سفيراً لبلاده في الهندوراس في النصف الأول من الثمانيات.

كانت فرق الموت سمة قاسية للحياة السياسية في أمريكا اللاتينية خلال تلك الحقبة. …

وفي مطلع الثمانينات، مولت إدارة الرئيس الأمريكي ريغان وساعدت في تدريب قوات الكونتراس النيكاراغوية في هندوراس بهدف الإطاحة بالنظام السانديني هناك. وكان تسليح قوات الكونتراس يتم باستخدام أموال متحصلة من مبيعات غير شرعية للأسلحة إلى إيران، وهي فضيحة كادت تطيح بالسيد ريغان.

جوهر خطة البنتاغون في العراق، … كان يقوم على اتباع ذلك النموذج…

لم يكن من الواضح ما إذا كان الهدف الرئيس للمهمة يتمثل باغتيال المتمردين أم باختطافهم وسوقهم إلى الاستجواب. أية مهمة مماثلة في سورية ستنفذ على الأرجح بواسطة قوات خاصة أمريكية.

كذلك فإنه من غير الواضح الجهة التي ستتولى المسؤولية عن هذا البرنامج—البنتاغون أم وكالة المخابرات المركزية CIA. فمثل هذه العمليات السرية عادة ما تدار من قبل الـ CIA بعيداً عن الإدارة القائمة بما يمنح المسؤولين الرسميين الأمريكيين القدرة على إنكار معرفتهم بالأمر. (نشر “فرق الموت” من الطراز السلفادوري ضد المتمردين في العراق – تايمز أونلاين، كانون الثاني/يناير 2005، علامات التوكيد للكاتب)

وفيما الهدف المعلن للـ”الخيار السلفادوري في العراق” كان “القضاء على التمرد”، فإن كتائب الإرهاب المدعومة أمريكياً انخرطت في أعمال قتل روتينية للمدنيين بهدف إثارة العنف الطائفي. وبدورهما، فإن جهازي الاستخبارات الأمريكية CIA، والبريطانية MI6 كانا يراقبان عن كثب وحدات “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” المنخرطة في الاغتيالات المستهدفة للشيعة. والأمر اللافت، أن فرق الموت كانت مدمجة وتتلقى التوجيه من القوات الخاصة الأمريكية على نحو سري.

روبرت ستيفن فورد –الذي عين لاحقاً سفيراً للولايات المتحدة في سورية—كان عضواً في فريق نيغروبونتي في بغداد في العامين 2004-2005. وفي كانون الثاني/يناير 2004، عين ممثلاً للولايات المتحدة في مدينة النجف الشيعية التي كانت معقلاً قوياً لجيش المهدي، والذي بادر إلى عقد الصلات معه.

في كانون الثاني/يناير 2005، عين روبرت فورد وزيراً مستشاراً للشؤون السياسية في السفارة الأمريكية تحت قيادة السفير جون نيغروبونتي. وهو لم يكن مجرد عضو في الحلقة الضيقة لفريق السفارة، بل كان شريك نيغروبونتي في التأسيس للخيار السلفادوري. وقد تم إنجاز جزء من العمل التمهيدي في النجف قبل نقل فورد إلى بغداد.

وكُلف نيغروبونتي وفورد بتجنيد فرق الموت العراقية. وفيما قام نيغروبونتي بإدارة العمليات من مكتبه في السفارة الأمريكية، عُهِدَ إلى روبرت فورد، الذي يتقن العربية والتركية، بمهمة التأسيس لعلاقات استراتيجية مع مجموعات المليشيا الشيعية والكردية خارج “المنطقة الخضراء”.

ولعب موظفان آخران في السفارة، هنري إينشر (نائب فورد)، وموظف أصغر سناً في القسم السياسي، جيفري بيلز، دوراً هاماً في الفريق عبر “التواصل مع مجموعات من العراقيين بما في ذلك المتطرفين”. (إنظر ذا نيويوركر، 26 مارس/آذار 2007). وكان ثمة عضو مهم آخر في فريق نيغروبونتي هو جيمس فرانكلين جيفري، السفير الأمريكي في ألبانيا (2002-2004) الذي أصبح سفيراً في العراق (2010-2012).

وجلب نيغروبونتي إلى فريقه معاونه السابق الكولونيل المتقاعد جيمس ستييل الذي عمل معه في السلفادور:

في إطار الخيار السلفادوري، كان لنيغروبونتي معاوناً من زملائه أيام أمريكا الوسطى في الثمانينات، الكولونيل المتقاعد جيمس ستييل. ستييل، الذي كانت تسميته في بغداد مستشار قوات الأمن العراقية، أشرف على اختيار وتدريب أعضاء من قوات بدر وجيش المهدي، كبرى الميليشيات الشيعية في العراق، وذلك لاستهداف قيادات وشبكات دعم المقاومة التي كان يغلب عليها الطابع السني. وسواء كان ذلك مخططاً له أم لا، فقد نمت فرق الموت تلك خارج نطاق السيطرة لتصبح مصدراً رئيساً للموت في العراق.

وسواء كان ذلك مقصوداً أم لا، فإن أعداد الجثث التي تحمل آثار التعذيب والتمثيل التي كانت تلقى يومياً في شوراع بغداد كانت حصيلة لأعمال فرق الموت التي كان يديرها جون نيغروبونتي. وكان من شأن ذلك العنف الطائفي دفع العراق إلى الكارثة التي يتخبط فيها اليوم. (ضاهر جميل، إدارة التصعيد: فريق نيغروبونتي وبوش الجديد في العراق، Antiwar.com، 7 كانون الثاني/يناير، 2007)

“كان الكولونيل ستييل، طبقاً لرواية عضو الكونغرس دينيس كوسينيتش، مسؤولاً عن “خطة نُفذت في السلفادور “اختفى” أو قُتل بنتيجتها عشرات الآلاف من السلفادوريين، بمن فيهم الأسقف أوسكار روميرو وأربع راهبات أمريكيات.”

فور وصول الكولونيل ستييل إلى بغداد، عُين في وحدة مكافحة التمرد المعروفة باسم “مغاوير الشرطة الخاصة” التابعة لوزارة الداخلية العراقية. (انظر ACN ، هافانا، 14 حزيران/يونيو 2006)

وتؤكد التقارير أن “الجيش الأمريكي حول الكثيرين من المعتقلين إلى كتيبة وولف (الذئب) Wolf Brigade، الكتيبة الثانية المرهوبة الجانب في قوات المغاوير التابعة لوزارة الداخلية والتي غالباً ما يشرف عليها الكولونيل ستييل:

“كان الجنود والمستشارون الأمريكيون يقفون جانباً ولا يفعلون شيئاً،” بينما كان أفراد من كتيبة وولف يقومون بضرب وتعذيب السجناء. وقال: إن مغاوير وزارة الداخلية استولوا على مبنى المكتبة العامة في سامراء، وحولوها إلى مركز اعتقال.

ويذكر بيتر ماس إنه خلال مقابلة كان يجريها في العام 2005 في هذا السجن المرتجل، مع المستشار العسكري لكتيبة وولف، الكولونيل جيمس ستييل، سمع صراخاً رهيباً لسجين في الخارج. ويذكر أن ستييل كان يعمل كمستشار في المساعدة على سحق التمرد في السلفادور.” (المصدر ذاته)

وثمة شخص آخر سيئ السمعة لعب دوراً في البرنامج العراقي لمكافحة التمرد وهو مفوض الشرطة السابق في نيويورك بيرني كيريك [الصورة: بيرني كيريك مع حرسه الشخصي في أكاديمية الشرطة في بغداد] والذي أدين في العام 2007 من قبل المحكمة الاتحادية بـ 16 تهمة جنائية.

وقد عين كيريك من قبل إدارة بوش مع بداية الاحتلال في العام 2003 للمساعدة في تنظيم وتدريب قوات الشرطة العراقية. وخلال مهمته القصيرة، عمل بيرني كيريك—الذي اتخذ منصب وزير الداخلية الموقت—على تنظيم وحدات إرهابية داخل قوات الشرطة العراقية.

“إن كيريك الذي أرسل إلى العراق لتنظيم قوى الأمن، سرعان ما نصب نفسه كوزير مؤقت للداخلية في العراق.” وقد أطلق عليه مستشارو الشرطة البريطانيون لقب “سفاح بغداد” (سالون، 9 كانون الأول/ديسمبر، 2004)

وفي ظل قيادة نيغروبونتي في السفارة الأمريكية في بغداد، أطلقت موجة من الاغتيالات والقتل المستهدف للمدنيين. وكذلك استهدف أطباء ومهندسون وعلماء ومثقفون. المؤلف والمحلل الجيوسياسي ماكس فوللر وثَّق بالتفصيل الفظائع التي ارتكبت تحت رعاية البرنامج الأمريكي لمكافحة التمرد.

لقد أشير إلى ظهور فرق الموت لأول مرة في شهر أيار/مايو من هذا العام [2005]، … عثر على العشرات من الجثث ملقاء بدون اكتراث في مساحات خالية حول بغداد. وكان جميع الضحايا مقيدي الأيادي ومصابون بالرصاص في رؤوسهم، وظهرت على الكثيرين منهم علامات التعذيب الوحشي. …

وكان لدى رابطة العلماء المسلمين السنية البارزة ما يكفي من الأدلة الدامغة لإصدار بيان علني يتهم قولت الأمن التابعة لوزارة الداخلية وكذلك قوات بدر، الجناح العسكري السابق للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، بالوقوف وراء أعمال القتل. كما اتهمت وزارة الداخلية بممارسة إرهاب الدولة (فاينانشال تايمز).

كانت قوات مغاوير الشرطة وكتيبة وولف تخضع للبرنامج الأمريكي لمكافحة التمرد في وزارة الداخلية العراقية:

وقد تم تشكيل مغاوير الشرطة تحت وصاية وإشراف خبراء أمريكيين مخضرمين في مكافحة التمرد، ومنذ بدايتها قامت بعمليات مشتركة مع نخب سرية للغاية من الوحدات الخاصة الامريكية (رويترز، ناشينال رفيو أونلاين).

…كان جيمس ستييل من الشخصيات الرئيسة في تطوير مغاوير الشرطة الخاصة، وهو ضابط سابق في القوات الخاصة للجيش الامريكي خدم طويلاً في فيتنام قبل الانتقال لتوجيه البعثة العسكرية الأمريكية في السلفادور في ذروة الحرب الأهلية في ذلك البلد. …

كذلك كان الحال مع مساهم آخر في البرنامج، ويدعى ستيفن كاستيل والذي بصفته كبير المستشارين الأمريكيين في وزارة الداخلية، هوَّن من شأن اتهامات خطيرة وموثقة جيداً لانتهاكات مروعة لحقوق الإنسان واصفاً أياها بأنها “مجرد شائعات”. وشأن ستييل، فإن كاستيل اكتسب خبرة كبيرة في أمريكا اللاتينية من خلال مشاركته في ملاحقة بارون الكوكايين بابلو إسكابارو خلال الحرب على المخدرات في كولومبيا في التسعينات…

وتكتسب الخلفية المهنية للسيد كاستيل أهميتها لكون الدور الاسنادي الذي كان يؤديه في تجميع المعلومات الاستخبارية وإعداد قوائم الموت هو من العلامات المميزة لانخراط الولايات المتحدة في برامج مكافحة التمرد، وهو يشكل الخيط الخفي الذي يربط بين أحداث كان يمكن أن تبدو كعربدات قتل عشوائية متفرقة.

مثل هذه الإبادة المخططة مركزياً تتسق تماماً مع ما يحدث في العراق اليوم [2005] … وهي تتسق كذلك مع القليل مما نعرفه عن مغاوير الشرطة الخاصة والتي صممت لتزويد وزارة الداخلية بإمكانيات قوات المداهمة الخاصة (وزارة الدفاع الأمريكية). وتماشياً مع هذا الدور، أصبح المقر الرئيس لمغاوير الشرطة مركزاً لعمليات القيادة والسيطرة والاتصالات والكمبيوتر والاستخبارات لسائر العراق، بفضل من الولايات المتحدة. (المرجع السابق، ماكس فوللر)

وقد جرى استكمال العمل التأسيسي الذي قام به نيغروبونتي في العام 2005 تحت إشراف سلفه السفير زلماي خليل زاده. وكان على روبرت ستيفن فورد أن يضمن استمرارية العمل في المشروع قبل تعيينه سفيراً في الجزائر في العام 2006، وكذلك إبان عودته إلى بغداد كنائب رئيس البعثة في العام 2008.

سورية: “التعلم من التجربة العراقية”

لقد استخدم النموذج العراقي الشنيع للـ”الخيار السلفادوري” بإشراف السفير جون نيغروبونتي كـ”قدوة” في إنشاء كونتراس “الجيش السوري الحر”. ولا ريب في أن روبرت استيفن فورد كان منخرطاً في تنفيذ مشروع الكونتراس السورية، في أعقاب إعادة تعيينه في بغداد كنائب لرئيس البعثة في العام 2008.

كان الهدف في سورية خلق الانقسامات الطائفية بين السنة والعلويين والأكراد والمسيحيين. وفيما يختلف السياق السوري تماماً عن العراقي، فإن هناك تشابهات مذهلة فيما يتعلق بالإجراءات التي اتُبِعَت في تنفيذ أعمال القتل وغيرها من الفظائع.

ويؤكد تقرير نشر في مجلة ديرشبيغل حول الفظائع التي ارتكبت في مدينة حمص السورية حصول عمليات منظمة للقتل والإعدامات الجماعية بلا محاكمة على خلفية طائفية تقارن بتلك التي ارتكبتها فرق الموت التي كانت تديرها سلطات الاحتلال الأمريكي في العراق.

كان الناس في حمص يصنفون كـ”أسرى” (العلويون والشيعة) أو كـ”خونة”. وفئة “الخونة” هذه تضم المدنيين السنة في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون والذين يعبرون عن معارضتهم أو عدم تأييدهم لحكم إرهابيي الجيش السوري الحر:

يقول أبو رامي “منذ الصيف الفائت [2011]، أعدمنا ما يقل قليلاً عن 150 رجلاً، وهو عدد يشكل حوالي 20% من سجنائنا” ولكن الإعدامات في حمص كانت أكثر بين الخونة في صفوفهم منها بين أسرى الحرب. ويضيف المقاتل “إذا ألقينا القبض على سُنيّ يتجسس علينا أو على مواطن يخون الثورة فإننا نحسم الأمر بسرعة“. ووفقاً لما يرويه أبو رامي، فإن كتيبة الدفن التي كان يعمل فيها حسين قد نفذت الإعدام في عدد يتراوح ما بين 200 إلى 250 خائناً منذ اندلاع الانتفاضة.” (ديرشبيغل، 30 آذار/مارس 2012)

تخطيط متقدم

لا ريب في أن التحضيرات الحثيثة لعملية سورية قد انطلقت بعيد استدعاء فورد من الجزائر أواسط العام 2008 وتعيينه في السفارة الأمريكية في العراق.

وتطلب المشروع برنامجاً أولياً لتجنيد وتدرب المرتزقة. وقد أدخلت فرق موت تضم وحدات من السلفيين اللبنانيين والأردنيين عبر الحدود الجنوبية مع الأردن أواسط شهر آذار/مارس 2011. وكان الكثير من العمل التأسيسي قد أنجز قبل وصول روبرت ستيفن فورد إلى دمشق في كانون الثاني/يناير 2011.

لقد أعلن عن تعيين فورد سفيراً في سورية في وقت مبكر من العام 2010. وكانت العلاقات الدبلوماسية قد قطعت في العام 2005 عقب اغتيال رفيق الحريري، حيث أنحت واشنطن باللائمة على دمشق في ارتكابه. وكان وصول فورد إلى دمشق بالكاد قبل شهرين من اندلاع التمرد.

الجيش السوري الحر

استنسخت واشنطن في سورية الخصائص الرئيسة للطبعة العراقية من “الخيار السلفادوري”، وهو ما تمخض عن الجيش السوري الحر وفصائله الإرهابية الأخرى بما في ذلك جبهة النصرة التابعة للقاعدة.

وفيما أعلن عن قيام الجيش السوري الحر في حزيران/يونيو 2011، فإن تجنيد وتدريب المرتزقة الأجانب كان قد بدء قبل ذلك بوقت طويل.

وبأكثر من معنى، فإن الجيش السوري الحر ليس إلا مجرد ستار دخاني يقدم من جانب الإعلام الغربي على أنه كيان عسكري بريء نشأ كنتيجة لانشقاقات جماعية كبيرة عن القوات الحكومية. بيد أن أعداد المنشقين لم تكن لا كبيرة ولا كافية لتكوين بنية عسكرية متماسكة ذات إمكانيات للقيادة والسيطرة.

فالجيش السوري الحر لا يمثل كياناً عسكرياً احترافياً، بل شبكة مخلخلة من الكتائب الإرهابية، والتي تتشكل بدورها من العديد من الخلايا شبه العسكرية التي تعمل في مناطق متفرقة من البلاد.

وتعمل كل من هذه التشكيلات الإرهابية على نحو مستقل. ولا يمارس الجيش السوري الحر وظائف القيادة والسيطرة بما في ذلك التنسيق بين هذه التشكيلات المتنوعة شبه العسكرية. فهذه الوظائف إنما تمارسها القوات الخاصة وعملاء الاستخبارات التابعين للولايات المتحدة والناتو المدمجين في صفوف هذه التشكيلات الإرهابية المتفرقة.

وتتواصل هذه القوات الخاصة المنتشرة في الميدان (وأغلب عناصرها من موظفي الشركات الأمنية الخاصة) بصورة منتظمة مع وحدات القيادة التابعة للاستخبارات العسكرية للولايات المتحدة والناتو. ولا ريب في أن هذه القوات الخاصة تشارك في عمليات التفجير المخططة بعناية ضد المنشآت الحكومية والعسكرية..الخ.

تتكون فرق الموت من مرتزقة جرى تجنيدهم وتدريبهم من قبل الولايات المتحدة والناتو وحلفائهم في مجلس التعاون الخليجي. وهم يعملون تحت إشراف القوات الخاصة والشركات الأمنية الخاصة التي تعاقد معها البنتاغون والناتو. وفي هذه الصدد، تؤكد التفارير اعتقال نحو 200 – 300 من موظفي الشركات الأمنية الخاصة المدمجين في صفوف قوات التمرد.

جبهة النصرة

توصف جبهة النصرة—التي يقال بأنها ترتبط بالقاعدة—بأنها الجماعة “المعارضة” الأكثر كفاءة عسكرياً في ميادين القتال، وينسب إليها العديد من أعمال التفجير المحكمة. ومع أن جبهة النصرة تُصوَّر على أنها عدو لأمريكا (أدرجت على قائمة المنظمات الإرهابية لدى وزارة الخارجية) فإن العمليات التي نفذتها تحمل بصمات المنهجية الأمريكية للتدريب شبه العسكري على التكتيكات الإرهابية. فالفظائع التي ارتكبتها جبهة النصرة ضد المدنيين شبيهة بتلك التي نفذتها فرق الموت المدعومة أمريكياً في العراق.

وبكلمات أبو عدنان أحد قادة جبهه النصرة في حلب: “تضم جبهة النصرة في صفوفها قدامى المحاربين السوريين في العراق، وهؤلاء يحملون معهم إلى الجبهة السورية خبرات قيمة—خصوصاً في تصنيع العبوات الناسفة.”

وكما كان الحال في العراق، يجري التحريض على العنف الطائفي والتطهير العرقي بصورة حثيثة. ففي سورية، كانت الطوائف العلوية والشيعية والمسيحية أهدافاً لفرق الموت التي ترعاها أمريكا والناتو. وكانت الطوائف المسيحية على وجه الخصوص إحدى الأهداف الرئيسة لبرنامج الاغتيالات. كما توكد وكالة أخبار الفاتيكان:

مسيحيو حلب هم من بين ضحايا الموت والدمار الناتجان عن القتال الذي يدور في المدينة منذ شهور. وقد تعرضت الأحياء المسيحية في الآونة الأخيرة لضربات قوات المتمردين الذين يقاتلون ضد الجيش النظامي مما تسبب بحركة نزوح كبيرة للمدنيين.

وتقوم بعض المجموعات الشرسة في المعارضة، وبعض المجموعات الجهادية، بـ”إطلاق القذائف على مباني وبيوت المسيحيين لإجبارهم على الهرب منها واحتلالها [تطهير إثني] (وكالة فيدس. أخبار الفاتيكان، 19 تشرين الأول/أكتوبر، 2012)

“يقول الأسقف بأن المقاتلين السلفيين السنة يواصلون ارتكاب الجرائم ضد المدنيين، أو تجنيدهم قسراً. إن المتطرفين من غلاة السنة يخوضون حربهم المقدسة بكل افتخار وخاصة ضد العلويين. ولتحديد الهوية الدينية للمشتبه بهم، فإنهم قد يسألونهم أن يسلسلوا أنساباً تصل إلى النبي موسى! ويسألونهم أيضاً أن يرتلوا صلوات حذفها العلويون من طقوسهم. وليس للعلويين أي حظ للنجاة بأرواحهم في مثل هذه الحالات.” (وكالة فيدس 4/6/2012)

وتؤكد التقارير تدفق فرق الموت المرتبطة بالسلفيين والقاعدة وكذلك بالكتائب التي يرعاها الإخوان المسلمون إلى سورية منذ بداية التمرد في آذار/مارس 2011.

كذلك فإنه وعلى غرار تأسيس حركة المجاهدين لشن حرب الـCIA الجهادية أيام الصراع الأفغاني، فإن الناتو والقيادة التركية العليا أطلقتا

“حملة لتجنيد آلاف المتطوعين المسلمين في بلدان الشرق الأوسط والعالم الإسلامي للقتال إلى جانب المتمردين السوريين. وسيقوم الجيش التركي بإيواء هؤلاء المتطوعين وتدريبهم وتأمين عبورهم إلى سورية. (ديبكافايل، الناتو يزود المتمردين بأسلحة مضادة للدبابات، 14 آب/أغسطس، 2011).

شركات الأمن الخاصة وتجنيد المرتزقة

وفقاً للتقارير، تقوم شركات أمنية خاصة انطلاقاً من دول الخليج بتجنيد وتدريب المرتزقة.

وتشير التقارير إلى إنشاء معسكرات للتدريب في قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة. في مدينة زايد العسكرية “يجري إنشاء جيش سري” تحت إشراف شركة Xe Services التي كانت تعرف سابقاً بالاسم Blackwater. وكانت الصفقة لإنشاء معسكر تدريب عسكري للمرتزقة في دولة الإمارات قد وقعت في تموز/يوليو 2010، قبل تسعة شهور من نشوب الحرب في ليبيا وسورية.

وآخر التطورات في هذا الصدد قيام الشركات الأمنية المتعاقدة مع الناتو والبنتاغون بتدريب فرق الموت “المعارضة” على استخدام الأسلحة الكيماوية:

مسؤول أمريكي كبير وعدد من الدبلوماسيين البارزين أبلغوا برنامج سي إن إن صنداي الأخباري “تستخدم الولايات المتحدة وبعض حلفائها الشركات الأمنية الخاصة لتدريب المتمردين السوريين على كيفية تأمين مخزونات الأسلحة الكيماوية في سورية” (سي إن إن ريبورت، 9 كانون الأول/ديسمبر، 2012)

بيد أنه لم يكشف النقاب عن أسماء الشركات المشاركة.

خلف الأبواب المغلقة لوزارة الخارجية

كان روبرت ستيفن فورد واحداً من فريق صغير في وزارة الخارجية الأمريكية اضطلع بالإشراف على تجنيد وتدريب الكتائب الإرهابية، إلى جانب كل من دايريك شوليه وفردريك سي. هوف، شريك أعمال سابق مع ريتشارد إرميتاج، والذي عمل كمنسق واشنطن الخاص للشؤون السورية. وعين دايريك شوليه أخيراً في منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي (ISA).

وقد عمل هذا الفريق تحت قيادة المساعد (السابق) لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان.

وكان فريق فيلتمان ينسق عن كثب عمليات تجنيد وتدريب المرتزقة في تركيا وقطر والسعودية وليبيا (من باب المجاملة، أرسل النظام الذي خلف القذافي 600 عنصراً من الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى سورية عن طريق تركيا عقب سقوط حكومة القذافي في شهر أيلول/سبتمبر 2011).

مساعد وزير الخارجية فيلتمان كان على اتصال مع وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل ووزير الخارجية القطري الشيح حمد بن جاسم. وكان أيضاً مسؤولاً عن مكتب “التنسيق الأمني الخاص” حول سورية، والذي ضم ممثلين عن وكالات الاستخبارات الغربية والخليجية وكذلك عن ليبيا. وكان الأمير بندر بن سلطان، الشخصية البارزة المثيرة للجدل في الاستخبارات السعودية ضمن هذه المجموعة. (انظر برس تي في، 12 أيار/مايو، 2012).

في حزيران/يونيو 2012، عين جيفري فيلتمان [الصورة: يسار] مساعداً للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، وهو منصب استراتيجي يُعنى عملياً بصياغة جدول أعمال الأمم المتحدة (بالنيابة عن واشنطن) حول قضايا تتعلق بـ”حل النزاعات” في العديد من “النقاط الساخنة سياسياً” حول العالم (بما في ذلك الصومال، لبنان، ليبيا، سورية، اليمن، ومالي). وللسخرية المريرة، فإن البلدان التي تشكل موضوعاً لـ”حل النزاعات” بالنسبة للأمم المتحدة، هي ذاتها التي تستهدفها الولايات المتحدة بالعمليات السرية.

وبالتنسيق بين وزارة الخارجية الأمريكية والناتو ومقاوليه الخليجيين في الدوحة والرياض، فإن فيلتمان رجل واشنطن، هو من يقف وراء “مقترحات السلام” التي يحملها الأخضر الابراهيمي.

وفيما تستمر في ريائها حول مبادرة الأمم المتحدة للسلام، فإن الولايات المتحدة والناتو تعمل على تسريع عمليات تجنيد وتدريب المرتزقة لتعويض الخسائر الفادحة التي لحقت بقوات المتمردين.

إن الهدف النهائي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة في سورية ليس تغيير النظام، ولكنه تدمير سورية كدولة وطنية.

وإن تعبئة فرق الموت التابعة للـ”معارضة” لقتل المدنيين لهو جزء من هذه المهمة.

ويحظى “الإرهاب بوجه إنساني” بحماية مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والذي يمثل لسان حال “التدخل الإنساني” للناتو وفق عقيدة “مسؤولية الحماية” (R2P).

وبكل خفة، تلقى مسؤولية الفظائع التي ترتكبها فرق الموت التي يرعاها الناتو على حكومة بشار الأسد. فبحسب نافي بيلاي مفوضة مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان:

“كان بالإمكان تجنب الخسائر الهائلة في الأرواح لو أن الحكومة السورية اتخذت مساراً مختلفاً عن نهج القمع الوحشي تجاه ما كان بدايةً حركة احتجاج سلمية ومشروعة من جانب مدنيين عزل” تقرير حقوق الإنسان حول سورية: تمويه مجازر الناتو، غلوبال ريسيرتش، 3 كانون الثاني/يناير 2012)

ويتمثل “الهدف غير القابل للتصريح به” لواشنطن في تحطيم سورية كدولة ذات سيادة على أسس طائفية وعرقية وتحويلها إلى كيانات سياسية “مستقلة”.

مؤسسة ألبرت أينشتاين : اللاعنف بمفهوم جهاز المخابرات الأمريكية ” السي آي إي” بقلم تييري ميسان

المميز

إن اللاعنف، كتقنية معمول بها في الحقل السياسي، يمكن اللجوء إليها مهما اختلفت النوايا والأهداف. فلقد إتضح أن منظمة حلف الشمال الأطلسي مثلا عمدت إلى هذه التقنية خلال سنوات الثمانينات في تنظيم المقاومة داخل القارة الأوروبية إبان إغارة الجيش الاحمر. والظاهر أن ” السي آي إي ” تبنت، ومنذ خمس عشرة سنة، الأسلوب ذاته لقلب أنظمة الحكومات المتمردة دون أن يثير ذلك سخط المجتمع الدولي. وحتى يتسنى له فعل ذلك، يتوفر جهاز المخابرات السالف الذكر على واجهة إديولوجية باسم ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” ” لصاحبها الفيلسوف ’ جين شارب ’، الذي لعب دورا مهما من العراق إلى ليتوانيا مرورا بفنزويلا وأوكرانيا. ولمكافأتهم على فاعليتهم، تم تشريف أعضاء المؤسسة بترقيتين استثنائيتين، إذ فاز ’ طوماس شيلينغ ’ بجائزة نوبل للإقتصاد عام 2005 و’ بيتر أكيرمان ’ بمقعد ’جيمس وولسي ’ على رأس مؤسسة ” فريدم هاوس

إستطاع الفيلسوف ’ جين شارب ’، وهو الذي لم يكن يعرفه أحد، أن يبلور نظرية اللاعنف كسلاح سياسي. كما سهر نفسه على تكوين قادة الإنقلابات الناعمة خلال الخمسة عشر سنة الماضية، لحساب زبونين رئيسيين هما منظمة حلف الشمال الأطلسي و” السي آي إي “.
لقد تميز المسار العلمي لـ’ جين تشارب ’ بدراسته، خلال سنوات الخمسينات، لنظرية العصيان المدني لصاحبيها ’ هنري تورو ’ و ’ أمهاتما غاندي ’. فالطاعة والعصيان، في منظور الشخصيتين تلك، هما مسألتين أخلاقيتين أو دينيتين قبل أن تكونا سياسيتين. كما تعارضان قانونا فوقانيا لنظام مدني. غير أن تجسيد قناعاتهما كانت له تبعات سياسية، بحيث أن ما كانا يعتبرانه غاية في حد ذاته يمكن فهمه على أنه وسيلة فقط. لذلك يمكن إذن اعتبار العصيان المدني تقنية في العمل السياسي ، لا بل العسكري.
في العام 1983، نجح ’ جين شارب ’ في بلورة البرنامج الخاص بالعقوبات اللاعنيفة في مركز الشؤون الدولية بجامعة هافارد، حيث طور أبحاثا في العلوم الإجتماعية عن إمكانية لجوء ساكنة غرب أوربا للعصيان المدني لمواجهة الغزو المحتمل لجيوش حلف فارسوفي. في الوقت ذاته، أسس ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” في بوستن لغرضين أولهما تمويل أبحاثه الجامعية ثم تطبيق نماذجه على أرض الواقع. قبل أن يصدر في العام 1985 مؤلفا عن كيفية جعل غزو أوروبا أمرا مستحيلا، والذي كتب مقدمته السفير ’ جورج ف. كنان ’، الأب الروحي للحرب الباردة. وفي العام 1987، إستفادت ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” من الإعانة المالية لـ”مؤسسة الولايات المتحدة من أجل السلام”. كما نظمت منتديات ومؤتمرات لتشكيل حلفاء للدفاع عبر العصيان المدني ضد المحتل الشيوعي المحتمل. كذلك أدخل الجنرال ’ جورج فريكو شانو ’ مفهوم « الردع المدني » إلى ” مؤسسة دراسات أنظمة الدفاع الوطني “.
ولقد ألحقت مؤسسة ’ جين شارب ’ بآليات شبكة التدخل ” ستاي بهايند ” الأمريكية في الدول الحليفة بفضل الجنرال ’ إدوارد ب.أتكيسون ’، الذي كان حينها قد فصل من الجيش الأمريكي.
إن التركيز على مغزى الوسائل المستعملة يمكننا من إجلاء أي نقاش عن مشروعية الفعل ذاته. فسياسة اللاعنف، المسلم بنجاعتها ذاتها والمقارنة بالفعل الديموقراطي، تشجع تبييض العمليات السرية الغير ديموقراطية في جوهرها.
جين شارب

جين شارب
لقد عرفت ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” إنطلاقتها الحقيقية في العام 1989. ومنذ ذلك الوقت و’ جين شارب ’ لايبخل بنصائحه على الحركات المعادية للشيوعية. كما ساهم بعد ذلك في تشكيل التحالف الديموقراطي لـبيرماني، وهو ائتلاف من الوجهاء المعادين للشيوعية الذين سينجحون سريعا في الإلتحاق بالحكومة العسكرية، والحزب الديموقراطي التايواني المناضل من أجل استقلال الجزيرة عن الصين الشيوعية في الوقت الذي تتعارض فيه معها الولايات المتحدة بشكل رسمي. _ كما تسجل له مبادرته في جمع مختلف تيارات المعارضة التيبتية حول ’ الدلاي لاما ’، ومحاولته أيضا تشكيل جماعة من المنشقين داخل منظمة التحرير الفلسطينية قصد الدفع بالوطنيين الفلسطينيين إلى العدول عن أنشطتهم ’ الإرهابية ’. وهو ذاته من نظم حصصا تكوينية سرية لفائدة جماعة المنشقين تلك داخل سفارة الولايات المتحدة في تل أبيب بمساعدة الكولونيل ’ روفن غال ’، مدير لجنة علم النفس داخل القوات المسلحة الإسرائيلية.
مدركة وزن ” مؤسسة ألبرت أينشتاين”، سارعت ” السي آي إي ” إلى إيفادها أخصائيا في العمليات السرية، الكولونيل ’ روبرت هيلفي ’، الذي كان يشغل حينها منصب عميد كلية تكوين الملحقين العسكريين للسفارة. كما أن ’ بوب ’ بعث بـ’ جين شارب ’ إلى بيرمانيا حيث أنيطت به مهمة تشكيل المعارضة إيديولوجيا، أي الإدانة وبشكل سلمي للجنة العسكرية الحاكمة الأكثر دموية في العالم. أي انتقاد قصر نظرها، دون مساءلة النظام القائم. كذلك نجح ’ هيلفي ’ في الفرز بين ’ الطيبين’ و’ الخبيتين ’ في المعارضة في وقت حرج بالنسبة لواشنطن، إذ أن المعارضة الحقيقية، بقيادة السيدة ’ سيو كوي ’، لم تتوقف عن إحراز التفوق وتهديد النظام الموالي للولايات المتحدة. ولعل معرفته الشخصية بكافة العناصر، باعتباره قد شغل منصب الملحق العسكري في رانغون من عام 1983 إلى 1985 ومشاركته في هيكلة الدكتاتورية، سهل عليه مهمته.
لاعبا على حبلين، يقود الكولونيل’ هيلفي ’ في الوقت نفسه حركة دعم عسكري كلاسيكي لمقاومة كارن : فواشنطن تريد في واقع الأمر الإبقاء على وسيلة ضغط على اللجنة الحاكمة عبر تسليح ومراقبة حرب عصابات محدودة التأثير.
وبما أن حضورهما في أي مكان يقترن دائما بوجود المصالح الأمريكية فيه، فإن ’ جين شارب ’ ومساعده ’ بريس جونكينز ’ حلا بالعاصمة الصينية بكين في يونيو/حزيران 1989، أسبوعين قبل وقوع أحداث ” تيين آن من “. غير أنهما لم ينعما طويلا بإقامتهما هناك، حيث طردتهما السلطات الصينية أياما قليلة بعد وصولهما.
في فبراير/شباط من العام 1990، نظمت ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” مؤتمرا حول العقوبات الغيرالعنيفة. المؤتمر سجل حضور 185 مختص من 16 بلدا وذلك في حظرة الكولونيلين ’ روبرت هيلفي ’ و’ روفن غال ’. وهو اللقاء الذي أنجب مبدأ أممية همها الأول والأخير مكافحة الشيوعية عبر تعبئة الشعوب في إطار حركة لاعنف. كما لم يتأخر البروفسور ’ طوماس شيلينغ ’، رجل الإقتصاد المعروف وأحد مشتشاري ” السي آي إي “، في الإلتحاق بإدارة المؤسسة. أما فيما يخص الميزانية الرسمية للمؤسسة، فلقد بقيت ثابتة. إلا أن الواقع شئ آخر، فالمؤسسة تستفيد من تمويلات وافرة من طرف ” المؤسسة الجمهورية الدولية “( إنترناشيونل ربابلكن إنستوتيوت)، أحد فروع ” الهيئة الوطنية للديموقراطية” (ناشيونل إنداومنت فور ديموكراسي).
في الوقت ذاته، طالبت دول البلطيق باستقلالها. وبعد شد وجذب مع ’ ميخائيل غورباتشوف ’، وافقت تلك الدول على تأجيل قرارها سنتين أو ثلاثة حتى يتسنى لها التفاوض على التعويضات. وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام 1990، وبلا إبطاء، سارع ’ جين شارب ’ وفريقه إلى السويد حيث سيعينان مجموعة من السياسيين اللتوانيين في تنظيم مقاومة شعبية ضد الجيش الأحمر. وبعد أشهر من ذلك، حين اندلعت الأزمة في ماي/أيار 1991، وما تلاها من نشر ’غورباتشوف ’ لقواته الخاصة، كان ’ جين شارب ’ يغدق بنصائحه على الحزب المنشق ’ ساجيدس ’ (مجموعة المبادرة للبريسترويكا)، وهو ما لم يشغله عن الرئيس ’ فيتوتاس رانتسبيرغس ’. وفي يونيو/حزيران 1992، نظم وزير دفاع ليتوانيا المستقلة ’ أودريوس بيتكيفيتشوس ’ ندوة لتكريم العمل الجبار والحازم الذي قامت به ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” في سبيل تمكين دول البلطيق من نيل استقلالها.
حينما بدأت الولايات المتحدة في إعادة التسليح، في العام 1998، أصبحت ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” إحدى الآليات الهامة في تلك الإستراتيجية التوسعية. كما زودت أوبتور (المقاومة) بالإيديولوجية والتقنية اللازمة، وأوبتور هي مجموعة من الشباب المناهضين لحكم الرئيس اليوغوسلافي ’ سلودوفان ميلوسوفيتش ’.

سرديا بوبوفيتش (على اليسار)، القائد الصربي وزعيم حركة أوبتور، جين شارب (في الوسط)ثم روبرت هيلفي
في ذات الوقت، سارع ’ جين شارب ’ إلى إقليم كوسوفو قصد تأطير ” العصبة الديموقراطية لكوسوفو ” بقيادة ’ إبراهيم ريغوفا ’. وإذا كان ’ ريغوفا ’ عديم الأهمية بالنسبة لواشنطن خلال حرب كوسوفو، فإن أوبتور لن تتأخر في طرح بديل لقلب نظام ’ ميلوسوفيتش ’، الذي زادت شعبيته بشكل منقطع النظير خاصة بعد أن وقف ندا عنيدا في وجه منظمة حلف الشمال الأطلسي. كل ذلك لم يله الكولونيل ’ هيلفي ’ عن الإستمرار في تأطير الكوادر خلال المؤتمرات والحلقات الدراسية التي احتضنها فندق هيلتون بالعاصمة بودابست. ولقد تدفقت الدولارات بغزارة لأجل إقبار آخر حكومة شيوعية في أوربا. أما العملية فلقد قادها، في عين المكان، العميل ’ بول.ب ماكارتي ’، القابع سرا حينها في فندق ’ موسكفا ’ ببلغراد حتى إعلان ’ ميلوسوفيتش استقالته في أكتوبر 2000.
في شتنبر/أيلول من العام 2002، حل ’ جين شارب ’ بلاهاي، حيث سيسهر بنفسه على تكوين أعضاء ” المجلس الوطني العراقي ” الذي كان يتأهب لمرافقة جيش الإحتلال الأمريكي إلى العراق.
وفي نفس الشهر والسنة، عادت ” مؤسسة ألبرت أينشتاين ” لتنصح المعارضة بالطعن في نتائج الإنتخابات وبالتظاهر والمطالبة باستقالة ’ إدوارد شيفرنازي ’، وهو ما تأسست عليه ” ثورة الورود ” في جورجيا.
في أبريل/نيسان 2002، وبعد أن فشل الإنقلاب الذي نظمته ” السي آي إي ” في فنزويلا، استنجدت وزارة الخارجية الأمريكية مرة أخرى بـ ” مؤسسة ألبرت أينشتاين”، التي لم تبخل بنصائحها لأرباب العمل، وخاصة دعوتهم إلى تنظيم استفتاء لإلغاء فوز الرئيس ’ هيغو تشافيز ’. كما تكفل ’ جين شارب ’ وفريقه بتأطير قادة جمعية ’ سيمايت ’ خلال مظاهرات غشت/آب من العام 2004. وحسب إحدى التقنيات التي أصبحت كلاسيكية في يومنا هذا، فإن أولئك القادة كانوا مدعوون إلى التشكيك في الإنتخابات والقول بأنها مزورة، ثم المطالبة برحيل الرئيس الشرعي للبلاد. ولقد نجحوا في إنزال الطبقة البرجوازية في كاراكاس إلى الشوارع، إلا أن الدعم الشعبي الكبير للنظام حال دون ذلك. فلم يبقى أمام المراقبين الدوليين من خيار سوى الإعتراف بمشروعية الإنتصار الذي حققه ’ هيغو تشافيز ’.
أما ’ جين شارب ’، وعلى العكس من ذلك، فلقد فشل في بيلروسيا والزمبابوي. والسبب في إخفاقه على ما يبدو هو التأخر في تجنيد وتكوين العدد الكافي من المتظاهرين والمعارضين للنظام القائم في كلا البلدين. كما أن الكولونيل ’ روبرت هيلفي ’ لم يتأخر في حظور حلقات “الثورة” البرتقالية بأوكرانيا في نونبر/تشرين الثاني 2004.
وأخيرا، تجدر الإشارة إلى أن ” مؤسسة ألبرت أينشتاين” بدأت في تكوين وتأطير مجموعة من المعارضين ومثيري الفتن الإيرانيين.
في واقع الأمر، لماذا ” ألبرت أينشتاين”؟ إن هذه الرعاية تنوّم كل الشكوك. فالكتاب الاول لـ’ جين شارب ’، والذي خصصه لدراسة المناهج الغاندية، كتب افتتاحيته ’ ألبرت إنشتاين ’. غير أن الكتاب ألّف عام 1960، أي خمس سنوات بعد وفاة العالم الفيزيائي. وهو ما يؤكد استحالة أن نكون افتتاحية الكتاب من توقيع هذا الأخير، وأن ’ جين شارب ’ إكتفى بإعادة نشر مقال لإنشتاين عن تقنية اللاعنف.

بقلم : مصطفى قطبي ——- المحلل السياسى والاستراتيجى العربى … والبروباجندا الاعلامية

المميز

العدد المتزايد للمحللين السياسيين باطراد على شاشات الفضائيات العربية ظاهرة تستحق الوقوف عندها، ولاسيما أن هؤلاء باتوا يساهمون اليوم في صياغة الرأي العام العربي عبر ما يقدمونه من معلومات حول موقف سياسي أو اقتصادي من هذه الدولة أو تلك، أو حتى عبر ما يقومون به أحياناً من تسريب معلومات استخباراتية عن لقاءات وطبخات سياسية في الكواليس أو مناورات وضربات عسكرية محتملة شرقاً وغرباً في منطقة عربية مابرحت تهتز على صفيحٍ ساخن، خصوصاً بعد اندلاع شرارة ما يسمى ”الربيع العربي” مع حادثة إحراق بائع خضار تونسي لنفسه بولاية سيدي بوزيد ربيع 2011 الماضي.

فبعد أن فقد ”شهود العيان” بريقهم ومصداقيتهم لدى المتلقي العربي، برزت الحاجة للبديل الملائم الذي يغطي تراجع دور ”شهود العيان” أو يدعّم أكاذيبهم على الأقل، وكان الحل استضافة الخبراء والمحللين والمفكرين الاستراتيجيين العرب، من مختلف أقطار الوطن العربي، ليكونوا شهوداً أكثر جاذبية وقبولاً وهم يقومون بتحليل ما يحدث بالمنطقة العربية. من هنا أفرزت الفضائيات العربية ما يشبه نُخباً جديدة قوامها جيش من المحللين في مختلف الاختصاصات والاتجاهات، فهم يتكاثرون بسرعة هائلة على الشاشات، يوزعون آراءهم العاجلة ويثوّرون مواقف ضد مواقف أخرى، يصرخون ويتقاذفون الشتائم ويتبادلون تُهم الخيانة والعمالة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق لدى السلطة، وربما وصلت بهم الحكاية إلى حد الاشتباك بالأيدي على الهواء مباشرة. هكذا نجح الإعلام العربي في تصنيع نُخب جديدة ميدانها الرئيسي حلبات بصرية لديكة تتصارع على مدار الساعة، ليكون المُشاهد في هذه الأثناء رهن رأي هذا المحلل أو ميول ذاك، دون البحث عن أهلية حقيقية لعشرات البرامج التي توّظف آراء هؤلاء المحللين في مصلحة دعم فرضية الأجندة الخاصة بهذه الفضائية أو تلك، ولنصل في النهاية إلى ما يشبه ”كباش تلفزيوني” أو حرب تلفزيونات لا صلة لها بموضوعية التفكير أو التحليل المنطقي للأحداث، بقدر ما يهمها في النهاية تغليب رأي على آخر مهما كلّف ذلك من افتراءات وتزوير في الحقائق ولوي عنق المعلومة.

من هنا يمكن الحديث اليوم عن عشرات الجبهات المفتوحة بين محللين من كل الأنواع، وبصفات ما أنزل الله بها من سلطان على نحو: ”خبير في الشؤون الحربية، مدير مركز إستراتيجي، مستشار عسكري، محلل اقتصادي، ناشط حقوقي…

المشكلة اليوم أن الكثير من هؤلاء المحللين الذين يتقاضون أجوراً عالية لقاء ظهورهم في البرامج الحوارية الساخنة، باتوا يشكلون اليد الطولى لتكريس سياسة القناة التي يتكلمون من على منبرها، منتمين بقوة إلى البروباغاندا الخاصة بها، ولاسيما عندما تلجأ قنوات عربية دولية باستضافة العديد من ”مفكري التلفزيون” من مشرب سياسي متقارب لمناقشة قضية عربية شائكة، متجاهلةً رأي محللين من الضفة الأخرى.

والغريب أن مثل هذه الفضائيات ما زالت ترفع شعار ”الرأي والرأي الآخر” أو شعار ”أن تعرف أكثر” فيما بات المشاهد يتوقع ضيوف هذا البرنامج أو ذاك، والأغرب أنه حفظ عن ظهر قلب كل ما سيقولونه نتيجة التكرار الهائل للرسالة الإعلامية الخاصة بالمحطة، واستنفاذ فرص الإشباع الإعلامي الذي وصل مؤخراً حد التخمة، وبخاصةً أن هذا النوع من ”النخب” لا يمكن الركون لآرائهم.

فمن المعروف أن التلفزيون يبحث دائماً عمن يسميهم عالم الاجتماع الفرنسي الراحل ”بيير بورديو” بـ ”مفكرين على السريع” متسائلاً: ”ما الذي يدفع هؤلاء للتفكير تحت ضغط الزمن التلفزيوني والمساحة الضيقة المُعطاة لهم بين غابة من البرامج وفقرات الأخبار والإعلان، سوى تلك الرغبة العارمة لحب الظهور؟” فانخداع ”المفكر التلفزيوني” بسطوة الفضائيات وسعة انتشارها تجعله ”زبوناً طيباً” ومُرحباً به على شاشاتها، شريطة أن يدعم السياسة التحريرية للمحطة بكل أنواع الدجل والشعوذة الإعلامية وتبرير ما لا يمكن تبريره.

وبكل أمانة، فما يستفز حد الغثيان، أن أولئك يمتطون ”التحليل السياسي” على أنه مبيّض للصفائح، ويتحدثون عن الوطن وكأنهم من صانعي أمسه وغده. وكلنا لا زال يتذكر فضيحة المحلل السياسي وجهبذ زمانه، ”عزمي بشارة” الذي تفرّد بفضيحة كبرى عبر تسريب مقطع فيديو تم نشره على اليوتيوب من برنامج ”في العمق”، وفيه يظهر المفكر الفلسطيني أثناء الاستراحة، طالباً ـ تحت الهواء ـ من المذيع السعودي ”علي الظفيري” عدم ذكر الأردن والبحرين في تحليلاته والتركيز على سورية حيث اشتهرت كلمة ”الظفيري” وقتها لضيفه بشارة: ”بيّض صفحة المؤسسة”.

فضيحة مدوية اعتبرها الكثيرون بالنسبة لوزن ”بشارة” وأخلاقياته كمثقف عربي معروف جعلت الكثيرين ينتبهون إلى انتهازية العديد من المثقفين العرب الذين تم شراؤهم بأموال النفط العربي مقابل تغيير مواقفهم السياسية والتبعية نهائياً لأجندات هذا المال ومآربه في المنطقة.

”المحللون السياسيون” والصفة منهم براء، يمنحون المتابع العربي مؤشرات على مكونات فوضاهم ودوافعها وأهدافها، وإلا كيف سنفهم أن ”عرضحالجي” أو سارق أو مارق أو شاذ أفاق، يتحول بمعية الفضائيات إلى محلل ”استراتيجي” يجيز استحضار العفاريت الزرق لتساعده في رسم خارطة وطن على مزاجه وبألوانه المفضلة، طالما أن الرسم سيضمن له خازوقاً في كرسي المستقبل، ويضمن له أيضاً المزيد من الثراء وأوراق اللعب، وبعض الاستشفاء من عقد وفوبيات مالها من آخر.‏

إن هذه التحليلات تدور في حلقة مفرغة لأنها تبحث في تفاصيل وجزئيات الأزمة العربية فتخلص إلى تصور حلول آنية، توفيقية، ترقيعية مبتسرة، باهظة الكلفة، عديمة الجدوى، ومتناقضة في أغلب الأحيان، تزيد من استفحال الأزمة، هذا إن خرجت إلى حيز التنفيذ وأبصرت النور.

إن كل ما قيل، ويقال، وسوف يقال في هذا الصدد صحيح، ومنطقي، ويمكن لأي تفكير سليم أن يتقبله، باعتبار حقيقة وجود المخططات الاستعمارية التي تستهدف المنطقة من جهة، وكوننا مستهدفين من جهة أخرى، هذه حقيقة، والباقي مجرد تفاصيل تختلف حسب كيفية النظر إليها. ولكن الحقيقة الثابتة أيضاً أن أزمتنا تكمن في أننا كشعب عربي، وأنظمة، ومنظمات، ومؤسسات ندعي أننا نعرف من نحن كما نعرف الأخطار التي تتهددنا. إلا أن الممارسات العملية في الفعل ورد الفعل تظهر أننا لا نعرف من نحن ولا ماذا نريد، أو ما الذي يتهددنا، في حين الآخرون يعرفون أننا لا نعرف، وفي نفس الوقت يحتاطون لأي احتمال صحوة نتمناها، ونملك أسبابها، ولكننا لا نعرف الطريق إليها.

والمتابع للفضائيات التي تتزعم الربيع العربي، يستطيع اكتشاف مدى سطحية وجهل الكثير من التحليلات السياسية لهؤلاء المحللين، ومدى إسهامها بتشويه الوعي وإحلال واقع لا وجود له إلا في أذهان أصحابه محل الواقع الحقيقي، سواء المتعلقة بالأسباب أم فيما يتعلق بالتضليلات التي تضمنتها حول وهم القوة المزعوم وخدعة التفوق، لدرجة أن انساقت عشرات الجماهير وراء هذا الوهم الذي يتأسس على تصورات هوامية ذات بعد فصامي يحل التصور محل الواقع الحقيقي. فهل هذه التحليلات مشكِّلة للوعي أم مشوهة له؟ والأخطر من هذا أن بعض هذه التحليلات يأتي في إطار التبريرات التي هي أشد تضليلاً وتشويهاً للوعي الأمر الذي يقود إلى استمرارية استنساخ الوعي المشوه، ويقلل من أمل انبثاق وعي جديد.

فما الذي يمكن أن يفعله ”المحللون” عرب الربيع العربي، الذين يمتطون اليوم حصان الثورة لكي يطمئنوا إلى استمرار تدفق المال النفطي إلى جيوبهم؟ لا شيء غير التركيز على شحذ أفكارهم وإجهاد أنفسهم لكي تبقى تلك الأفكار في أعلى مستويات التوثب والثاقبية. والواضح أن آخر همومهم ما قد يقوله العقل السليم عن فكرتهم. لأن أول تلك الهموم هو الاطمئنان إلى استمرار تدفق المال النفطي إلى جيوبهم. واطمئنانهم مرجعه إلى كون من يمدونهم بالمال لا يعرفون القراءة، وإن كانوا من القارئين فإنهم يسأمون سريعاً ويعودون إلى مباهجهم المعتادة المعروفة. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد: هل كل من حمل رتبة عسكرية في جيش، أو شغل وظيفة مدنية في دولة، هو مفكر أو باحث أو محلل استراتيجي؟.

وهذا يدفعنا إلى إعادة التساؤل بصيغة أخرى، من هو المحلل السياسي؟ وهل هناك توصيف مهني في أي من البلدان العربية لمهنة إسمها المحلل السياسي؟ أم أنها أصبحت مهنة من لا مهنة له، ومهنة المرشحين المحتملين لمناصب سياسية معينة، ومن ثم فإن إبرازهم على الأقنية الفضائية جزء من عملية التلميع ومحك للولاءات في إطار صناعة الشخص!؟

وفي الواقع ليس عندي إجابة عن مثل هذه التساؤلات، ولكن ظهور كم كبير من هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم تسمية ”محلل سياسي” أو ما يشبه ذلك ممن يعبرون عن إيديولوجيات معينة، ومن تكون إحدى العينين على الكاميرا والأخرى على نظام ما يجعلنا نثير مثل هذه التساؤلات.

والمتتبع للأحداث السياسية يمكنه أن يصنف من يطلق على نفسه تسمية محلل سياسي ضمن أصناف ثلاثة: الأول: المحلل السياسي الذي يعبر عن رأي نظام ما من الأنظمة السياسية أو يمثل أيديولوجية معينة دون أن يكون في موقع ما (بعد) ضمن دائرة النظام.

الثاني: المحلل السياسي بحكم الموقع في مركز أو جهة قد تكون حكومية أو غير حكومية الطابع، وهؤلاء غالبيتهم في أوربا وأمريكا وقلة قليلة منهم في الوطن العربي.

الثالث: ينتمي لإطار علمي ـ ثقافي ما امتهن مهنة التحليل السياسي مستمداً منهجيته من الأطر التي ينتمي إليها، وقد تكون نتاجاً جانبياً لعمله الأصلي، أي يمكن اعتبارها هواية وقت الفراغ.

ويمكن إضافة صنف “رابع” يجمع بين كل هؤلاء بدرجات مختلفة. يضع رِجلاً داخل النظام والرِجل الأخرى خارجه ويعمل في مركز مستقل ظاهرياً، ومقولب بشدة داخلياً وينتمي في الوقت نفسه لإطار ثقافي معين فهو خليط من كل هؤلاء وربما يكون الأخطر من بين هذه الفئات الأربعة.

إن رغبة الإنسان في الحصول على المعرفة ليست محدودة. والفضول الذي يدفعه لتقصي الأخبار والأحداث يمثل دافعاً من الدوافع الإنسانية، الذي تعرف وسائل الإعلام كيفية استغلاله بالشكل الأقصى. وتقود الثغرات في المعلومات أو نقص المعرفة عند الإنسان إلى رغبة ملحة في التقصي لسد ذلك التوتر الناجم عن عدم المعرفة. ولعل ذلك ينطبق بصورة خاصة على الأحداث العالمية، السياسية منها بشكل خاص، في عصر الانفجار النووي المعرفي الذي تكاد آثاره تطال كافة أرجاء الأرض. والمحللون السياسيون هم أولئك الأشخاص الذين امتهنوا مهنة سد الثغرات المعرفية في مجالات متنوعة، وتقديمها على صورة عصارة جاهزة لأولئك الراغبين بالحصول عليها، بغض النظر عن الدوافع الكامنة خلف ذلك، أو عن الكيفية التي سيتم فيها توظيف سد الثغرة هذه.

وللسياسة سحرها الخاص، لما لها من تأثيرات تنعكس على حياة الأفراد بشكل مباشر وغير مباشر، ولما يكتنفها من غموض وحجب للأسرار يجعل الإغراء باختراقها معرفياً (أو معلوماتياً) لا يقاوم، ويعطي ذلك الذي ينجح باستقرائها إحساساً واهماً بمشاركته في صنع الحدث لمجرد معرفته به. ويمكن بطريقة هشة تقسيم الناس إلى قسمين:

الأول، صانع السياسة (أو واضع السيناريو التنفيذي)، وهؤلاء هم السياسيون وأصحاب القرار المخولون بطريقة ما لرسم سياسة معينة.

والثاني، يتمثل دوره في السماح للفئة الأولى سواء مكرهاً أو عن طريق الانتخاب باتخاذ القرارات ورسم السياسات نيابة عنه. والمحللون السياسيون أو الإعلاميون بصورة عامة ينتمون للجزء الثاني. إلا أنهم قد ينتمون للقسم الأول أحياناً أو يمثلون الجسر بين القسمين. وبسبب الغموض الذي يكتنف عمل الفئة الأولى فإن مهنة ورغبة الناس في معرفة ما يدور وراء الكواليس واستباق الحدث قبل حدوثه دفعت بعض الأشخاص إلى جعل التحليل السياسي مهنة يمكن استثمارها وأصبحت مهنة التحليل السياسي يمكن التخصص بها وفق أسس وقواعد معينة، موضوعها الأحداث الماضية الغامضة التي ما زال الغموض يكتنفها و الحاضر الذي هو أشد غموضاً والتنبؤ بالأحداث المستقبلية. وتسعى هذه المهنة إلى الاستنتاج والاستقراء والتشخيص والتفسير والتنبؤ، إلا أنها ليست صانعة للحدث أو موجهة له و لا تتحمل مسؤوليته، سواء سار بهذا الاتجاه أو ذاك. والمحلل السياسي شخص يواجه لغزاً كبيراً عليه أن يجد الحل له من مجموعة من الوقائع المتناثرة والغامضة والتي لا يتوفر حولها الكثير من المعلومات، ومن مجموعة من التصرفات الشبيهة في الماضي والحاضر. ويمكن تشبيه عمله بالشخص الذي عليه تركيب لوحة فسيفساء كبيرة، لا تتوفر عنها لديه إلا بعض الجوانب وعليه إكمال الجوانب الأخرى من تلقاء نفسه بناء على ما توفر له من معلومات.

فقد يركب بعض القطع في مكان ما لتبدو له بأنها صحيحة وفي مكانها المناسب فتؤلف جزءاً من المشهد العام يبدو منطقياً للوهلة الأولى، إلا أنه لو تم النظر إلى اللوحة من الأعلى، من المنظور الكلي لتجلى لنا أن هذه التركيبة لا تتناسب مع المنظر العام، وهو اجتهاد لا يمكن عده صحيحاً أو خطأً بحد ذاته، إلا أنه قد يكون مشكِّلاً للوعي ومعدلاً له أو مشوهاً له في دائرة معقدة من التأثيرات المتبادلة ذات آثار بعيدة المدى على الأداء السياسي أو الوعي السياسي للأفراد في مجتمع من المجتمعات.

فمجال التحليل السياسي له رجالاته الذين يؤدّونه بجدارة، ويقومون عليه بكفاءة، ومن أراد أن يخوض في هذا المجال يجب أن يلتزم بمعاييره التي يتحتم التمسك بها واحترامها من كل محلل أو باحث أو مفكر إستراتيجي.

وفي هذا السياق نذكّر بأهم هذه المعايير التي ينبغي أن تتوفر في الباحث أو المحلل الاستراتيجي، والتي لا يجوز التغاضي عنها، أو تجاوزها أو إسقاطها أو إعفاء أي مفكر استراتيجي من استحقاتها. وهذه الصفات التي ندرجها أدناه يفتقر إليها كل المحللين الذين تستضيفهم ”الجزيرة” أو ”العربية” أو أخواتهما في الرضاعة، على هوائها، لتشريح الوضع العربي:

ـ يجب أن يتوفر في المحلل الاستراتيجي مؤهلات علمية وشخصية، تجعله قادراً على تحليل الوضع الاستراتيجي لبلد ما بموضوعية وشفافية. فالتحليل الاستراتيجي ليس هواية، بل هي كفاءة علمية وتحصيل أكاديمي، لا يقْدر عليه إلا من كان مؤهلاً، ويملك رصيداً ضخماً من الثقافة والخبرة والإطلاع.

ـ لابد أن يكون المحلل الاستراتيجي فقيهاً في الشأن الذي يتناوله. والفقه بالشيء لا يقف عند حدود المعرفة السطحية به، بل الإحاطة بكل جوانبه، والقدرة على تفسير ظواهره وتحديد مساراته ومسبباته، والوقوف على العوامل المحفّزة أو المانعة لوقوعه، ولماذا تم الحدث على هذا النحو دون ذاك، وما هي النتائج التي ترتبت على وقوعه بكل دقة وأمانة.

ـ والمحلل الاستراتيجي ليس منجّماً ولا متنبئاً ولا عرّافاً، إنما هو خبير في موضوع البحث، يملك لكل استنتاج يسوقه سنداً موثوقاً يدعم استنتاجه ويبرره. فكم من محلل على الجزيرة قال إن سقوط الدولة في سورية مسألة وقت، والوقت لا يتعدى شهراً أو شهرين، ومر أكثر من عام فسقط المحلل، وظلت سورية صامدة.

ـ على الخبير الاستراتيجي ألا يحمل أفكاراً مسبقة مطلوب منه إثباتها أو تأكيدها، كما عليه أن يكون نزيهاً محايداً قدر الإمكان (رغم معرفتنا أن حياد المحلل مسألة نسبية). كما يجب عليه أن يعطي الموضوع حقه، فينظر إليه من زوايا عدة، ويُبرز ماله وما عليه. كما ينبغي أن يتجنب طرح الأفكار المسبقة، حتى لا يأتي التحليل مثقلاً بمعلومات يريدها المحلل أو معد البرنامج التلفزيوني، على حساب الموضوعية والحياد، ذلك أن حشر الأفكار المسبقة في التحليل يدمر موضوعيته، ويغتال المصداقية والشفافية المطلوبة في المحلل الاستراتيجي.

ـ على المحلل الاستراتيجي العربي الذي يخاطب الرأي العام العربي، أن يكون أكثر الناس حرصاً على الأمن القومي العربي، وأكثرهم تمييزاً بين العدو والصديق، وأكثرهم تمسكاً بالثوابت القومية، لكونه أكثر الناس إطلاعا على الأخطار المحدقة بالوطن العربي، ومخططات الأعداء الرامية للنيل من وحدته وتماسكه وصموده. لذا لا ينبغي أن يفرط بالأمن القومي، إرضاءً لرغبات القناة المستضيفة، وهو متى فعل ذلك سقط كمحلل، وأضحى بوقاً مأجوراً ليس إلا.

ـ ينبغي على المحلل الابتعاد عن اتباع أسلوب التحليل حسب الأماني، لأن هذا الأسلوب لا يعكس الرؤى الواقعية، بل يعبّر عن عاطفة المحلل، أو أماني القناة المستضيفة، فالتحليل الاستراتيجي هو نتاج بحث مرهق، وتحرٍ مضنٍ عن الحقيقة، وتدقيق مجهد في كل رقم يستخدمه المحلل، وتحقيق موثق لكل قول يستشهد به.

ـ على المحلل الاستراتيجي أن يكون مواكباً للقضية المطروحة، ملماً بتفاصيلها وتطوراتها المستجدة، ويمتلك المهارة المطلوبة لربط أحداثها وبالشكل الصحيح، وتقدير الموقف على نحو دقيق، بما يخدم هدف التحليل، ثم الخروج بعد ذلك بالاستنتاجات التي تأتي في أغلب الأحيان واقعية سليمة. فليس كل من حفظ بضع جمل رنانة في المجال العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، يكررها في كل حين، هو محللٌ استراتيجي.

ـ حتى لو توفرت الشروط الواردة أعلاه في المحلل الاستراتيجي، مع ذلك ينبغي ألا يجزم بحدوث تطور من نوع معين في المستقبل، بل عليه أن يترك هامشاً للمفاجآت المحتملة، لأن الخبير متى قطع بحدوث أمرٍ خلال فترةٍ زمنية محددة، ولم يحدث هذا الأمر بعد انقضاء الأجل، سقط هذا المحلل وعليه .

ـ من الناحية الأدبية على الأقل ـ أن يتوارى عن الأنظار، لا أن يبدأ بسوق الأسباب التي أدت لعدم حدوث ما توقع. تلك هي أهم الشروط الواجب توفرها في المحلل الاستراتيجي، لكي يكون خبيراً أو مفكراً أو محللاً بالمستوى اللائق. لكن ـ مع شديد الأسف ـ إن المعايير التي تضعها ”الجزيرة” وأخواتها للمحلل الاستراتيجي تختلف تماماً عما أدرجنا، ونلخص معاييرها بالأتي:

ـ أن يكون ذا وجه تلفزيوني مقبول ولسان طليق (أي حائزاً على البريستيج المطلوب)، لأن ذلك يلعب دوراً في التأثير على نفسية المتلقي.

ـ أن يكون خبيراً على المقاس القطري، لإجراء تحليلات حسبما تهوى قناة الجزيرة. وأن يقتنع بما يمليه طاقمها، وأن يقوم بدوره ـ خلال التحليل ـ بإيجاد المسوغات المناسبة لتسويق هذه الإملاءات.

ـ أن يكون قد حمل رتبة عسكرية رفيعة، أو تمتع بصفة سياسية من أي نوع.

ـ أن يحفظ عبارات جذابة ومصطلحات معاصرة وجمل بليغة لاستخدامها أثناء الحوار، بهدف خداع المتلقي، وإيهامه برفعة مستوى وشأن المحلل.

ـ وإذا توفرت لدى الخبير مهارات ذاتية إضافية يمكن توظيفها لتعزيز تحليلاته واستنتاجاته، كالخبرة في مجال الحاسب الإلكتروني ورسم الخرائط والمخططات الخاصة بالموقف، وشرح التفاصيل التي تريدها الجزيرة، فإن ذلك سيكون بصمة خاصة، يضيفها المحلل إلى رصيده.

أخيراً، أن يقنع المحلل في نهاية المقابلة بمبلغ عشرة آلاف دولار، ولا يطلب زيادة على هذا “المبلغ المتواضع”. في الختام نقول: هذا هو حال المحللين الاستراتيجيين في قناة الجزيرة وأخواتها، وهذه مواصفاتهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا تستضيف قناة ”الرأي والرأي الآخر” وأخواتها محللين يملكون رؤى تختلف عما هو مطلوب قطرياً؟!

الجواب في غاية السهولة:

لأن ذلك لا يخدم السياسة المشبوهة للقناة، ولا يدعم إستراتيجيتها الموضوعة أمريكياً وصهيونياً لتدمير عناصر القوة والمنعة والصمود لدى الأمة العربية، ويتعارض مع الجهود المبذولة لتحقيق أهداف الأعداء، ممثلين بأمريكا والكيان الصهيوني، الطامحين في تجزئة الأمة وإضعافها، ووأد كل أمل للشعب العربي بتحقيق المنعة، وبناء القوة الذاتية، التي تعيد للعرب مجدهم الغابر، الذي كان على الدوام يضيء العالم بنور العلم، ورسوخ الحقيقة

قالوا في الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه

المميز

باعتقادي ان الامام علي شخصيه جذابه وعطوفه – المؤرخ كارلايل

* جمرة النار الحارقه كان النبي محمد وعلي بن ابي طالب وما يستطيع الناس تحمل هذا – دانتي في الكوميديا الالهيه

*لااهتم بالطابع الايديولوجي او الاقتصادي وحتي التاريخي بفترة حكم الامام علي … ما يهمني هو شخصيته وما حملته من قيم ايجابيه او سلبيه هادفه او ضاره ,, وبلا شك فانه (شخصيه عظيمه ) – ريلفريد ماديلونغ مفكر ومتخصص بدراسات اهل البيت

* سيظل علي بن ابي طالب فارس الاسلام والنبيل الشهم – جيرارد اوبنز

* شخصية فريده متالقه شاعر ومؤمن ونبيل وقديس , حكمته كالنسيم الذي يتنفسه كل انسان فهي اخلاقيه وانسانيه , منذ تولده والي وفاته كان حكيما جمع تلاميذه وناداهم باخوتي واحبائي , حقا كان هارون المتجدد صدّيق النبي موسى كما وصفه النبي محمد (ص) – ادوارد جيبون

* بذكاءة المتالق , وعطفه , وتاثيره الساحر في حياة من خالطه وجالسه ,,, وكونه موضع ثقة صحبه ومجتمعه , مذ كان فتى صغير السن وهو يبذل ويجود بروحه وحبه للدفاع عن النبي محمد ورسالته السمحاء , متواضع وبسيط , يوما حكم نصف العالم الاسلامي بالخير لا بالسوط – سير ويليام موير

* ازدرى العالم المادي ومجده الخادع , خشى الله وكان محسنا جواد الي الخير , الاول والسابق الي كل فعل الالهي وحكمه , كان اجتماعيا ويملك ابداعا وذكاءا حادا ولذا بدا غريبا على مجتمعه لان الابداع لم يكن شائعا , لم يمتلك تلك العلوم التي تنتهي علي اللسان ولكن تلك العلوم والحكمه الخفيه التي تمتد ولا تنتهي او تموت – هنري ستووب

* حفظ الاسلام الحقيقي والذي نادى به النبي محمد علي يد علي بن ابي طالب – روبرت اوزبورن

* كان من انبل عائله من قبيلة قريش. لديه ثلاث صفات يعتز بها العرب : الشجاعه والبلاغه ، والسخاء, روحه الباسله استحقت لقبا خالدا من النبي محمد (أسد الله ) نماذج بلاغته لا زالت مؤثره علي كل لسان عربي وعلي كل تفسير قرآني , وعلي كل مثل وقول ساد الامه العربيه الي يومنا , في كل جمعه كان يلقنهم حكمته وما انزل علي النبي ليذكرهم بما وعاه صدره وفيه خزائن العلوم الالهيه , وهذا دليل علي سخائه وتواضعه وحبه دون شرط مسبق – واشنطن آرفنغ

* كان آخر الفرساء النبلاء بالتاريخ الاسلامي الذي صاحب النبي محمد والخلفاء وظل الناصح للامه ترجمت اعماله واقواله وحكمته للغات عديده ( خليفة النبي محمد – لندن – 1850)

* شئ يستحق ان نقف عنده ونتسائل عن حكمته ,, لقد ولدته امه في نفس البيت المقدس في مكة .. والذي يامر الله ان يُطهرّ ويُعبد له خالصا , لم يحدث هذا لاي انسان ولا حتى باي دين سماوي – سيمون أوكلي

* الباسل في الحرب , البليغ في الخطاب , الشهم تجاه الخصوم , المثل الاعلي للمسلمين بالشهامه والفروسيه والنبل – فيليب خوري حتي

* محارب الشر والنفاق , اسد الله علي الفساد , النبيل تجاه المسيحيين , المكلل نعمة الهيه صاحب الجراه الناريه هو علي بن ابي طالب – توماس كارلايل

* عميد الاسره الهاشميه , ابن عم وصهر من احترمه كل العرب , العجيب انه لم يطلب الخلافه فور موت محمد كما فعل بعضهم , الي مزايا ميلاده وزواجه واخوّته بالنبي محمد , أول من اسلم وقال له النبي محمد انك للامه كهارون الي موسى , حكم بالحكمه والنبل امة الاسلام وكانت فصاحته لغة حكمته – جيرالد دي غوري جيرالد

* يحوى نهج البلاغه رساله الامام علي الي مالك الاشتر وفيها وصايا لكل حاكم عن نشئة الدول ودعم الحكم ,, ان الامم المتحده – وبصفه عاجله – تنادى أمة العرب ان يقرؤوها ويطلعوا عليها للالتزام بادابها واعتبارها انموذج لهم – الامم المتحده واصدارها لنهج البلاغه

الخرائط الكاملها لمخطط تقسيم الدول العربيه و بعض الدول الأخرى لاضعافها والهيمنة عليها/ وفقاً لتقارير عديدة By KARAM on 29/09/2011

المميز

الخرائط الكامله لمخطط تقسيم الدول العربيه و بعض الدول الأخرى لاضعافها والهيمنة عليها/ وفقاً لتقارير عديدة
By KARAM on 29/09/2011

حتى لا ننسي مخطط برنارد لويس لتفتيت العالم الاسلامى
الذين لم يقرؤا التاريخ يظنون ما صنعته امريكا بالعراق من احتلال وتقسيم هو امر مفاجيء جاء وليد الاحداث التي انتجته
وما حدث منذ فترة في جنوب السودان له دوافع واسباب
ولكن الحقيقة الكبري انهم نسوا ان ما يحدث الان هو تحقيق وتنفيذ للمخطط الاستعماري الذي خططته وصاغته واعلنته الصهيونية العالمية لتفتيت العالم العربي و منطقة الشرق الأدنى وتجزئته وتحويله الي فسيفساء ورقية تكون فيه اسرائيل هي السيد المطاع وذلك منذ انشاء هذا الكيان الصهيوني علي ارض فلسطين 1948
وعندما ننشر هذه الوثيقة الخطيرة لـ ” برنارد لويس “ فاننا نهدف الي التعريف بالمخطط وخاصة الشباب الذين هم عماد الامة وصانعو قوتها وحضارتها ونهضتها والذين تعرضوا لأكبر عملية غسيل مخ يقوم به فريق يعمل بدأب لخدمة المشروع الصهيوني الامريكي لوصم تلك المخططات بانها مجرد ” نظرية مؤامرة
مخطط تقسيم مصر والسودان
مصـــــــر تقسم الى اربع دويلات
اولا. سيناء وشرق الدلتا : “تحت النفوذ اليهودي” (ليتحقق حلم اليهود من النيل إلى الفرات)ه
ثانيا :الدولة النصرانية عاصمتها الأسكندرية
• ممتدة من جنوب بني سويف حتى جنوب أسيوط واتسعت غربًا لتضم الفيوم
• وتمتد في خط صحراوي عبر وادي النطرون ليربط هذه المنطقة بالأسكندرية.
• وقد اتسعت لتضم أيضًا جزءًا من المنطقة الساحلية الممتدة حتى مرس مطروح.
ثالثا: دولة النوبةالمتكاملة مع الأراضي الشمالية السودانيةعاصمتها أسوان.
• تربط الجزء الجنوبي الممتد من صعيد مصرحتى شمال السودان باسم بلاد النوبة بمنطقة الصحراء الكبرى لتلتحم مع دولة البربر التي سوف تمتد من جنوب المغرب حتى البحر الأحمر.
رابعا: مصر الإسلامية : عاصمتها القاهرة الجزء المتبقى من مصر.
• يراد لها أن تكون أيضًا تحت النفوذ الإسرائيلي
• (حيث تدخل في نطاق إسرائيل الكبرى التي يطمع اليهود في إنشائها.
الســــــــودان تقسم الى 4 دويلات
دويلة النوبة: المتكاملة مع دويلة النوبة في الأراضي المصرية التي عاصمتها أسوان
دويلة الشمال السوداني الإسلامي
دويلة الجنوب السوداني المسيحي: وهي التي سوف تعلن انفصالها في الاستفتاء الذي جرى في 9/1/2011
ليكون أول فصل رسمي طبقا للمخطط
دارفور: والمؤامرات مستمرة لفصلها عن السودان بعد الجنوب مباشرة حيث أنها غنية باليورانيوم والذهب والبترول
دول الشمال الأفريقي

تفكيك ليبيا والجزائر والمغرب بهدف إقامة
دولة البربر :على امتداد دويلة النوبة بمصر والسودان.
دويلة البوليساريو
الباقي دويلات المغرب والجزائر وتونس وليبيا
مخطط تقسيم شبه الجزيرة العربية والخليج
إلغاء الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان واليمن والإمارات العربية من الخارطة
ومحو وجودها الدستوري بحيث تتضمن شبه الجزيرة والخليج ثلاث دويلات فقط.
دويلة الإحساء : وتضم الكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين
دويلة نجد
دويلة الحجاز
المخطط لليمــــــــن
إزالة الكيان الدستوري الحالي للدولة اليمنية بشطريها الجنوبي والشمالي
واعتبار مجمل أراضيها جزءًا من دويلة الحجاز
العـــــــــــراق
تفكيك العراق على أسس عرقية ودينية ومذهبية على النحو الذي حدث في سوريا في عهد العثمانيين الى ثلاثة دويلات
دويلة شيعية في الجنوب حول البصرة
دويلة سنية في وسط العراق حول بغداد
دويلة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل (كردستان) تقوم على أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية والسوفيتية
ملاحظة:

صوت مجلس الشيوخ الأمريكي كشرط انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 29/9/2007
على على تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات المذكور أعلاه
وطالب مسعود برزاني بعمل استفتاء لتقرير مصير إقليم كردستان العراق
واعتبار عاصمته محافظة (كركوك) الغنية بالنفط محافظة كردية
ونال مباركة عراقية وأمريكية في أكتوبر 2010
والمعروف أن دستور “بريمر” وحلفائه من العراقيين
قد أقر الفيدرالية التي تشمل الدويلات الثلاث على أسس طائفية
شيعية في (الجنوب)/ سنية في (الوسط)/ كردية في (الشمال)ه
عقب احتلال العراق في مارس-إبريل 2003
مخطط تقسيم ســــــــــوريا
انظر الخريطة السابقة(خريطة تقسيم سوريا والعراق) تقسيمها إلى أقاليم متمايزة عرقيا أو دينيا أو مذهبيا الى اربعة دويلات
دولة علوية شيعية (على امتداد الشاطئ).ه
دولة سنية في منطقة حلب
دولة سنية حول دمشق
دولة الدروز في الجولان ولبنان وتشمل جزء من الأراضي الجنوبية السورية وشرق الأردن والأراضي اللبنانية
مخطط تقسيم لبنــــــــــان
تقسيم لبنان إلى ثمانية كانتونات عرقية ومذهبية ودينية
دويلة سنية في الشمال (عاصمتها طرابلس )ه
دويلة مارونية شمالا (عاصمتها جونيه).ه
دويلة سهل البقاع العلوية (عاصمتها بعلبك) خاضعة للنفوذ السوري شرق لبنان.
بيروت الدولية (المدوّلة )ه
كانتون فلسطيني حول صيدا وحتى نهر الليطاني تسيطر عليه منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)ه
كانتون كتائبي في الجنوب والتي تشمل مسيحيين ونصف مليون من الشيعة.
دويلة درزية ( في أجزاء من الأراضي اللبنانية والسورية والفلسطينية المحتلة ).ه
كانتون مسيحي تحت النفوذ الإسرائيلي.ه
مخطط تقسيم إيران وباكستان وأفغانستان
تقسيم ايران وباكستان وافغانستان
تقسيمها إلى عشرة كيانات عرقية ضعيفة
كردستان.
أذربيجان.
تركستان.
عربستان.
إيرانستان
(ما بقى من إيران بعد التقسيم).
بوخونستان.
بلونستان.
أفغانستان (ما بقى منها بعد التقسيم).ه
باكستان
ما بقى منها بعد التقسيم كشمير.
مخطط تقسيم تركيــــــــا

انتزاع جزء من تركيا وضمه للدولة الكردية المزمع إقامتها في العراق.انظر خريطة تقسيم العراق
المخطط للاردن

تصفية الأردن ونقل السلطة للفلسطينيين
المخطط لفلســــــطين
بات معروفاً بدون شروحات
___________________________________________________________________
خريطة اسرائيل الكبرى
خريطة اسرائيل الكبرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 وفيها تم اقتسام ما تبقي من المشرق العربي عقب الحرب العالمية الاولي بين انجلترا وفرنسا والذي اعقبها وعد بلفور 1917 لليهود في فلسطين
جيمي كارتر حكم امريكا منذ 1977–1981وفي عهده تم وضع مشروع التفكيك وهو قس داهية يعتمد السياسة الناعمة
يعتمد السياسة الناعمة
وهو الان يجوب الدول العربية بحجة تحقيق الديمقراطية ونشر السلام في المنطقة !!!!
فعلى العرب الانتباه لهذا المخطط الصهيوني الاستعماري الخبيث والذي يريد اضعافهم وتفتييت دولهم لغرض الهيمنة عليها واقامة اسرائيل الكبرى في وقت ان دول الغرب الاستعماري تتحد فيما بينها لتزداد قوة الى قوتهم ليزدادوا افسادا وظلما في الارض

تشومسكي: الانحدار الأمريكي (النهج الإمبريالي)

المميز

تشومسكي: الانحدار الأمريكي (النهج الإمبريالي)
الانحدار الأمريكي: “خسارة” العالم
في كل عام يتم إحياء العديد من المناسبات بكل الوقار و التقدير اللائقين, و من بين هذه المناسبات حادثة الاعتداء الياباني على القاعدة البحرية الأمريكية في بيرل هاربر. في الحين ذاته تلقى مناسبات أخرى التجاهل بالرغم من أنها تملك أغلب الأحيان دروساً قيّمة فيما يتعلق بما قد يحمله المستقبل أو في الحقيقة بما يحصل في الحاضر هذه اللحظة بالذات.
نفشل أيضاً في إحياء الذكرى الخمسين على قرار الرئيس جون.إف.كينيدي بإطلاق العمل العدواني الأكثر تدميراً و إجراماً لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية و المتمثل في غزوه فيتنام الجنوبية و لا حقاً احتلال كل منطقة الهند الصينية(Indochina), و مخلفاً بسبب هذا الغزو ملايين القتلى و أربع دول مدّمرة بالإضافة إلى الوفيات التي لا تزال تتصاعد بسبب التأثيرات الطويلة الأمد لإغراق فيتنام الجنوبية بأكثر مسببات السرطان فتكاً و التي تم استخدامها لتدمير التربة و المحاصيل الغذائية.
كان الهدف الرئيسي للحرب هو فيتنام الجنوبية لكن العدوان امتد لاحقاً إلى الشمال و بعدها إلى أبعد نقطة في المجتمع الفلاحي في لاوس الشمالية و أخيراً نحو كمبوديا الريفية التي قُصفت بشكل مكثف من قبل الوحدات الجوية الحليفة في منطقة الباسيفيك خلال الحرب العالمية الثانية بما في ذلك إلقاء قنبلتين ذريتين على كل من هيروشيما و ناغازاكي. و هذا العمل كان تنفيذاً مباشراً لأوامر هنري كيسنجر الذي قال: ” دمروا كل شيء يطير أو يتحرك”. من النادر أن نرى هكذا دعوة للقيام بمجزرة في سجل التاريخ و لا يتردد صداها إلا قليلاً فهذا النداء(الدعوة) بالكاد متداول خارج أوساط الناشطين المحدودة.
عندما أُطلق العدوان منذ خمسين عام كان القلق حيال إيجاد تبرير له متواضعاً جداً و بالكاد يرقى إلى أبعد من التماس شجّي للرئيس حينذاك الذي قال بأننا “نواجه معارضة حول العالم بواسطة مؤامرة أحادية الجانب و قاسية تعتمد بشكل أساسي على أدوات للتغيير من أجل توسيع نطاق تأثيرها” و إن نجحت المؤامرة في تحقيق أهدافها في لاوس و فيتنام” فستفتح الأبواب على مصارعها”.
في مكان آخر حذّر(الرئيس كينيدي) بأن المجتمعات المهادنة و المتراخية والمنغمسة بذاتها على وشك ان تُمحق و تذهب مع حطام التاريخ (ولكن) الأقوياء فقط بإمكانهم النجاة ” و بهذه الحالة يجب التفكير جيداً بأسباب فشل العدوان و سبب إرهاب الولايات المتحدة في سعيها لسحق الاستقلال الكوبي.
في الوقت الذي تصاعدت فيه الاحتجاجات بعد سنتين توقع برنارد فوول(Bernard Fall) الخبير الفيتنامي المحترم و المؤرخ العسكري, مع أنه ليس من رجال السياسة الداعين للسلام, بأن” فيتنام كثقافة و ككيان تاريخي مهدد بالأفول تماماً بالوقت الذي يتقهقر فيه هذا الريف الفيتنامي تحت ضربات أكبر ماكينة عسكرية أُطلقت على منطقة بهذا الحجم.” و يشير بكلامه هنا إلى فيتنام الجنوبية أيضاً.
عندما انتهت الحرب بعد ثمانية سنوات مريعة انقسم الرأي العام بين من وصف الحرب ب ” القضية النبيلة” التي كان من الممكن الانتصار فيها لو كُرّس لها المزيد من الجهد. أمّا الطرف الآخر فكان من النُقاد و ممن وصفوا الحرب ب”الغلطة” المكلفة كثيراً كما تبين لاحقاً. بحلول عام 1977 أثار الرئيس كارتر الانتباه قليلاً عندما وضّح بأننا “لا ندين” لفيتنام بشيء ف”الخراب كان مشتركاً”.
هناك دروسٌ مهمة في هذا كله اليوم بالرغم من التحذير الآخر القائل بأن من يتحمل مسؤولية جرائمه هم فقط الضعفاء و المهزومون. و أحد هذه الدروس الأخرى هو و لكي نفهم ما يجري ليس علينا فقط الاستناد على أحداث حاسمة حدثت في العالم الحقيقي و أسقطها التاريخ, بل الاستناد على ما يؤمن به القادة و وجهة النظر النخبوية حتى لو شاب ذلك شيء من شطط الخيال. هناك درس آخر يقول بأنه و إلى جانب شطحات الخيال المختلقة من أجل ترويع و تحريك العامة (ربما هذا ما يؤمن به ممن وقعوا في شرك خطابهم) هناك التخطيط الجيوستراتيجي الذي تُؤسسه المبادئ العقلانية و الثابتة على مدى مراحل طويلة؛ فهذه(المبادئ) متجذرة في المؤسسات و من ضمن مجال اهتماماتها و هذا ينطبق على الحالة الفيتنامية أيضاً. سأعود إلى هذا فيما بعد و لكن أشدد هنا على أن العوامل الثابتة في العمل الحكومي موجودة و لكنها مستترة بشكل جيد عموماً.
هناك الحرب على العراق و هي قضية مفيدة من أجل الإيضاح. فقد تم تسويقها للعامة المرتعبة على أسس عادية تتناول الدفاع عن النفس في مواجهة خطر عظيم يهدد البقاء. تمحور” السؤال الوحيد” الذي أفصح عنه كل من جورج بوش و توني بلير حول نية صدام حسين في إيقاف برنامجه لتطوير أسلحة الدمار الشامل. لكن عندما حصلوا على إجابة بالنفي على هذا “السؤال الوحيد” شهد الخطاب الحكومي تحولاً سلساً إلى خطاب ” كان السبب توقنا إلى الديمقراطية” و قد انضم الرأي المثقف إلى هذا المنحى كما هو متوقع بشكل روتيني.
لاحقاً و في الوقت الذي بدأ فيه ميزان الهزيمة الأمريكية في العراق يستعصي على الكبح أقرّت الحكومة مذعنةً لما كان جلياً دائماً. فبين عامي 2007 و 2008 أعلنت الإدارة و بشكل رسمي بأن الاتفاق الأخير يجب أن يضمن وجود قواعد عسكرية للولايات المتحدة و ضمان حقها في القيام بعمليات قتالية, و يجب أن تُمنح الأفضلية للمستثمرين الأمريكيين في مجال استثمار الطاقة, و لكن تخلوا عن هذه الطلبات لاحقاً عندما تعرضوا لمهاجمة المقاومة العراقية. كل هذا تم إخفاءه بشكل جيد عن عامة الشعب.
قياس الانحدار الأمريكي
بوجود مثل هذه الدروس المفيدة في الذهن فمن المفيد بمكان النظر إلى ما تركز عليه اليوم كبرى الصحف المتخصصة بالسياسة و وجهات النظر. دعونا نتناول فقط الصحف المؤسساتية الأكثر اعتبارية في البلد كصحفية “فورن أفيرز” مثلاً. يأتي العنوان الرئيسي لعدد أيلول 2011 على صفحة الغلاف مدوياً و مكتوباً بخط عريض: “هل انتهت أمريكا؟”
يدعو المقال الذي يحمل هذا العنوان إلى ” تخفيض كلفة المهمات الإنسانية” في الخارج و التي تستهلك ثروة البلد و لتعطيل الانحدار الأمريكي. و يوضح المقال بأن هذه (المهمات الإنسانية) شكلت الثيمة الأساسية في خطاب العلاقات الدولية الأمريكية و اللازمة المصاحبة له محذرة دوماً بأن القوة تتحول من الغرب إلى الشرق( إلى الصين أو ربما إلى الهند).
أمّا المقالات الرئيسية فهي حول إسرائيل- فلسطين. في المقالة الأولى يجري النقاش بين موظفين إسرائيليين مرموقين و يأتي النقاش تحت عنوان” المشكلة هي الرفض الفلسطيني”؛ لا يمكن حل الصراع لأن الفلسطينيين يرفضون الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية و بالتالي الامتثال إلى الممارسة الدبلوماسية المعتمدة و التي تقول بأن الاعتراف هو اعتراف بالدولة و ليس اعتراف بقطاعات ذات الامتياز.و لكن بالكاد يرقى هذا الطلب إلى أكثر من مجرد كونه أداة جديدة لردع خطر التسوية السياسية التي من شأنها أن تقوض الأهداف الإسرائيلية التوسعية.
أمّا الرأي المعارض فيدافع عنه بروفسور أمريكي و المقالة معنونة ب” المشكلة هي الاستيطان” و يأتي العنوان الفرعي: “كيف يدمر الاستيطان الأمة”. و لكن أية أمة؟ إسرائيل بكل تأكيد. و تظهر مقالات أخرى مقرونة بهاتين المقالتين تحت عنوان ” إسرائيل تحت الحصار”.
تبرز أيضاً في عدد كانون الثاني 2012 دعوة أخرى لضرب إيران الآن و قبل أن يفوت الأوان محذرة في الوقت نفسه من ” مخاطر الردع”. يقترح الكاتب بأن ” المشككين بالعمل العسكري فشلوا في توقع الخطر الحقيقي الذي يمكن أن تشكله إيران مسلحة نووياً على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط و بقية الشرق, و بيّن أن توقعاتهم الكئيبة تفترض بأن العلاج سيكون أسوأ من الداء نفسه. هذا يعني, وفقاً لكاتب المقال, بأن تبعات الاعتداء الأمريكي على إيران ستكون سيئة بقدر سوء تبعات مسعى إيران لتحقيق طموحها النووي و لكنه افتراض خاطئ و الحقيقة هي أن ضربة عسكرية بهدف تدمير البرنامج النووي الإيراني, إن تم إدارتها جيداً, يمكن أن تحمي المنطقة و العالم من خطر حقيقي جداً و ستعزز الأمن القومي الأمريكي بشكل كبير على المدى الطويل”.
يجادل آخرون بأن التكلفة ستكون عالية جداً و يذهب غيرهم بعيداً قائلين بأن أي اعتداء سيخرق القانون الدولي, تماماً كما يظهر في موقف المعتدلين ممن يدلون دوماً بتهديدات خرق لميثاق الأمم المتحدة.
و لكن في مقابل هذه الطروحات دعونا نجري تقييماً لهذه القضايا العامة.
الانحدار الأمريكي حقيقي على الرغم من أن الرؤية التنبؤية تتقاطع مع الاعتقاد المتداول للطبقة الحاكمة و القائل بأن أي شيء يفتقد إلى السيطرة الكاملة يرقى إلى مستوى كارثة كاملة. على الرغم من هذا الرثاء المثير للشفقة تبقى الولايات المتحدة القوة المهيمنة بهامش كبير و لا وجود لمنافس حقيقي في الأفق, و لا نعني هنا فقط المجال العسكري الذي تتفوق فيه الولايات المتحدة بل تغيب المنافسة على كافة الصعد الأخرى.
سجلت كل من الصين و الهند نمواً سريعاً ( على الرغم من أنه نمو لا يتمتع بالعدل و المساواة) و لكنهما مع ذلك بلدان فقيران جداً و يعانيان من مشاكل دولية كبيرة لا يواجهها الغرب مثلهما. تعد الصين المركز الصناعي الأكبر عالمياً و لكنه مركز يشبه مصنع تجميع للقوى الصناعية المتطورة في محيطها و للشركات الغربية المتعددة الجنسية و من المحتمل جداً أن يتغير هذا مع الوقت. يوفر التصنيع دوماً أرضية للابتكار و الإبداعات الخارقة كما يحدث في بعض الأحيان في الصين. أحد الأمثلة التي أذهلت المختصين الغربيين هي هيمنة الصين على السوق الدولي المتنامي للألواح الشمسية و هذه الهيمنة ليست بسبب العمالة الرخيصة بل بالتخطيط المنظم و الإبداع بشكل مستمر.
لكن المشكلات التي تواجهها الصين خطيرة و جدية, بعضها مشكلات ديموغرافية كما تعرض مجلة “ساينس” الأسبوعية العلمية الرئيسية في الولايات المتحدة. حيث تُظهر الدراسة بأن معدل الوفيات تناقص بشكل كبير في الصين خلال حكم ماو ” و ذلك يعود بشكل أساسي إلى النمو الاقتصادي و تحسن التعليم و الخدمات الصحية خاصة فيما يتعلق بحملة العناية بالصحة العامة و التي نتج عنها هبوط حاد في معدل الوفاة التي قد تسببه الأمراض الناجمة عن عدوى.” ومع مبادرة المصلحين الرأسماليين منذ ثلاثين عاماً انتهى هذا و ارتفع منذئذٍ معدل الوفاة.
إضافة إلى هذا ارتكز النمو الاقتصادي الصيني الحديث بشكل أساسي على ” العلاوة الديموغرافية” و هي النسبة السكانية الكبيرة ممن هم في سن العمل ” و لكن نافذة استغلال هذه العلاوة قد تُغلق عما قريب” و سيصاحب هذا ” تأثير عظيم على النمو”. و لن تتوفر بالتالي الكثافة العمالية الرخيصة و التي شكلت أحد العوامل الكبرى وراء المعجزة الاقتصادية الصينية منذ وقت طويل. و المشكلة الديموغرافية إحدى المشكلات الكثيرة و الخطيرة التي سيتكشف عنها المستقبل, أمّا بالنسبة للهند فالمشاكل أكبر وأكثر خطراً.
لا تستوعب كل الأصوات المهيمنة الانحدار الأمريكي, و هذا يبدو جلياً على وجه الخصوص في الإعلام الدولي فما من أحد أكثر جدية في عدم تقبله لمسألة الانحدار كمثل صحيفة الفاننيشال تايمز اللندنية. فقد خصصت الصحيفة مؤخراً صفحة كاملة تتناول فيه التوقع المثير للتفاؤل بشأن تكنولوجيا جديدة لاستخراج الوقود الأحفوري من أمريكا الشمالية و التي قد تسمح للولايات المتحدة بالاستقلال في مجال الطاقة و بالتالي ستحافظ على هيمنتها العالمية لقرنٍ آخر. وتتجاهل الصحيفة ذكر شكل و نوع هذا العالم الذي ستحكمه أمريكا بواسطة هذا الاكتشاف الرائع مع أن سبب هذا التجاهل بكل تأكيد ليس الافتقار لدليل يثبته.
في نفس الوقت ذكرت وكالة الطاقة الدولية في تقرير لها بأنه و مع ازدياد انبعاثات الكربون جراء استخدام الوقود الأحفوري فإن حد السلامة سينتهي بحدود العام 2017 إن استمر العالم على نهجه الحالي. ” الباب يُغلق الآن” قال رئيس الاقتصاديين في وكالة الطاقة العالمية و” سيغلق هذا الباب للأبد. قبل هذا بقليل أوردت وزارة الطاقة الأمريكية في تقرير لها تكشف فيه عن أرقام حديثة حول انبعاثات غاز ثاني أكيد الكربون التي “قفزت إلى أعلى نسبة مسجلة” و هي نسبة أعلى مما جاء في السيناريو الأكثر سوءاً الذي توقعته اللجنة الدولية للتغيير المناخي (IPCC). لم يكن هذا مفاجئاً للعديد من العلماء بمن فيهم العلماء في برنامج (MIT) حول التغير المناخي. فقد حذّر هذا البرنامج قبلاً و على مدى أعوام بأن توقعات اللجنة الدولية للتغير المناخي كانت متحفظة جداً.
لم تحظ هذه الانتقادات لتوقعات اللجنة الدولية بأي اهتمام شعبي. على العكس فإن هامش الرافضين أجهض هذه التحذيرات, و هؤلاء الرافضين هم من يدعمهم قطاع الشركات الذي يقود حملة دعائية كبيرة أبعدت أمريكا عن الموقف العالمي العام فيما يتعلق بقضية المناخ. و لأن الدعم في قطاع الأعمال يُترجم إلى سلطة سياسية يُعد الإنكار(رفض هذه التوقعات حول المناخ) جزء من التعاليم التي يُفصح عنها المرشحون الجمهوريون في الحملات الانتخابية الهزلية التي تجري الآن. إن وجود الجمهوريين في الكونغرس قوي بما فيه الكفاية لإجهاض حتى محاولات التحقيق بتأثيرات الاحترار الكوني فما بالك بمحاولة القيام بعمل جاد حيال الأمر.
بالمختصر و ببساطة يمكن إيقاف الانحدار الأمريكي إن تخلينا عن الأمل ببقاء لائق و هذه توقعات حقيقية جداً بالنظر إلى ميزان القوى الحالي في العالم.
“خسارة” الصين و فيتنام
لنضع هذه الأفكار غير السارة جانباً و لنأخذ نظرة دقيقة إلى الانحدار الأمريكي. يظهر لدينا بأن الصين تلعب دوراً كبيراً كما فعلت تماماً على مدى السنوات الستين الأخيرة و لهذا فالانحدار الذي نشهده اليوم و يسبب هذا القلق ليس ظاهرة حديثة. هذا الانحدار يعود بالزمن إلى نهاية الحرب العالمية الثانية عندما حصلت الولايات المتحدة على نصف ثروة العالم و على أمنٍ و ذراع عالميين لا مثيل لهما. كان المخططون بطبيعة الحال مدركين جيداً للتباين الهائل في القوى و كانت لديهم نية إبقاء هذا التباين على ما هو عليه.
ظهرت وجهة النظر هذه و بكل الصراحة الداعية للاحترام في وثيقة حكومية مهمة عام 1948 و تدعى بوثيقة(PPS 23). يعد جورج كينان(George Kennan) كاتب هذه الوثيقة أحد مهندسي النظام العالمي الجديد السائد الآن, فقد شغل منصب رئيس هيئة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية و هو رجل الدولة و الباحث المحترم و من دعاة السلام ممن يقومون بالتخطيط.
أوضح كينان بأن هدف السياسة المركزية كان الحفاظ على ” وضع التباين” و الذي تأسس ليحقق الفصل بين ثروتنا الهائلة و فقر الآخرين, و لتحقيق هذا الهدف نصح كينان بأنه ” علينا التوقف عن التكلم حول أهداف و غايات مبهمة و غير واقعية مثل حقوق الإنسان و رفع المستوى المعيشي و الديمقراطية” و علينا ” التصرف وفق مفاهيم سلطوية واضحة” و ليس” التخبط بشعارات مثالية” حول” الإيثار و الإحسان العالمي”.
يشير كينان بكلامه هذا إلى آسيا على وجه التحديد و لكن يمكننا تعميم هذه الملاحظات مع بعض الاستثناءات الخاصة على بعض المشاركين في النظام العالمي الذي تقوده أمريكا. من المعلوم بمكان بأن ” الشعارات المثالية” ستُطرح بشكل جلي في خطابنا للآخرين بما في ذلك الطبقات المثقفة تلك التي من المتوقع أن تمنح الشرعية العلنية لهذه الشعارات.
سلّمت الخطة التي ساهم كينان في صياغتها و تطبيقها بأن الولايات المتحدة ستحكم نصف الكرة الغربي و الشرق الأقصى و الإمبراطورية البريطانية السابقة( بما في ذلك التحكم بمصادر الطاقة الهائلة في الشرق الأوسط) و كل ما يمكن السيطرة عليه في اوراسيا بالأخص التحكم بمراكز التجارة و الصناعة فيها. لم تكن هذه الأهداف غير واقعية نظراً إلى توزع القوى و لكن مع ذلك بدأ هذا الانحدار منذئذ.
إن إعلان الصين لاستقلالها في عام 1949 حدث مهم في الخطاب الغربي- خطاب الولايات المتحدة- و يأتي تحت عنوان “خسارة الصين”. و يصاحب هذا الحدث اتهامات و صراعات مريرة حول من يتحمل مسؤولية هذه الخسارة. إن مصطلح ” خسارة الصين” مصطلح فضائحي نظراً إلى استحالة فكرة خسارة شيء أنت لا تملكه أصلاً. كان الافتراض الضمني دوماً هو أن الولايات المتحدة تملك الصين بكل أحقية بما في ذلك أيضاً امتلاكها لبقية العالم كما افترض مهندسو عالم ما بعد الحرب.
لم تكن خسارة الصين همّاً كبيراً برغم المزاعم حول مواردها الغنية كما عبّر عنها الرئيس أيزنهاور و آخرون غيره. على العكس كان الهم منصباً على “نظرية الدومينو” التي غالباً ما تثير السخرية عندما تفشل. لكن مع هذا تبقى هذه النظرية المبدأ الأساسي في السياسة لأنها عقلانية جداً. إذاً و وفق رؤية الرئيس كيسنجر فالمنطقة التي تفلت من السيطرة يمكن أن تتحول إلى “فيروس” من شأنه ” أن ينشر العدوى” و يشجع الآخرين السير على نفس الطريق.
في حالة فيتنام كان الهم يتمحور حول قدرة الفيروس على التطور المستقل مما سيسبب العدوى لأندونيسا التي تمتلك موارد غنية و هذا سيدفع باليابان -”حجر الدومينو الأبرز” كما دعاها جون داور(John Dower) المؤرخ البارز في الشؤون الأسيوية- إلى ” التكيف” مع أسيا مستقلة في الحين الذي سينجو مركزها التكنولوجي و الصناعي (اليابان) في منظومة ما من ذراع النفوذ الأمريكي. و كنتيجة لذلك ستكون الولايات المتحدة قد خسرت المرحلة الباسيفيكية من الحرب العالمية الثانية حين حاربت محاولة اليابان بناء نظام جديد في آسيا.
أمّا طريقة التعامل مع هذه المشكلة فهي واضحة وتتلخص بتدمير الفيروس و “تحصين” ممن قد يتعرضون للعدوى. في الحالة الفيتنامية كان الخيار المنطقي القضاء على أي أمل بتطور مستقل و ناجح, و محاولة فرض ديكتاتوريات وحشية في المناطق المتاخمة لها. و قد تم تنفيذ هذه المهام بنجاح لكن للتاريخ دهاءه الخاص فقد بدأ في أسيا الشرقية تنامي هذا الشيء المثير للخوف (أي الاستقلال) و الذي سبب اليأس لواشنطن.
كان النصر الأهم للحروب الاندونيسية في1965 عندما دعمت الولايات المتحدة انقلاباً عسكرياً بقيادة الجنرال سوهارتو(Suharto) الذي قام بجرائم كثيرة مشابهة لما قام بها هتلر و ستالين و ماو حسب وصف الاستخبارات الأمريكية المركزية. تناول الرأي العام الأمريكي الأمر على أنه ” مجزرة شاملة و مريعة” كما وصفتها جريدة النويورك تايمز آنذاك بكل دقة و انفعال غير ملجوم.
كان هذا الانقلاب ” بارقة أمل في أسيا” كما جاء وصف جيمس ريستون (James Reston) الناقد الليبرالي البارز في مجلة التايمز. فقد قضى الانقلاب على خطر الديمقراطية و قضى على فرصة قيام حزب سياسي للفقراء بقاعدة شعبية, و أسسَ لديكتاتورية بأسوأ سجل سوابق في مجال خرق حقوق الإنسان في العالم فضلاً عن تسليم ثروات البلد للمستثمرين الغربيين. و لكن ما يثير الاستغراب هنا هو أنه و بعد أهوال أخرى من بينها الغزو الشبيه بالإبادة للتيمور الشرقية رحبت إدارة كلينتون في 1995 بسوهارتو ومنحته لقب ” صديقنا اللطيف“.
بعد مرور عدة أعوام على الأحداث الكبرى لعام 1965, يرى ماك جورج باندي (McGeorge Bundy) مستشار الأمن القومي في عهدي الرئيسين جونسون و كينيدي, بأن إنهاء الحرب على فيتنام في ذلك الوقت قرار حكيم, فالفيروس قد دُمر تقريباً و حجر الدومينو الأساسي لا يزال في مكانه تدعمه دكتاتوريات تساندها الولايات المتحدة في المنطقة.
تم اخذ إجراءات مماثلة في مناطق أخرى و نعني هنا بالتحديد ما أشار إليه كيسنجر بخطر الديمقراطية الاشتراكية في تشيلي. و قد انتهى ذلك التهديد في ذكرى سنوية أخرى منسية, ذكرى تُدعى “أحداث 11/9 الأولى “. هذه الذكرى تتجاوز بعواقبها و تأثيراتها أحداث الحادي عشر من أيلول التي يحيها الغربيون كل عام. لقد فُرض على تشيلي ديكتاتورية قاسية و واحدة من أشرس أوبئة القمع التي اجتاحت أمريكا اللاتينية وصولاً إلى أمريكا الوسطى في عهد ريغان. و قد أثارت الفيروسات القلق أيضاً في أمكنة أخرى بما في ذلك الشرق الأوسط, حيث أقلق تهديد القوميات العلمانية المخططين البريطانيين و الأمريكيين و لذلك دعموا الأصولية الإسلامية المتطرفة لمواجهة هذه العلمانية.

ترّكز الثروة و الانحدار الأمريكي
بالرغم من هذه الانتصارات استمر الانحدار الأمريكي, و بحلول 1970 انخفضت حصة الولايات المتحدة من الثروة العالمية إلى حوالي 25% تقريباً و التي تبقى بالرغم من ضخامتها أقل بكثير مما كانت عليه عند نهاية الحرب العالمة الثانية. ففي تلك الفترة (عند نهاية الحرب العالمية الثانية) تحول العالم الصناعي إلى عالم ثلاثي الأقطاب: أمريكا الشمالية بقاعدة الولايات المتحدة و أوربا بقاعدة ألمانيا و الشرق الأقصى بقاعدة اليابان في وقت مضى. هذا الشرق الأقصى الذي أصبح بمجمله منطقة صناعية دينامية تضم مستعمرات الإمبراطورية اليابانية السابقة (تايوان و كوريا الجنوبية و الصين منذ عهد قريب).
في ذلك الوقت تقريباً دخل الانحدار الأمريكي مرحلة جديدة تعرف بالانحدار الواعي و الذاتي. فقد حدث تغيير هام في الاقتصاد الأمريكي منذ سبعينيات القرن الماضي عندما تحول المخططون في القطاع الخاص و الحكومي إلى التمويل و ابتعدوا عن الإنتاج. و دفعهم إلى ذلك جزئياً المعدل المتراجع للفائدة في التصنيع المحلي. أوجدت هذه القرارات حلقة مفرغة أصبحت فيها الثروة مرّكزة جداً ( بشكل كبير تركزت بيد 0.1% من الشعب) مما قاد إلى تركز السلطة السياسية و بالتالي استمرار التشريعات اللازمة لبقاء هذه الحلقة بما في ذلك التشريعات الخاصة بالضرائب و السياسيات المالية و تحرير التجارة و تغيير القوانين الخاصة بهيمنة الشركات مما سمح بمكاسب ضخمة للمدراء التنفيذيين و هكذا دواليك.
في الوقت عينه و بالنسبة للغالبية تراجعت الأجور الحقيقة و تحمّل الناس هذا التراجع بتحمل زيادة كبيرة في عبئ العمل( عبء أكبر مقارنة بأوربا) بالإضافة إلى الديون المتفاقمة و الفقاعات السكنية المتكررة منذ الفترة الريغانية. هذا بالتالي خلق ثروة في العملة الورقية انتهت بشكل متوقع عندما انفجرت الفقاعة ( و قد تم الإنقاذ بأموال دافعي الضرائب). بالتوازي مع هذا تحطم النظام السياسي بشكل متنامي بينما اندفع كلا الحزبين أكثر نحو جيوب الشركات مع التكلفة المتزايدة للانتخابات التي يصل فيها الجمهوريون إلى درجة مثيرة للسخرية و يلحقهم الديمقراطيون ( ممن تحول اسمهم الآن إلى ” الجمهوريون المعتدلون”).
في دراسة حديثة لمعهد السياسة الاقتصادية, و هو أحد أهم مصادر البيانات المشهود لها بأمانتها حول هذه التطورات على مدى أعوام, أتت دراسة تحت عنوان ” فشل سببه المُخطط”. إن عبارة ” سببه المُخطط” عبارة دقيقة مع وجود احتمالات أخرى ممكنة تماماً. فكما توضح الدراسة كان سبب “الفشل” طبقياً و لم يكن فشلاً سببه سياسات مصممي المُخطط فالأمر أبعد من هذا. على العكس كانت السبب هو السياسات الفاشلة وفقاً لرأي الغالبية الكبرى ممن يشكلون 99% بالمائة و حسب تصور حركة “احتلوا” الذين يرون بأن البلد انحدر و يستمر بالانحدار جراء هذه السياسات.
بالعودة إلى عامل النأي بعيداً عن التصنيع نعود إلى مثال ألواح الطاقة الشمسية السالف الذكر. تؤمن القدرة التصنيعية القاعدة و الحوافز اللازمة للابتكار و هذا من شأنه أن يقود إلى مراحل عالية من التعقيد في الإنتاج و التصميم و الاختراع. وقد اجتث هذا (التصنيع) من جذوره أيضاً و بالنسبة “لعتاة المال” ممن يصممون السياسة باطراد فهذا ليس بمشكلة. بينما هو مشكلة جديّة بالنسبة للطبقة العاملة و الطبقة الوسطى و هو كارثة على المضطهدين و الأمريكيين الأفارقة ممن لم ينجوا من العبودية و أثارها البشعة و كارثة على من اختفت ثرواتهم الهزيلة تقريباً بعد انهيار الفقاعة السكنية في 2008 ,هذه الفقاعة التي أطلقت الأزمة المالية الأحدث و الأسوأ حتى الآن.

تييري ميسان —-الصراع السوري تدبير غربي مسبق

المميز

لارادة الغربية بالتخلص من سورية, أمر بات معروفا للجميع, وكاف تماما لتفسير الأحداث الجارية حاليا. لنتذكر في هذا الخصوص بعض الوقائع التي لاتترك مجالا للشك, في أن مايجري, قد تم التخطيط له عن سابق ترصد وتصميم [3].

قرار الحرب على سورية تم اتخاذه من قبل الرئيس جورج والتر بوش, أثناء اجتماع عقد في كامب ديفيد بتاريخ 15 أيلول-سبتمبر 2001, بعد أيام من تفجيرات نيويورك وواشنطن. وكان من المقرر أن يتم التدخل العسكري في سورية وليبيا في وقت واحد, لإثبات قدرات الولايات المتحدة على التحرك في مسرح عمليات مزدوج. وقد أكدت شهادة الجنرال ويسلي كلارك, الذي كان يشغل منصب القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي صحة هذا القرار, لأنه كان من أبرز المعارضين له.

وعقب سقوط بغداد عام 2003, صادق الكونغرس على قرارين يخولان رئيس الولايات المتحدة بشن حربين: واحدة ضد ليبيا, وأخرى ضد سورية ( قانون محاسبة سورية). في عام 2004, اتهمت واشنطن سورية بأنها تخبيء أسلحة الدمار الشامل التي لم تعثر على أي أثر لها في العراق. وقد تم التراجع فيما بعد عن هذا الاتهام, إثر الاعتراف بعدم وجود هذه الأسلحة أصلا, وبأنه قد تم استخدامها كذريعة لغزو العراق.

في عام 2005, وإثر عملية اغتيال رفيق الحريري, سعت واشنطن لاستثمار الحدث بافتعال حرب مع سورية, لكنها فشلت بسبب قرار سورية بسحب قواتها العسكرية من لبنان. الأمر الذي حدا بالولايات المتحدة لتلفيق شهادات, تحمل الرئيس الأسد مسؤولية حادث التفجير, بعد انشاء محكمة دولية خاصة من أجل محاكمته. لكنهم اضطروا في نهاية المطاف إلى سحب اتهاماتهم, بعد أن انفضح أمر تسييس المحكمة والسيطرة عليها من قبل الولايات المتحدة.

في عام 2006, أنشأت الولايات المتحدة “برنامج سورية الديمقراطي Syria Democracy Program” وباشرت بالتحضير “للثورة السورية”. وقد تجلى ذلك في تأسيس وتمويل مجموعات معارضة, موالية للغرب ك ( حركة العدالة والتنمية). وإلى جانب التمويل الرسمي لهذه المجموعات مباشرة من وزارة الخارجية الأمريكية, كان هناك أيضا تمويل سري مقدم من قبل وكالة الاستخبارات المركزية, عن طريق جمعية في كاليفورنيا تدعى المجلس الديمقراطي The Democracy Council.

وفي عام 2006 أيضا, شنت الولايات المتحدة حربا على لبنان عبر وكيلها الاسرائيلي, أملا منها بجر سورية إلى الحرب, ومن ثم التدخل مباشرة فيها. لكن الانتصار الحاسم الذي حققه حزب الله, أحبط ذلك المخطط.

عام 2007, قامت اسرائيل بمهاجمة سورية, وقصفت منشأة عسكرية (عملية أورشارد). غير أن دمشق حافظت على برودة أعصابها, ولم تستدرج إلى الحرب. وقد أثبت التفتيش الذي أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية فيما بعد, عدم صحة المزاعم الاسرائيلية التي بررت عمليتها بأنها استهدفت موقعا نوويا.

في عام 2008, أثناء اللقاء السنوي الذي ينظمه حلف الناتو, تحت مظلة “مجموعة بلدربيرغ”, قدمت بسمة قضماني رئيسة “المبادرة العربية للاصلاح”, بالتعاون مع فولكر بيرث, مدير مؤسسة العلوم والسياسة في برلين Stitung wissenschaft und politikعرضا موجزا أمام “الغوتا” الأمريكية-الأوروبية عن الفوائد الاقتصادية, والسياسية, والعسكرية, التي يمكن ان تنجم عن تدخل عسكري محتمل في سورية.

عام 2009, أنشأت الولايات المتحدة أدوات دعايتها الاعلامية الموجهة ضد سورية, بإطلاق قناة بردى من لندن, وأورينت من دبي.

من المناسب أن نضيف لكل هذه العوامل التاريخية, الاجتماع الذي انعقد في القاهرة خلال الأسبوع الثاني من شهر شباط-فبراير 2011 حول جون ماكين, وجو ليبرمان, وبرنار هنري ليفي, بحضور شخصيات ليبية كمحمود جبريل ( والذي كان الشخص الثاني في ظل الجماهيرية), إضافة إلى شخصيات سورية كمالك العبده, وعمار قربي. وقد تم في هذا الاجتماع بالذات, إطلاق إشارة البدء بتنفيذ عمليات سرية, تبدأ في 15 شباط-فبراير في ليبيا من مدينة بنغازي, وفي 17 منه في سورية.

في شهر كانون ثاني-يناير 2012, أسست وزارة الخارجية, بالتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية مجموعة عمل “اليوم التالي the day after. Supporting a democratic transition in Syria”, التي قامت بصياغة دستور جديد لسورية, وبرنامج الحكومة القادمة [4].

في شهر أيار-مايو 2012, أسس حلف الناتو ومجلس التعاون الخليجي, مجموعة عمل خاصة بالاقتصاد والتنمية, المنبثقة عن مجموعة أصدقاء الشعب السوري, تضطلع برئاستها كل من ألمانيا ودولة الامارات. وقد كلف الخبير السوري أسامة القاضي بإعداد ملف تقاسم الثروات السورية بين الدول الأعضاء في التحالف, والذي من المقرر له أن يوضع في التنفيذ في “اليوم التالي”, أي في اليوم التالي للإطاحة بالنظام على يد قوات حلف شمال الأطلسي ومجلس التعاون الخليجي [5].

ثوار, أم مناهضي ثورة؟

لم تخرج المجموعات المسلحة في سورية من صفوف المظاهرات السلمية, التي انطلقت في شهر شباط 2011, مطالبة بمكافحة الفساد وبالمزيد من الحريات, بل انبثقت من صفوف الاسلام السياسي كما رأينا سابقا.

لقد تعرضت المناطق الريفية في سورية لأزمات اقتصادية قاسية خلال السنوات الماضية, كان السبب الرئيسي فيها سوء المواسم الزراعية, التي أسيء تقدير تبعاتها, عندما تم اعتبارها كارثة عابرة, في حين أنها كانت نتيجة تغيرات مناخية طويلة الأمد, تواكبت مع أخطاء فادحة في عمليات اصلاح الاقتصاد, التي خلقت فوضى في القطاعات الانتاجية الأولية. وقد نتج عن كل ذلك نزوح هائل من الريف, لم تحسن الحكومة مواجهته, تمثل في تدهور أوضاع شريحة واسعة من الريفيين الذين أهملتهم السلطة. لم يكن السكن الريفي في العديد من المناطق, متمركزا في وحدات قروية, بقدر ما كان موزعا على شكل تجمعات مزارع صغيرة معزولة. لهذا لم يقدر أحد فداحة هذه الظاهرة, إلا حين تجمع أولئك المشردون في أماكن محددة.

وبالمطلق, حين كان المجتمع السوري يجسد مثلا أعلى في التسامح الديني, كان ثمة تيار تكفيري ينمو في جسده رغما عنه. هذا التيار هو الذي سمح بنشوء قاعدة الجماعات المسلحة, التي أغدقت عليها مشيخات الخليج الوهابية الأموال (السعودية وقطر و الشارقة). [6].

لقد أثار هذا الزخم الرغبة لدى أطراف أخرى بالانضمام للمقاتلين. من بين هؤلاء نجد أقرباء ضحايا القمع الجماعي, الذي نجم عن محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها الأخوان المسلمون عام 1982, مدفوعين بأسباب شخصية, تتعلق بالرغبة بانتقام, أكثر منها أيديولوجية.

هناك أيضا العديد من قطاع الطرق, والفارين من العدالة, المدفوعين بجني المال السهل, الذين انضموا إلى الانتفاضة المسلحة: يتلقى الثائر أجرا يعادل 7 أضعاف متوسط الأجر. وفي صفوف المسلحين, هناك أيضا محترفون, ممن قاتلوا في أفغانستان, والبوسنة, والشيشان والعراق, الذين توافدوا إلى ميدان المعارك في سورية. من بين طلائع هؤلاء, نجد رجالا من تنظيم القاعدة في ليبيا, يقودهم عبد الحكيم بلحاج شخصيا [7]. وسائل الاعلام تقدمهم على أنهم مجاهدين, وهذا غير صحيح, لأن الاسلام لم يقر أبدا الجهاد ضد أبناء جلدته. إنهم قبل كل شيء مجرد مرتزقة. تصر الصحافة الغربية, وكذلك إعلام الخليج, على وجود منشقين في عداد الجيش السوري الحر. هذا صحيح إلى حد ما. لكن ما هو غير صحيح البتة, هو الادعاء بأن انشقاق هؤلاء الجنود, كان يحصل دوما إثر رفضهم اطلاق النار على المتظاهرين.

هؤلاء المنشقون يصنفون تقريبا جميعا ضمن الحالات التي ذكرناها أعلاه. ومن الطبيعي لجيش سوري قوامه 300 ألف مقاتل, أن يحوي في صفوفه بعض المتشددين دينيا, وقطاع الطرق أيضا.

تستخدم كل المجموعات المسلحة راية تحتوي على شريط أخضر, بدلا من الأحمر, وثلاث نجوم بدلا من اثنتان, تصفها الصحافة الغربية بعلم الاستقلال, لأنه العلم الذي تم رفعه إبان الاستقلال عام 1946.

أما الواقع فينبئنا بعكس ذلك. لأن هذا العلم, هو الذي كان يرفع أثناء الانتداب الفرنسي, والذي استمر منذ عام 1932 حتى عام 1958. أما النجوم الثلاث فهي ترمز في الواقع إلى التقسيم الطائفي الذي يرمز إلى (العلويين, والدروز, والمسيحيين ) برعية المستعمر. إن استخدام هذا العلم لايعني بالتأكيد رفع شعار ثوري. بل على العكس من ذلك, فهو يؤكد امتداد المشروع الكولونيالي, المتمثل بسايكس-بيكو عام 1916, وإعادة تشكيل “الشرق الأوسط الموسع”.

على مدى الثمانية عشر شهرا من العمليات المسلحة, تمكنت هذه المجموعات من رص صفوفها والتنسيق فيما بينها. وقد أصبح الجزء الأكبر منها حاليا, خاضعا للقيادة التركية مباشرة, تحت مسمى “الجيش السوري الحر”.

وفي الواقع فقد أصبح هذا “الجيش السوري الحر” بمثابة قوة رديفة لحلف الناتو, بعد أن منح مقرا لقيادته العامة, في قلب قاعدة أنجرليك, التابعة لحلف شمال الأطلسي.

أما الاسلاميون الأكثر تشددا, فقد شكلوا منظماتهم المسلحة الخاصة بهم, أو التحقوا بتنظيم القاعدة. وهم جميعا إما تحت سيطرة قطر, أو تحت سيطرة فرع السديري, التابع للعائلة الملكية السعودية [8].

وبالمجمل, جميعهم مرتبطون بوكالة الاستخبارات المركزية.

هذه التركيبة المتصاعدة, التي انطلقت في بدايتها من ريفيين فقراء, لتنتهي بتدفق المرتزقة, تتماهى مع ماعرفناه سابقا في نيكاراغوا, حين أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية عصابات الثورة المضادة “الكونتراس” للاطاحة بالساندينيين, وما عرفناه أيضا في كوبا, حين نظمت السي.آي.ايه, انزالا عسكريا في خليج الخنازير, للإطاحة بنظام كاسترو.

هذا هو بالضبط, النموذج الذي تقتدي به المجموعات المسلحة في سورية الآن:

في شهر أيار-مايو 2012, نظمت عصابات الكونتراس الكوبية في ميامي, دورات تدريب على “حرب العصابات” المناهضة للثورة, لنظرائهم السوريين [9].

الأساليب التي تتبعها وكالة الاستخبارات المركزية, لاتتغير,هي نفسها في كل مكان. لذا فقد كثفت “الكونتراس السورية” عملياتها العسكرية, أملا بتأسيس قواعد ثابتة, (لكن أيا منها لم يدم, بما فيها الإمارة الاسلامية في بابا عمر), أعقبتها عمليات تدمير للاقتصاد ( ضرب البنى التحتية, اشعال الحرائق في المصانع الكبرى ), وصولا إلى الارهاب المباشر ( اخراج قطارات الركاب عن مساراتها, تنفيذ تفجيرات بسيارات مفخخة في مواقع مزدحمة بالناس, اغتيال قادة من رجال الدين, والسياسيين, والعسكريين). في المحصلة, أخذت شريحة من الشعب السوري, التي تعاطفت في بداية الأحداث مع هذه المجموعات المسلحة, لأنها رأت فيها بديلا محتملا للنظام الحالي, بالتراجع تدريجيا في التضامن معهم.

لذا, لم يكن مستغربا أن تتركز معركة دمشق عبر حشد سبعة آلاف مقاتل من كافة أنحاء البلاد وزجهم في العاصمة, بانتظار أن تنضم إليهم فلول المسلحين المرتزقة, الذين تم استقدامهم من عدة بلدان, وتجميعهم في البلدان المجاورة لسورية.

وعندما صدر أمر الهجوم, تحركت مجموعات تقدر بعشرات الآلاف من المرتزقة, باتجاه الحدود السورية, محمولين على متن بيك آبات, مفضلين الانتشار في البادية السورية, بأرتال متناثرة, بدلا من الطرق المعبدة. لكن الطيران السوري كان لهم بالمرصاد, وقد تم وقف زحفهم بقوة, فرضت على الناجين منهم العودة من حيث قدموا.

فقط, بعض هذه المجموعات, ممن تمكنوا من السيطرة على بعض نقاط الحدود, استطاع أفرادها الوصول إلى العاصمة. لكنهم فوجئوا بغياب الدعم الشعبي المنتظر لهم. بل على العكس من ذلك, فقد هرع سكان دمشق, لمساندة الجيش النظامي في تعقب هؤلاء الوافدين واستئصالهم.

وفي النهاية, وجدوا أنفسهم مجبرين على الانسحاب من المعركة, وإعلان استئنافها في حلب, بدلا من دمشق.

هنا, انكشفت الأمور على أرض الواقع, وتبين أن الانتفاضة لا تشمل الدمشقيين, ولا الحلبيين, إنما هي مجموعة مقاتلين جوالين.

تسلل المتمردين عبر البادية, بالقرب من درعا

هنا أيضا, تجدر المقارنة بين لا شعبية المجموعات المسلحة, والشعبية التي يحظى بها الجيش السوري النظامي, إضافة إلى فصائل الدفاع الشعبي.

من المعروف أن الجيش السوري قوامه الخدمة الالزامية, أي أنه جيش مؤلف من الشعب نفسه. وهذا يقودنا إلى الاعتقاد بأنه من المتعذر على هذا الجيش, أن يمارس القمع السياسي لشعبه. لهذا سمحت الحكومة مؤخرا بتشكيل لجان شعبية من سكان الأحياء, ووزعت السلاح على المواطنين الذين تطوعوا بساعتين من يومهم, للدفاع عن أحيائهم في اطار عسكري.

أكياس هواء لمشكاة

اعترضت الرئيس ريغان في زمنه, مصاعب جمة في تقديم “الكونتراس” كثوار من أجل الحرية. لذا فقد أسس بنية بروباغندا لهذا الغرض, أطلق عليها اسم “المكتب الدبلوماسي العمومي, وأوكلت شؤون إدارته ل- أوتو ريخ [10].بدأ أوتو ريخ أنشطته بشراء ذمم الصحفيين في معظم كبريات الصحف في الولايات المتحدة, كما في أوروبا الغربية, من أجل انجاح حملة تضليل الرأي العام. وبدأ ببث الشائعات تلو الأخرى, لكن أهمها كانت شائعة وجود أسلحة كيماوية لدى الساندينيين, والتي يخشى أن يستخدموها ضد شعبهم.

وفي أيامنا هذه, نرى أن البروباغندا نفسها, تدار في البيت الأبيض من قبل مساعد مستشار الأمن القومي, بن رودس.

لم يأت بن رودس بجديد. لقد اكتفى بتطبيق الأساليب القديمة, فأخرج شائعة الأسلحة الكيماوية ضد الرئيس الأسد.

لقد نجح بن رودس, من خلال تعاون جهاز الاستخبارات البريطانية (ام16) معه, بأن يفرض على كل وكالات الأنباء الغربية, بنية وهمية, كمصدر مرجعي وحيد, للأخبار المتعلقة بسورية. إنه “المرصد السوري لحقوق الانسان”.

وهكذا لم يعد بوسع وسائل الاعلام الغربية أن تتحقق من مدى مصداقية هذا المرجع, على الرغم من صدور العديد من البيانات التي كانت تكذب الأخبار التي يبثها, سواء من قبل مراقبي الجامعة العربية, أو مراقبي الأمم المتحدة.

والأنكى من كل ذلك, أن هذه البنية الوهمية التي ليس لها مكاتب, ولا موظفين, ولا خبرة في العمل الحقوقي, أصبحت أيضا, مصدر معلومات وحيد لجميع السفارات الأوروبية, بعد أن تمكن البيت الأبيض من اقناع الدول الأوروبية, بضرورة سحب بعثاتها الدبلوماسية من سورية.

في انتظار الظهور على الهواء مباشرة, يجري مراسل الجزيرة, خالد أبو صالح اتصالا هاتفيا مع إدارة التحرير, زاعما أن بابا عمر يتعرض للقصف, ويعرض الضجيج المشابه. أبو صالح كان أحد ضيوف الشرف الذين دعاهم فرانسوا هولاند إلى مؤتمر أصدقاء سورية الثالث في باريس.

كما قام بن رودس بتنظيم عروض ترفيهية للصحفيين المتعاطفين. وقد أقام لهذا الغرض برجي تنظيم رحلات سياحة, يتبع الأول لمكتب رئيس الوزراء التركي أردوغان, والثاني لرئيس الوزراء اللبناني الأسبق, فؤاد السنيورة. وقد وجهت الدعوات للصحفيين الراغبين بدخول سورية, أن يدخلوها بشكل غير نظامي بمساعدة المهربين.

كانوا يقدمون طيلة الشهور الماضية, رحلات انطلاقا من الحدود التركية, في قرية مراقبة, تقع في الجبل المطل على سورية, تتيح بموقعها التقاط صور “للثوار” عن بعد, و “مشاركة المقاتلين حياتهم اليومية”. أما بالنسبة للصحفيين الأكثر نشاطا, فقد منحوا فرصة زيارة الإمارة الاسلامية في بابا عمر, انطلاقا من الحدود اللبنانية.

المدهش في الأمر, أن العديد من هؤلاء الصحفيين الغربيين, قد شاهدوا بأم أعينهم عمليات تزوير هائلة, لكنهم لم يستخلصوا أي نتائج.

وهكذا رأينا كيف قام صحفي فرنسي شهير بتصوير فيلم يظهر “الثوار” وهم يشعلون الاطارات, كي تصدر دخانا كثيفا يوحي مع المؤثرات الصوتية المزيفة, بأن بابا عمر يتعرض من جديد للقصف. لقد قام بتصوير كل ذلك, وبثه على القناة الرابعة في لندن [11], ومع ذلك ظل يؤكد بأنه شاهد عيان على قصف بابا عمر, مكررا الرواية التي روجها المرصد السوري لحقوق الانسان.

أما صحيفة نيويورك تايمز, التي أشارت إلى أن الصور والفيديوهات التي أرسلت إليها من قبل المكتب الصحفي للجيش السوري الحر, التي تظهر بسالة مقاتليه, كانت مجرد مسرحيات مفبركة [12]. بعد أن كشفت الصور أن الأسلحة التي الحربية, التي كان يحملها المقاتلون البواسل في الفيدو, هي مجرد نسخ بلاستيكية لأسلحة ألعاب الأطفال. ومع ذلك, استمرت الصحيفة بتصديق كذبة أن الجيش المنشق قوامه 100 ألف مقاتل.

قراء في تصريح للجيش السوري الحر. المنشقون المعتزون بانشقاقهم, هم مجرد ممثلين, يحملون أسلحة غير حقيقة.

وفقا للتحليل الكلاسيكي, يفضل كل الصحفيين, أن يستمروا بالكذب, على أن يعترفوا بأنه قد تم التلاعب بهم. لذا, فبمجرد أن تنجح عملية خداعهم, يصبحون مشاركين في تأكيد الكذب الذي اكتشفوه.

تبقى المسألة الأهم هنا, هي أنتم قراء هذا المقال.

هل تفضلون الاستمرار في غض بصركم عن الحقيقة, أم اتخاذ قرار بمساندة الشعب السوري, ضد اعتداء هؤلاء الذين يعتدون عليه؟

تييري ميسان مفكر فرنسي، رئيس ومؤسس شبكة “Réseau Voltaire” ومؤتمر محور للسلام . نشر تحليلات حول السياسة الغربية في الصحافة العربية، والأميركية اللاتينية، والروسية. أحدث كتاب له باللغة الفرنسية: الكذبة الكبرى: المجلد رقم 2، التلاعب والمعلومات المضللة (منشورات ب. برتان، 2007

مراقبة الديمقراطيات – شبكات التدخل الأمريكي … بقلم : تيري ميسان

المميز

مراقبة الديمقراطيات
شبكات التدخل الأمريكي أو ما يعرف ب :Stay-behind

بقلم تييري ميسان رئيس تحرير شبكة فولتير

إثر تحقيقين قاما بهما قاضيين من مدينة فينيسيا، كشف رئيس المجلس الإيطالي سنة 1990 عن وجود شبكة “غلاديو” . هذه الشبكة تتجذر من جملة من العلاقات الأكثر شساعة و غموضا، إنه ” الستاي بيهاند”، تم إقامته من قبل الأمريكيين بعد الحرب العالمية الثانية، للقضاء على التأثيرات الحركية الشيوعية. فهل يملك مواطنو الديمقراطيات حرية الاختيار حقا؟

7 تشرين الأول (أكتوبر) 2004
شبكات التدخل الأمريكية

كلفا معا بالعمل على تسليط الضوء على قضية سقوط طائرة عسكرية سرية، عام 1973، في مدينة “ماغيرا” و عملية تفجير سيارة مفخخة، في مدينة “بايتانو” تقصى ” فيليس كاسون” و ” كارلو ماستيلوني” ( قاضيان من مدينة فينيسيا) استسقيا العديد من الشهادات و الملفات لمحاولة إثبات أن ثمة جهاز سري يتحكم في ايطاليا في ظل المؤسسات الرسمية. بينما هما يستدعيان الى مكتبهما العديد من الشخصيات السياسية في البلاد، أصدر رئيس المجلس، جيليو أندريوتي” و بشكل علني بتاريخ 27 أكتوبر 1990 تصريحا مؤكدا فيه وجود مثل تلك القوى، إنها ” غلاديو”: “

بعد الحرب العالمية الثانية، كان الخوف من النمط السوفييتي قبالة هشاشة القوى التي كانت تتشكل منها منظمة الحلف الأطلنطي إزاء القوى الأخرى التي كانت تقود الدول الأوربية الشرقية الى التفكير في شكل جديد من أشكال الدفاع غير التقليدي، مؤسسين على أراضيهم شبكة سرية للمقاومة موجهة للعمل في حالة الاحتلال من قبل الأعداء، عبر جملة من المعلومات، و من الأعمال التخريبية، و الدعائية، و التمرد [...] على ضوء الأحداث الجديدة و الكبيرة التي هزت أوروبا الشرقية، بحيث كانت الحكومة تفرض مبدأ مراجعة كل الاستعدادات المرتبطة بالحرب غير الأورتودكسية، و تشجيع كل المبادرات على المستوى السياسي و التقني العسكري معا، المطلب الراهن يتمثل في نظام حماية التراب الوطني.” الاعترافات المثيرة التي أدلى بها “جيليو برليسكوني” أخرجت الى الضوء سؤالا كبيرا: طوال الحرب الباردة، هل كانت الديمقراطيات الغربية خاضعة للمصالح السرية التابعة للتحالف الأطلنطي الى درجة أن الديمقراطية نفسها لم تكن أكثر من واجهة فارغة؟ للرد على السؤال، تم إقامة لجان برلمانية للتحقيق في كل من إيطاليا [1]، سويسرا [2]، بلجيكا [3]. نتيجة تلك التحقيقات [4] كانت جد قاسية الى درجة أن دول أخرى مثل فرنسا اختارت الغوص في التكذيب. مع أن وجود ” الستاي بيهايند” كان سرا أقرب الى المبالغة حد التهريج.في سنة 1952، كشفت الصحف الألمانية عن حركات جماعة تنتمي الى اليمين المتطرف الذين تدعمهم عسكريا مكاتب سرية من الحلف الأطلنطي، التي تحضر لعمليات اغتيالية ضد شخصيات من اليسار في حالة وقع اجتياح سوفييتي. كان الحلفاء يريدون منع تأسيس حكومة منزوعة الإرادة من قبل الجيش الأحمر.

تم ذكر شبكة ” الستاي بيهايند” عام 1976، في تقرير لجنة التحقيقات البرلمانية الأمريكية حول السي أي آي ترأسها السناتور “فرانك شورش” [5] . معلومات أكثر دقة تم الإفصاح عنها للعموم عام 1978، من قبل الرئيس السابق لشبكة ” الستاي بيهايند” و الرئيس السابق لمكتب الاستعلامات الأمريكية وليام كولبي في صياغة سيرته الذاتية [6] . تفاصيل أخرى تم نشرها عام 1982 من قبل العقيد ” ألفريد بادوك” [7] قائد الفرقة الرابعة للعمل النفسي. دائما في عام 1982، تحقيق في مكتب التحقيقات الخاصة السي أي آي [8]، جون لوفتوس كشف عن الظروف التي يتم عبرها تشغيل ” الستاي بيهايند”” بدمج ضباط نازيين. الصحفي التاريخي “جياني فلاميني” وصف طريقة عملهم في ايطاليا في كتابه المثير [9] ( 1981ـ 1984). أخيرا فإن تحديد حركيات ” الستاي بيهايند”” شكلت مادة تحليلية في إطار مؤتمر نظمه عام 1988 المركز القومي للمعلومات الاستراتيجية . [10]

مهما بدت الأشياء استرسالية، فإن هذه الوثيقة تبقى قطعة مهمة تعطي الصورة المنمقة للنظام. ملفات من قبل المكتب القومي الأمريكي، تم تفكيكه و نشره عموما تعكس أن تلك الاستعدادات الكاملة للتدخل في الحياة الديمقراطية للدول الحليفة أكبر بكثير من مجرد ” الستاي بيهايند””.

إعادة صياغة معلومة و تاريخ أكثر المصالح سرية لا يقدم فقط اهتماما بالجانب القديم الذي يختفي وراء السياسية الغربية منذ سنة 1947. هذه المصلحة التي تم الاعتراف بها إلا لكي يتم تأكيد علاقتها بالماضي، أليست تمارس عملها الى اليوم؟ بينما كان الأمر يمضي نحو تكذيب وجودها، فقد تعرضت (الستاي بيهايند”) الى الحل ثلاث مرات : أولا عام 1952، ثم عام 1973، و أخيرا سنة 1990. و مع ذلك فهي تنشط دائما، تدير في الخفاء المؤسسات العامة. أليست الديمقراطيات الغربية مجرد أوهام؟
شبكات التدخل الأمريكية

تأسيس ” الستاي بيهايند”

للرد على كل هذه الأسئلة، عودة تاريخية الى الخلف تفرض نفسها. في الشهور الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، طلب من المكتب الأمريكي لمقاومة التجسس ، الفرع X2 من مكتب المصالح الاستراتيجية OSS التكفل بمهمة تحديد مكان الضابط النازيين الذين بقوا في أماكنهم بعد الانسحاب من “الوهرماشت” : التابعون ل” الستاي بيهايند””. بدل إلقاء القبض عليهم أو إعدامهم، ” جيمس أنجلتون” ريس ألX2، و الجنرال ويليام ج. دونوفان رئيس مكتب المصالح الاستراتيجية أل0SS، قررا استغلال استخدام أكبر عدد منهم و إدماجهم بانتظار الحرب العالمية الجديدة التي ستكون بين ” العالم الحر” ضد ” الشيوعية الخطرة” . [11]

كان يجب التحرك بسرعة، قبل أن تتوصل الحركات المقاومة الى كشف أعضاء أل” الستاي بيهايند ” أو التسلل إليهم. بدأت تلك العملية في ايطاليا مع الانقلاب الذي وقع لقائد ” كتيبة الموت” ( دسيما ماس)، الأمير” فاليريو بوغيس” هو الذي أعطى أسماء الضباط لأجل إنقاذ حياتهم. ثم تم تحويلها الى التراب المحتل قديما من قبل الرايخ. بهذا تم التعرف على ضباط الستاي بيهايند الفرنسيين و إدماجهم بعد تغيير الأمين العام للشرطة، رينيه بوسكيه.تم توسيع العملية في ألمانيا نفسها، حتى إقالة الجنرال “رينهار جيهلن” القائد السابق لمكتب “وهرماشت” السري على الجبهة الشرقية. بعد الشهور العشرة من المعاملة ” داخل الولايات الأمريكية من قبل “فرانك ج. ويسنر”، حظي جهلن بالعفو العام و تم تكليفه بتشكيل مديرية ( BND ) المكتب السري لألمانيا الفدرالية [12] . تم تنظيم العملية من طرف “ألان ديل” الذي كان يشتغل منصب رئيس مكتب المصالح الاستراتيجية OSS في برن معتمدا على اتصالاته غير الرسمية التي قام بها في منتصف عام 1942 مع توجّهين من الحزب النازي بقصد التوصل الى سلام منفصل [13] . الضباط النازيين، و الفاشيين الذين كانت لهم وظائف عامة لم يكن ممكنا إدماجهم للعمل في أوروبا. تم نقلهم الى أمريكا اللاتينية أين كانوا قادرين على التحرك. إعادتهم تمت بفضل ” سان سييج” الذي كان يقاسمهم رؤيتهم، تحت مسؤولية “جيوفاني باتيستا موتيني” [14]. في فرنسا، كان تصنيف الضباط من جنسية ألمانية يتم في مخيم الاعتقال بمنطقة ” كودراي/ مورانسيز”(Eure-et-Loir) تحت غطاء ملتقى الأب “فرانس ستوك” . [15]

في سنة 1946، انكب الرئيس هاري س. ترومان على التغيير الحاصل على المستوى الاقتصادي و المؤسسات الحربية الأمريكية. مكتشفا الصعوبات التي واجهتها بلده إبان الحرب العالمية، قرر أن يؤسس مؤسسة حربية و مكاتب سرية مستمرة. كان هذا القرار مشروعا بالنظر الى المفاجآت التي واجهتها بلاده خلال ذلك الصراع، كان القرار أيضا انعكاسا صريحا للعجز الذي تجده الآلة العسكرية الأمريكية قبالة الاقتصاد السلمي. واجه ترومان اعتراضات سياسية كبيرة من الجانبين، لأجل التمسك بقراره. حسب أقوال الجنرال “وليام ج.دنوفان، مدير مكتب المصالح الاستراتيجية OSS، فإن الوكالة الرئيسية الجديدة للاستعلامات CIA، كانت ستسد مكان مصالح البحرية، الجيش الأرضي، و سكرتارية الدولة. بحيث لا يجب أن تبقى مجرد حاملة للمعلومات، و لكنها يجب أن تتحرك أيضا خارجيا، مغتصبة سيادة الدول.

إن كان ترومان قد طبق الاقتراح الأول، إلا أنه تراجع عن الثاني. رسميا،فالعمل الأمني الوطني National Security Act الذي وافق عليه المؤتمر في عام 1947، مكرسا في فترة السلام إمكانيات عسكرية عامة تضم وكالة للاستخبارات الخارجية، السي آي أي التي كانت خالية من أي تجربة لقيادة ” العمليات الخاصة”. منظمتي” جهلن” في ألمانية و شبكة ” الستاي بيهايند ” في كل أوروبا فقدتا كل أسباب التواجد، و كان يجب حلّهما. إلا أنه و بمناسبة النقاش حول ظروف احتلال ألمانيا المهزومة، وضح مؤتمر الوزراء الخارجية المنعقد في موسكو أنه من المستحيل على دول العالم الثالث ألا تأخذ مراكزها في الصراع القائم بين الولايات الأمريكية و الاتحاد السوفيتي. كانت فرنسا هي الأولى التي اختارت موقعها، الأمريكي ـ إنجليزي. كانت تلك بداية الحرب غير المعلنة، و الخالية من العمليات العسكرية التقليدية، الحرب ” الباردة”. بشكل لا شرعي عاد هاري ترومان عن قرار المؤتمر، و شكل سريا مكتبا جديدا لقيادة العمليات الحربية في زمن السلم. منظمة ” جهلن” و شبكة ” الستاي بيهايند ” قدمتا بسرعة ركيزة العمل. الأساس القانوني الوحيد للعمليات الخاصة كان ” مكتب ” NSC la National Security Council المكتب القومي للأمن (NSC 10/2) بتاريخ 18 جوان 1948. صنف بأنه ” سري للغاية” لم يتم الكشف عنه إلا بعد خمسين سنة . [16]

هذا الأمر الدقيق بأن عمليات الشبكة ستكون تحت إمرة سلطة أحد المكاتب الإدارية الموالي للسي إي أي و من ثمة يتم المصادقة عليه من قبل المجلس الأمني القومي. في البدء، كان المكتب يحظى باستقلالية مطلقة و لم يكن مواليا لسي إي أي إلا لأجل الحصول على الدعم المالي القانوني. في حالة الاختلاف بين المكتب من جهة و مديرية السي إي أي من جهة أخرى، أو سكرتارية الدولة، أو حتى سكرتارية الدفاع، و أي اعتراض أو مجابهة قانونية لم يكن ليفصل فيها إلا من طرف مجلس الأمن القومي. كل سلطة معنية كانت تختار ضابط ربط للمكتب يتم إبلاغه بكل المعلومات المنتقاة، بحيث أن سرية وجود المكتب نفسه يتم المحافظة عليها. فعالية المكتب كانت مبنية على ذلك الشكل: ” كل الممارسات التي تراها الحكومة مسيرة أو ذات الأولوية ضد الدول أو ضد الجماعات العدوة، أو مساعدة و مدعمة للدول أو للجماعات الصديقة، بحيث تتم بشكل ألا تقع المسؤولية على أي تنظيم أمريكي أو أشخاص غير مصرحين، أو إن تم اكتشاف أمرهم، فالحكومة الأمريكية تستطيع أن تنفي بشكل قاطع مسؤوليتها. بالتحديد، فإن مثل هذه العمليات تشمل كل أشكال الممارسات السرية مع : البنتاجون، الحرب الاقتصادية، العمل الوقائي المباشر، باستثناء العمليات التخريبية، و العمليات المضادة للتخريب،وسائل التدمير أو إعادة العاملين السريين المرسلين الى الخارج، عمليات إزاء الدول المناوئة، نستثني دعم الحركات المقاومة، الانفصاليين في الداخل و الجماعات التحررية في المنفي، دعم الجهات المناهضة للشيوعية داخل دول”العالم الحر”. هذه العمليات لا تدخل فيها الصراعات العسكرية التي تقودها القوات المسلحة المعروفة، التجسس، مناهضة التجسس، التغطية أو المناورة لأجل العمليات العسكرية.”

المنظمة الداخلية للشبكة وضحت في مذكرة سرية دونت من قبل المدير الأول للمكتب لعناية مدير مكتب السي إي أي [17] . مقسمة الى خمسة فرق علمية:

فرقة الحرب النفسية ( الصحف، الإذاعة، الإشاعات، الخ )

فرقة الحرب السياسية ( دعم حركات المقاومة في الدول الشيوعية، دعم التنظيمات في المنفى، دعم التنظيمات المناهضة للشيوعية في الدول الحرة، تشجيع التنقل الى الصفوف السياسية الأخرى)

فرقة الحرب الاقتصادية ( منع استزاد الحاجيات الضرورية، التحكم في السوق، السوق السوداء، التحكم في صرف العملة و التزوير، الخ..)

فرقة العمليات الوقائية المباشرة ( مساعدة الانفاصليين، التخريب، مناوأة التخريب، التدمير، الستاي بيهايند)

فرق ” متعددة الخصائص”.

بالنسبة لترومان و فريقه، فالحرب الجديدة ليس لها الشكل التقليدي، و لا تواجه أمريكا بالاتحاد السوفييتي، و لكنها حرب سياسية، اقتصادية و نفسية، تواجه الغرب مع الشيوعية. مصلحة الولايات الأمريكية المتحدة تتحول الى الدفاع عن قيم ” الآباء الروحيين” [18] واضعة هكذا بعدا دينيا، إن لم يكن روحيا، للحرب الباردة. كل السبل يجب أن تكون ممكنة لأجل أن يجد الغرب نفسه في الجانب الأمريكي، و يجد هويته في ” العالم الحرب” مستعدا للتضحية لأجله.

” الستاي بيهايند ” ليست سوى سلاح نموذجي في هذا الصراع. فمصطلح ” الستاي بيهايند ” كانت مستعملة من قبل الأجهزة البريطانية لأجل تعريف ضباط بقوا في الجبهة الخلفية. كانت لهم مهمة تنظيم المقاومة المحلية مستفيدين من السلاح الذي كان يرسل بالمظليات و بالوسائل الاتصالية. أثناء الحرب الباردة، فكرة عدم انتظار الاحتلال السوفييتي لأوروبا الغربية لأجل تأسيس بنية شبكة المقاومة تبدو منطقية. في نفس الوقت،كانت فكرة إدماج في شبكة أطلنطية من ذلك النوع، رجال مناهضين للشيوعية متمرسين على العمل السري كان هدفا بعينه. ناهيك على أن ضباط نازيين أعيد ضمهم من قبل مكتب المصالح الاستراتيجية ال OSS، “مكتب كارمل” واصل استقطاب الأشخاص من داخل وسط اليمين المتطرف لأجل خدمة الرؤية الأمريكية. فيما يخص الأحزاب الدينية [19] الكاثوليكية ، الأنجلو أمريكيين توصلوا الى اتفاق رئيسي مع ” سانت سييج” بواسطة الكاردينال ” فرنسيس سبلمان”
مراحل تطور الستاي بيهايند

إن كان لستاي بيهايند هدف وحيد فقط و هو تحضير المقاومة في حالة الاحتلال، فكل دولة كان بمقدورها أن تفعل ذلك من ذات نفسها و بإشرافها على أراضيها. و لكن بما أن الشيوعية احتلت بشكل شبه كامل على المستوى الإيديولوجي على الأقل كل أوروبا الغربية، فكان يجب على الستاي بيهايند أن تتهرب من حكومات كانت سهلة بالنسبة للعدو كي يستولي عليها من بوابة الانتخابات في أي وقت. أقوى من هذا الاعتقاد، فإن اتفاقيات ثلاثية وقع عليها بين الولايات الأمريكية و المملكة المتحدة و كل طرف من الحلفاء، قدموا الضوء الأخضر لواشنطن لتتحرك على أراضيهم من دون الإعلان عن ذلك، بأسلوب يحميهم من التسلل الشيوعي. في عام 1949، الاتفاقيات الأولى تم إدماجها داخل منظومة تخص العديد من الدول ما عدا بلجيكا، هولندا، اللوكسمبورغ، فرنسا و المملكة المتحدة. كان مسيرا من قبل المجلس السري للاتحاد الغربي (CCUO). بعد التوقيع على اتفاقية أطلنطا الشمالية، فتحت هذه المنظومة الى دول أخرى، و فيما بعد أيضا لدول كانت حيادية جغرافيا تقع على هامش الحلف الأطلنطي. المجلس السري للاتحاد الأوروبي تحول الى لجنة التخطيط السرية ( ACC,Allied Coordination Committee) . التأسيس القانوني لهذا الجهاز تم تأمينه بموجب بروتوكولات سرية داخل اتفاقيات الحلف الأطلنطي. لم يكن واردا بالنسبة لمنظمة الحلف الأطلنطي بحيث يعتبر انسحاب فرنسا من الحلف (1966 ـ 95) لا يعني انسحابا من الخطة الشاملة. مراقبة CCUO-CPC-ACC ضمنها الأنجلو/ أمريكيين الذين انتشروا في مناطق الصراع: ” بنلوكس”، و الأراضي الممتدة الى البحر، بالنسبة للبريطانيين، أما الأمريكيين فقد حصلوا على الباقي كله. رئاسة اللجنة ” دورية”، يحظى بها بالتتالي كل الدول الأعضاء. حسب أقوال الكولونيل ” أوسوالد لو وانتر”، ضابط سابق تعامل مع تنظيم ” غلاديو” من موقعه داخل السي إي أي، فإن البروتوكول الإضافي لاتفاقية الحلف الأطلنطي الشمالي تقول أن الدول الأعضاء ترفض ملاحقة التحركات التي تقوم بها جماعات اليمين المتطرف حين تكون تلك التحركات مستغلة لأجل حاجيات المصلحة. تلك الوثائق وقع عليها عن فرنسا “روبرت شومان” الذي كان يشغل منصب رئيس المجلس.

في الولايات الأمريكية فإن هذه المصلحة السرية تحولت الى مكتب للتنسيق السياسي (OPC) . مديره الأول كان “فرانك ويسنر” [20]تم اختياره من سكرتير الدولة، الجنرال جورج مارشال، و في قائمة [21] مكونة من عشرة أسماء تم وضعها من قبل مستشاره جورج كينان” بمعية “ألان ديل” ممثل النقابة AFL-CIO في باريس “اريون بروو” و نوريس شابمان، دبلوماسي في باريس،ضمن القائمة نفسها.ولوصف تلك المرحلة كتب ويليام كولبي: ” متحمسا و نشيطا و ذكيا، استطاع “وسنر” في ظرف أشهر أن يلجأ الى زملائه القدامى من مكتب المصالح الاستراتيجية الOSS، ليضع جملة من القوانين و اللوائح على مستوى العالم، لأجل الدفاع عن الحرية الغربية ضد الظلامية الشيوعية.. و الحرب”.

في بداية الخمسينيات، طلب الجنرال والتر سميث، منصب مدير للسي إي أي، طلب ألا يكون المكتب تابعا للوكالة إداريا، بل أن تكون له استقلاليته الكاملة. توصل الى الحصول على الدمج مع مديرية التخطيط التابعة للوكالة في أغسطس 1952. السلطات الأمريكية أعلنت بالمناسبة أن ” L’OPC” كان له وجود و أنه تم حله. لم يكن ممكنا الاعتراف بالتجزئة بما أن الممارسات التي كان يقوم بها المكتب السابق تبقى غير شرعية. الجنرال سميث حاز على دعم “ألان ديل” القائد السابق لمكتب المصالح الاستراتيجية OSS و شقيق سكرتير الدولة جون ديل.

عكس خسارته الاستقلالية ، استطاع فرانك ويسنر أن يحظى بوسائل رهيبة، بالخصوص مركز الحرب النفسية، الموجود في ” فورد براغ” تحت قيادة روبرت مكلور”. المعهد النفسي الذي صار اسمه فيما بعد ” مدرسة وارفار المختصة” Special Warfare School (1956-68)، ثم مؤسسة الإصلاح العسكري(1969-83)، و أخيرا في عهد جون كنيدي أطلق عليها اسم Special Warfare Center and School..”فور براغ” تحول الى واحد من أهم المواقع العسكرية في العالم. هناك مقر الوحدات الخاصة و ” القبعات الخضراء” .

وفق تقرير شيرش، فإن الشبكة تتكون من ثلاث ملايين متعاون في عام 1952، و سبعة و أربعين منصب في الخارج، و ميزانية سنوية مقدرة بمائتي مليون دولار. كان ويسنر يتبنى دوما كإنجاز تأسيس النقابة غير الشيوعية في أوروبا (1947 ـ 50 )، الانقلاب الذي حدث ضد مصدق في إيران ( 1953) و ضد “جاكوبو أربنز” في غواتيمالا ( 1954). عمليات أخرى أقل إقناعا نفذت في ألبانيا، أوكرانيا، بولونيا و كوريا . [22]

في سنة 1958، أخد ” ريتشارد بيسال” مكان “فرانك ويسنر، ثم ريتشارد هلمس، ديسموند فريتز جيرالد، توماس كراميسين، و ويليام كولبي.

منذ عام 1968، تدعم لجنة الاتصال و التنسيق (CCUO-CPC-ACC) جملة من الحتميات الغامضة، بموجب اجتماع سنوي للاتصالات بين المكاتب السرية الأوروبية، و نادي بيرن. في مارس 1973، تم إحداث التغيير في المؤسسة و أخذت المديرية قاسما حقيقيا كمديرية العمليات تم تسييرها من قبل “ويليام نلسون”، ثم ” وليام ويلس”، جون كاكمانون”، ماكس هوجل، جون ستاين، كلير جورج، رتشارد ستولز. ففي هذه المرحلة كانت أعمال ” الستاي بيهايند ” تتعمق في أمريكا اللاتينية. حالة تنسيقية مع مكاتب في الأرجنتين و بوليفيا و التشيلي الخ. و الحال أنها وضعت على الميدان كأداة للقتل و الترهيب و تصفية المعارضين. ذلك العمل التنسيقي يعتمد على دعم أعضاء ” الستاي بيهايند في إسبانيا و فرنسا و البرتغال، الخ.. لأجل التجسس و اغتيال من يهربون الى أوروبا، عملية كونكورد التي كلف بها عمليا “كلوس باربي”.

المسؤولون العسكريون اللاتينيون من الستاي بيهايند تلقوا تعليمهم في المعهد الأمريكي في “فورد بنينغ” بجورجيا، هذا المعهد الذي في عام 2001 الى ” Western Hemispheric Institute for Security Cooperation (WHISC) من قبل أساتذة مدّرسين جاءوا من “فور براغ” . مدرسة الأمريكيين تعرضت للنقد اللاذع بعد نشر فصول على لانترنت كشف فيها عن وجود دروس حول طرق التعذيب.

في الوقت ذاته، وضع الستاي بيهايند في الميدان منظمة دولية سياسية عسكرية، غرفة الدعاية Propaganda Due (P2) التي تنتشر بشكل دائم في الشرق الإيطالي الكبير. إنها تمنح الوسيلة المثالية لأجل تذكير بالحرب السياسية و العمليات الخاصة.”ليسيو جيلي”،القائد الكبير لغرفة الدعايةP2، كان الضابط الفاشي للتنسيق بين مكتب X2و مكتب OSS، و مكتب دسيما ماس الخاص بالأمير فاليريو بورغيس إبان تأسيس الستاي بيهايند في ايطاليا. جمعيته جمعت آلاف من الشخصيات من عالم السياسة، من الجيش، و المال و الكنيسة و الفن، بمن بينهم تسعمائة و ثلاثة و عشرين ايطاليا. تحول”جيلي”الى شخصية أساسية للتواجد الأطلسي الى درجة دعوته كضيف خاص في احتفالات تعيين بوش، كارتر و ريغان. الP2 كانت تصنع جسرا بين الستاي بيهايند و رجال من فرق أخرى. لقد تم حلها و أعضاءها اليوم مطالبون قانونيا، سواء على مستوى تورطهم في الانقلابات العسكرية أو على الدور الذي لعبوه لإفلاس بنك “أومبراسيانو”. فقط قائمة أعضاء الإيطاليين و الأرجنتينيين تم نشرها.

حسب معلوماتنا، فإن غرفة P2تم إعادة فتحها تحت غطاء مؤسسة سويسرية لتوأمة المدن في العالم. هذه الجمعية تحظى بقانون استشاري لدى الأمم المتحدة، ابن “ليسيو جيلي” الذي يترأس الجمعية، كان حاضرا في آخر لجنة عامة التابعة للأمم المتحدة.

في عام 1986، الأسلحة التي كانت بحوزة تنظيم الغلاديو تم إخفاؤها داخل شاحنات تم تسريبها و نشرها في كل أوروبا، ثم استبدالها. حظيت الشبكة بوسائل و أجهزة اتصالات أكثر تطورا.

في عام 1990، انفجرت فضيحة”الغلاديو”في ايطاليا. رسميا تم حل الستاي بيهايند في كل أوروبا. في الواقع، مازالت تعمل تحت إمرة توماس تويتن، ثم دافيد كوهين. لم يتغير شيئا. في الوقت الراهن، ” الخطة السيدة” للبنتاجون تسعى الى الفصل على المدى المتوسط بين ممارسات الحرب السياسية، و الاقتصادية و النفسية،والعمليات الخاصة، بحيث لن يكون على العسكريين الخوض في عمليات الكوماندوس، و لكنهم يستطيعون الدخول بسهولة في الحرب الخاصة، التي تبقى في زمن السلم تحت مراقبة هيئة الدولة. يبدو على الأقل، أن تلك الطريقة تبدو صعبة التنفيذ، بالمقابل فإن تطوير التعليم في ميدان الشؤون المدنية بفور براغ يصنع لنفسه هدفا يكمن في تحضير أشخاص قادرين على الدخول الى الأراضي المحتلة، في إطار ” مهمة حفظ السلام، لأجل رفع من حدة التأثير الأمريكي. [23]
الستاي بيهايند الفرنسية

المسئولون الدوليون لما يعرف ب: AFL-CIO

من اليمين،اروينغ براون (1989/1911) مسئول الستاي بيهايند في أوساط اليسار والطلبة الأوروبيين.يعترف رسميا أنه كان شخصيا وراء تكوين “جون كريستوف كومبادليس،وليونيل جوسبان.

فيما يتعلق بفرنسا، عام 1947، اتصل جيمس أنجلوتون بهنري ربيير، مسؤول مؤسسة SDCE Ribière. الذي عاد من منفاه، و كونه مريضا، فقد أخذ المنصب نائبه الكولونيل بيير فوركو الذي نقل الاقتراح الى أول رئيس مجلس الجمهورية الخامسة، بول رمادييه، الذي وافق. في 4 مايو، طرد رمادييه وزراء شيوعيين من مكتبه، ثم أعطى لوزير الشؤون الخارجية الضوء الأخضر للتفاوض سريا على اتفاقية عسكرية مع الولايات الأمريكية. المحادثات قادها الجنرال بيير بيلوت، و الجنرال جورج مارشال، من ديسمبر 1947 الى مايو 1948، في مزرعة قريبة من نيويورك. بالنسبة للاتفاقيات المبرمة، فقط رئيس المجلس كان مطلعا على ممارسات الستاي بيهايند ” المحلية، أولا تم إطلاق عليها تسمية ” مهمة 48″ ثم ” قوس قزح” [24] . يستطيع أن يحصل على أسماء العمال الموجودين على ترابه، و هو يرى مبعوثا يتصفح القائمة المخصصة له في مقر الأس إي أي الأمريكية و مكتب الاستخبارات البريطانية. تضم الشبكة العديد من الخلايا التي تشكل أهم المصالح العسكرية الرسمية ( الأمن العسكري، المصلحة الخارجية، الخ) و على المستوى المدني ( الاستعلامات العامة، السكرتارية العامة للدفاع الوطني الخ) و هكذا لأنه أثناء تأسيس الستاي بيهايند، مصلحة 259/7 من SDECE يقوده جاك لوكين، تلتقي على شكل لائحة بموجبها يستعد لتسريب الجهاز نحو إفريقيا الشمالية في حالة الغزو السوفييتي. في نفس الوقت، كلف قائد القوات الفرنسية المتواجدة في ألمانيا الجنرال بيير كونيغ، بوضع أربطة احتجاز على طول المحور الكبير الذي تتسلل منه قوات الجيش الأحمر.

تم إدماج الضباط على إثباتين الأول الممارسة الجيدة و الثاني على مناهضة الشيوعية. و هو الأمر الذي أخذ بعين الاعتبار من قبل شبكات “كاغولارد” [25] التابعة للكولونيل بيير فوركو. ربما يتعلق الأمر بمقاومين سابقين أكثر من نازيين سابقين تم إدماجهم و تشغيلهم. يمكنهم الاستفادة من تعليم ضباط الكوماندوس داخل الفرقة ال11 للبراشوت في مدينة “سيكروت” ( Loiret) هذه الوحدة تأسست على يد الكابتن “بول أوساريس” و من منظور المنظمة الرسمية، فإنها تعتمد على مصلحة الأحداث التابعة للمكتب السري الخارجي (SDECE) الواقعة تحت إشراف الكولونيل “جاك مورلان” [26] و لكن وفق منظور الفرقة السرية فإنها تعتمد على منظمة الحلف الأطلسي عبر العقيد جاك فوكارد. بالطبع من عام 1952، حصل الضباط على تهيئة كاملة في الحرب النفسية بمعهد ” وارفار سانتر التابع لأس إي أي في”فور براغ ( كارولينا الشمالية) . خلية من الستاي بيهايند، مرتبطة بالSDCE، تدعى« Brain Trust Action » التي تحولت الى ” « Executive Action » التابعة للسي إي أي لارتكاب جرائم القتل السياسية. و للمساح للمدنيين بالانضمام لفرقة الصدمة 11 ، وزير المقاتلين القدامى فرانسوا ميتيران سمح باستعمال جمعية البراشوت الاحتياطية المتطوعة ( ARVP). و لأجل تسهيل إمكانياتهم اقترح الأمريكيون استغلال وظائف تغطية. مثلا، مسؤولان جهويات من الستاي بيهايند، جيلبير بوجلون و فرانسوا دوران دو غروسوفر ( بعبارة أخرى” السيد لودوك) أقام شركة تجارية حظيت بسرعة على الموافقة الحصرية لأغطية الكوكا كولا [27] .

خلايا من الشبكة موضوعة بمنأى من التنازلات التي نالتها الحرب المضادة للشيوعية. بهذا فإن فرقة القائد السابق للمليشيات ” بول توفييه” وجد نفسه منظما في إطار قانون سري للخيالة ” مليشيا سانتا ماري”، التابع لأندري فوازان داخل جمعية الوفاق الفرنسي/ و التابعة لروجي باتريس بيلات في إطار شركة غامضة. نظام الكنيسة “د وسيون” . تلك الخلايا متداخلة مع عدة تنظيمات من الحلف الأطلنطي. في العموم، فإنها تستجيب لأوامر كل من : CCUO-CPC-ACCو لكنها في الوقت نفسه تفرض نفسها على مستوى ال Supreme Headquarter Allied Powers Europe (SHAPE).

في عام 1947، تورط L’opcفي الخطة الزرقاء التي كانت محاولة تحرير خرائط و رسومات كانت محجوزة في ” فريسانس” و كما تورط في قلب نظام الجمهورية لصالح الأميرال ” بول أوفان”.و في العملية التي تم أجهضها قبل البدء فيها، التقي جون فوريتي بشكل سري مع الجنرال ديغول، في ديسمبر، لأجل بحث معه عملية من هذا النوع إن ربح الشيوعيون الانتخابات. في نفس الفترة، و عن طريق اروين برون [28] و مكتب “كارمل اوفيس” [29] الذي أعلن فيه الOPC ضوروة تقسيم الGGT، و تشكيل القوى العمالية، كوسيلة ضغط يمكنها أن تعطي حالة طلاق تروتسيكية ضد الشيوعيين الأرثدوكس. في سنة 1958، نظم المكتب دخول ديغول الحكم، و لكنه المكتب أيضا الذي في عام 1961 فكر في تغيير ديغول و استبداله بآخر و شجع الانقلاب الذي قام به جنرالات الجزائر.

على غرار المبادرة التي قام بها البلجيكي ” بوجرول، و البارون بينوا دوبونفوازان” [30] فقد استغلت المكتب كغطاء لها العديد من الجمعيات المغمورة [31]

، كانت كلها ممولة عن طريق ” مكتب الاستعلامات العامة” (PIO) [32] ” التابع للحلف الأطلنطي في بروكسيل. إذًا في السنوات ال70، صيغ قانون السيادة و الجيش لمعبد القدس (OSMT) استعمل من قبل كارلي لاسكورتز، و ممثل البرلمان كلود ماركوس بمعية جاك فوكار، نفس الشيء بالنسبة لقرار تجديد المعبد (ORT) لريموند برنارد و كوليان اوراغاس [33] ثم “لوك جوري”. أخيرا قانون معبد الشمس (ORT) للوك جوري [34] و جوزيف دي مامبرو.

في 12 نوفمبر 1990، بينما كانت ايطاليا تتجادل حول فضيحة غلاديو، اعترف وزير الدفاع، جون بيير شفينمون” أن أحد جماعة ” الغلاديو” وجد في فرنسا. كان شفينمون يستعمل لغة الخشب. بيد أن ذلك ” الغلاديو” كان نائما و انه لم يتدخل أبدا في الحياة السياسية الداخلية. في اليوم التالي، أعلن الرئيس فرانسوا ميتيران أنه طلب مؤخرا من الجنرال كون هنريش [35] الذي يديره بصفته رئيس مصلحة الحدث التابعة التبعة لDFSE، و العمل على حله.
الستاي بيهايند في العالم

وجود الستاي بيهايند تم الإعلان عنه و بشكل رسمي، في ألمانيا، النمسا ( شبكة شوير) و بلجيكا، الدنمرك، إسبانيا، فرنسا ( وردة الرياح) في اليونان ( تواسون روج ) ، في ايطاليا ( غلاديو)، في ليكسامبروغ ،و النرويج و هولندا و البرتغال و المملكة المتحدة و السويد و سويسرا و الترك. ليس هنالك أي بحث دقيق يمكن أن يؤدي لعمق مؤسسات الاتحاد الأوروبي يتكرنا نظن بأن الستاي بيهايند تسيطر على أهم الميكانزمات.

يمكننا ذكر العديد من الانقلابات السياسية، الناجحة أو الفاشلة، التي يمكن ضمها إليه: بمن في ذلك أحداث 1958 و 1961 في فرنسا و مؤامرة سونيو و بورجيس في ايطاليا، ضربة الكولونلات في اليونان، و ضد مكاريوس في قبرص [36]. لهذه العمليات موجة كبيرة من الفظاعة، يمكن إضافة أيضا أن عدد من عمليات إخلال التوازن السياسي أو الاغتيالات كتلك التي ذهب ضحيتها الوزير الأول السويدي ألوف بالم.

تييري ميسان رئيس تحرير شبكة فولتير

http://www.voltairenet.org

حقيقة اتفاقية أضنة و بيع لواء اسكندرون … بقلم : الاسكندر طوسي

المميز

لم يشهد التاريخ سيلاً من الكذب و الادعاءات الباطلة و حملات التشويه المكثّفة التي تقدّم لبعض العرب و المسلمين كعلف مغلّف بورق الدين .. كما يشهد اليوم حول سورية .. لا من حيث الضخامة ولا من حيث الكثافة في الزمن و لا من حيث الانفاق الذي بلغ حدوداً أبعد بكثير من المتطرفة ..

كما لم يشهد التاريخ تزويراً للأحداث و الحقائق و اعادة كتابة للتاريخ بأقلام من ضلوع الأطفال مقطّعة بسكاكين “سبحان من حلله للذبح” .. حبرها دم مغلي من حيض رجال الدين على منابر الخليج الفتنوية التي تعوي ليل نهار باسم عاصمة الأمويين لتعيد كل فتن التاريخ الاسلامي الى الأرض المعمّدة بالدم .. المطوّبة بالريحان .. التي أوصى رسول الله (ص) بها لا بنحرها ..

و لن يشهد التاريخ نفاقاً أكثر اجراماً و الحاداً من ذاك الذي يغلّف بآيات القرآن الكريم التي تخاطب المسلم بـ “اقرأ” فيرد المسلم بــ “ما أنا بقارئ” .. و تقول للمسلمين “فتبينوا” فيرد المسلمون ” ولم التبيّن وهكذا أفتى لنا ولاة الأمر؟” .. نفاق جعل من فتاوي البشر أكثر قدسية لدى البعض من آيات الرحمن .. وجعل “ولاة الأمر” في الخليج فقط وكلاء عن الخالق يوزّعون مفاتيح الجنة والنار على هوى ابليسهم اللعين .. الذي يحكمهم بشرع “ولاة الأمر” .. الذين ينالون صباح مساء شهادات اسلامهم من واشنطن قبلة الضّالين الأولى ..

.

فما هي آخر ابداعات الفتن؟

بعد مقالة (الخيانات السورية : اربعون عاما على سكون الجولان) و مقالة (مئة عام من ديكتاتورية الاسد الظالم) وفي نقاش مع أحد “المغرر بهم” الذي حاولوا بجهد و اجتهاد تفنيد ما كتبت فما أتوا بمنطق و لا أتوا ببرهان ولم تنطق ألسنتهم سوى بالسب و الشتم و اللعن على عماها .. قال لي وسيعرف نفسه “حتى لو أقنعتني بأن الجولان لم يباع و أن النظام السوري ليس عميلاً للامريكيين فأنت لن تستطيع إقناعي بأنه لم يتنازل عن لواء اسكندرون في اتفاقية أضنة المذلةّ” .. بالحرف .. نقلت لكم جملته بالحرف .. وحين سألته هل قرأت بنود الاتفاقية كما تدعونها؟ .. قال “نعم ، نشرت مواقع المعارضة السورية ومواقع تركية مقتطفات منها” .. فقلت له حسنا فعلت تلك المواقع .. و صمتّ .. ليس لأني لا أمتلك الاجابة .. لا .. و لكن لأني أريد العالم كله أن يعرف ما سيلي هذه السطور ..

.

حقيقة لواء اسكندرون :

يقع لواء اسكندرون الذي تبلغ مساحته قرابة نصف مساحة لبنان (4800 كم مربع) في الشمال الغربي من سورية على خليجي السويدية و اسكندرون في أقصى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط .. بخمسة مدن رئيسية (أنطاكية وإسكندرونة وجبل موسى والريحانية وأرسوز) يتميز اللواء بطبيعة جبلية أبرز معالمها أربعة جبال بينها سهل العمق و تعبره ثلاثة أنهار شهيرة (العاصي، عفرين ، الأسود) .. هذا جغرافياً .. أما المهم فهو تاريخياً .. لأن من ينسى تاريخ أرضه .. لا يستحقها ..

.

بداية : هل تعلم؟

هل تعلم عزيزي المعارض أن لا علاقة للنظام السوري الذي تتهمه يميناً و شمالاً و بما ملكت أيمانك من بول البعير باحتلال تركيا للواء اسكندرون؟ .. هل تعلم أنه في عام 1915 احتوت مراسلات الشريف حسين مع مكماهون على إشارات واضحة بتبعية المناطق الواقعة جنوب جبال طوروس إلى الدولة العربية الموعودة (تعيين للحدود الشمالية للدولة على خط يقع شمال مرسين ـ أضنة الموازي لخط 37 شمالاً الذي تقع عليه المدن والقرى بيره جوك، أورفة، ماردين، فديان، جزيرة ابن عمر، عمادية، حتى حدود إيران)؟ .. هل تعلم أنه مع بدء الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان تبع اللواء ولاية حلب؟ .. هل تعلم أنه قد كان لواء إسكندرون في اتفاقية سايكس بيكو موضوعاً داخل المنطقة الزرقاء التابعة للانتداب الفرنسي بمعنى أن المعاهدة اعتبرته سورياً وهذا يدل على أن هذه المنطقة هي جزء من سوريا؟ .. هل تعلم أن أقوى الأدلة على سورية اللواء يكمن في معاهدة سيفر عام 1920 والتي فيها اعترفت الدولة العثمانية المنهارة بعروبة منطقتي الاسكندرون وقيليقية (أضنة ومرسين) وارتباطهما بالبلاد العربية (المادة 27)؟ .. هل تعلم أن اللواء شكل جزءا من المملكة السورية العربية التي قامت عقب نهاية الحرب العالمية الأولى قبل احتلالها من قبل الفرنسيين؟ .. هل تعلم انه بعد توحيد الدويلات السورية التي شكلها الانتداب الفرنسي (أرجو ان لا تمر هذه الجملة عليكم مرور الكرام لكل من ينكر حقيقة نية تقسيم فرنسا لسورية)، ضُم لواء الاسكندرون إلى السلطة السورية المركزية؟

.

لكن كيف تم سلخ اللواء عن سورية الأم؟

قبل أن يكون هناك شيء اسمه الأمم المتحدة كانت مجموعة الدول تدعى عصبة الأمم و هي في الحقيقة عصابة لا عصبة و في ظلها صدر القرار الأممي المشؤوم بفصل اللواء عن سورية الأم و تعيين حاكم فرنسي عليه في 29 أيار / مايو 1937. وعلى مدى عام كامل عمل الحاكم الفرنسي في اللواء على تهيئة الوضع للمخطط السري بين تركيا و فرنسا .. و في 15 تموز / جويليه 1938 قامت قوات عسكرية تركية باقتحام مدن لواء اسكندرون و احتلالها و زراعة بؤر استيطانية فيها في مؤامرة (وليخرج علينا كل الكلاب النابحة لأننا قلنا مؤامرة) فرنسية تركية انسحب بموجبها الجيش الفرنسي الى انطاكية مقابل ضمان دخول تركيا صف الحلفاء في الحرب العالمية الثانية .. و أصبح لواء اسكندرون محتلاً رسمياً منذ ذلك التاريخ ..

بعد عامين على تلك الواقعة أرادت فرنسا و تركيا انهاء قضية لواء اسكندرون بشكل كامل فقامت الادارة الفرنسية كممثلة لعصبة الأمم عام 1939 بالاشراف على استفتاء حول انضمام اللواء الى تركيا .. بعد أن قامت ادارتا الدولتين الاستعماريتين بنقل الاف من الأتراك وتوطينهم في اللواء تمهيداً للاستفتاء .. فخرجت النتيجة لصالح تركيا .. وشكك العرب بنتائجه .. ومنذ ذلك الوقت بدأت عمليات تهجير العرب السوريين من اللواء و سرقة أراضيهم و ممتلكاتهم .. و قامت وبكل عنجهية بتغيير كل الاسماء العربية الى اسماء تركية مانعة تداول اللغة العربية في اللواء تحت تهديد السلاح و القمع و الاعتقال و التهجير .. و استمر هذا الأمر طوال عقود مع اضطرابات في العلاقات السياسية بين الدولتين السورية و التركية وصلت لحدود القطيعة و ما بعد بعد القطيعة كما حدث عام 1998 ..

.

ما الذي حصل عام 1998 ؟

كثير من المبتدئين يتعاملون مع أي معلومة على أنها كيان فكري منفصل معزول في الزمان و المكان عن محيطه المتنوع و الغني بالتفاصيل و يبنون أحكامهم المشوّهة وفقاً لتلك الطريقة فتخرج الى المجتمع كعبارات قطعية جازمة يسهل تداولها بين الناس لتصيب أهدافها في تشويه تاريخهم و اعادة كتابته بطريقة تخدم برامج مطلقيها .. المشبوهة ..

من هذا المبدأ بالضبط قامت المعارضة السورية باقتطاع معلومة تدعى “اتفاقية أضنة 1998″ من محيطها الفكري و استخدموها للاساءة الى النظام السوري بطريقة محترفة وقحة و لكنها لم تجعلنا ننسى أنهم هم في أنفسهم لم يطالبوا يوماً بأرض محتلة و لم يدينوا يوماً استعماراً وكيف يفعلون ذلك وهم يتناكحون في أحضان الدول الاستعمارية ليل نهار ..

.

فما هي الحقيقة وراء (اتفاقية) اضنة 1998 بين سورية و تركيا وهل هي حقاً اتفاقية؟ و ما فحواها؟

في بداية شهر نيسان / أبريل من العام الحالي 2012 أطلقت المخابرات التركية مع المعارضة السورية حملة اعلامية تحت عنوان (اتفاقية أضنة تمهد الطريق قانونياً لتدخل تركي في سورية) وكانت بداية الحملة من صحيفة تودايزمان التركية ففي التاسع من شهر نيسان / ابريل 2012

صورة : صحيفة توداي زمان التركية و خبرها التحريضي و فيه صورة لاجتماع مبارك مع سليمان ديميريل خلال (وساطته)

ادعت الصحيفة التركية ان سورية انتهكت ما يسمى اتفاقية اضنة 1998 الأمر الذي يتيح حسب زعمها لتركيا التدخل العسكري قانونياً في سورية .. و استناداً الى تلك المقالة المخابراتية التركية بدأت المعارضة السورية حملة لرفع معنويات مسلحيها على الأرض بأن تركيا لم تخذلهم و أنها تحضّر للتدخل العسكري دعماً لهم .. ولكن .. لم تكتفي المعارضة السورية بما جاء في المقالة و انما اضافت عليها معلومات لا أساس لها من الصحة ..

.

حقيقة اجتماع أضنة 1998 :

استناداً الى الوثيقة الرسمية الوحيدة المنشورة عن هذه الاتفاقية .. و المنشورة على موقع وزارة الخارجية التركية والتي نعرضها كملف بي دي اف لتكون وثيقة كما يلي :

يمكن وبكل سهولة تفنيد ادعاءات المعارضة وفقاً لتحليل النص المنشور اعلاه كما يلي :

1. اتفاقية أضنة 1998 هي اتفاقية أمنية بين طرفين مشتركين بالحدود و هدفها الوحيد هو ضبط الأمن على جانبي الحدود بحيث تقوم سورية بوقف دعم المتمردين الاكراد سياسياً و عسكرياً مقابل ان تقوم تركيا بنزع الالغام و تطبيع العلاقات بين البلدين و ايقاف تهديد سورية ثم يتوالى تطوير العلاقات بين الدولتين الجارتين .. و هذه ليست معاهدة سياسية و انما بروتوكول تعاون و الدليل على ذلك واضح في أسماء الموقعين عليه من حيث كونهم أشخاص اختصاصيين في المجال المعني ببنود الاتفاق و ليسوا شخصيات سياسية عامة حاكمة (حسبما هو منشور على موقع الخارجية التركية : اللواء عدنان بدر حسن رئيس جهاز الامن السياسي السوري ، السفير اوجور زيال نائب وكيل امين وزارة الخارجية التركية)..

2. الاتفاقية و باعتراف الخارجية التركية لم تتطرق للواء اسكندرون لا من قريب و لا من بعيد ولم تشمل أي حديث عن الأراضي السورية المحتلة من قبل تركيا .. و ما تدعيه المعارضة عن انها تضمنت بيع لواء اسكندرون لتركيا ليس سوى خرافات و تسويق اكاذيب ناجم عن فشل المعارضة بتقديم دليل واحد على مستوى فعاليتها او مصداقيتها او امتلاكها لاي مشروع سياسي او اقتصادي او اجتماعي وطني ..

3. البروتوكول يحدد نقاط تعاون و ليس فرض املاءات تركية على سورية كما تدعي المعارضة و تنص تلك النقاط على فتح خط اتصال مباشر و فوري بين السلطات في الدولتين و تعيين ممثلين خاصين للبعثات الديبلوماسية و مقابل التزام الجانب السوري بانشاء النقاط المذكورة و تحقيق نتائج ملموسة اقترح الجانب التركي على الجانب السوري اقامة نظام يمكن من رصد تدابير تعزيز الامن عبر الحدود ومدى فعاليتها و اجاب الجانب السوري بأنه سيرفع الاقتراح لحكومته للدراسة .

4. البروتوكول ينص في احد بنوده على اتفاق الجانبين السوري والتركي على مكافحة الارهاب في منطقة الثلاثية (سورية لبنان وتركيا) محدداً ان هذا البند بحاجة لموافقة لبنان و بالتالي يسحق ادعاء المعارضة السورية و بعض عملاء امريكا في لبنان بأن سورية فرضت على لبنان اتفاقاً ليس له فيه لا ناقة ولا جمل.

5. ادعت المعارضة السورية و سوّقت فكرة أن “الاتفاقية تنص على أن لتركيا الحق بالتدخل عسكرياً في عمق 5 كيلومترات (و البعض وصل خياله الى 15 كيلو متر) داخل اراضي السورية لمواجهة أي تهديد أو في حال اخلال الطرف السوري بالتزاماته دون أن يكون للطرف السوري حق مماثل” :
الحقيقة هي أن هذا الادعاء كاذب و ليس له أي أساس من الصحة و حتى الخارجية التركية لم تذكر في النص المنشور أي بند يتضمن مثل هذا الكلام و نتحداها أن تعرضه موثقاً اذا ادعت خلاف ذلك .. ما حدث هو أن المخابرات التركية قامت بترويجه عبر عملائها في المعارضة السورية لأمرين اثنين .. فمن ناحية هناك معنويات مسلحيهن على الأرض التي بحاجة لرافعة نفسية بعد هزائمها المتلاحقة على ايدي رجال الله في الميدان .. ومن ناحية ثانية توفير الارضية الذهنية (المغلوطة) لدى الرأي العام تحسباً لأي احتمال مستقبلي ..

6. محضر اجتماع اضنة المنشور على موقع الخارجية التركية يقول أن الاتفاقية جاءت نتيجة لرسائل سورية نقلها كل من الرئيس المصري محمد حسني مبارك والسيد عمرو موسى وزير الخارجية المصري و السيد كمال خرازي وزير الخارجية الايراني كممثل للرئيس محمد خاتمي .. اجتمع وفدا الحكومة التركية والسورية المذكروة أسماءهم في أضنة بتاريخ 19 و 20 تشرين الاول / اكتوبر عام 1998 لــ “مناقشة قضايا التعاون في مكافحة الارهاب” .. هكذا ورد بالحرف .. و ليس لإنهاء الخلاف على الاراضي المتنازع عليها كما تسوّق المعارضة السورية التي أذهلت العالم بمستوى غبائها .. و انحطاطها ..

.

لكن ما الذي حدث حقيقة عام 1998 و لماذا تم توقيع اتفاقية اضنة؟

حتى نفهم كل ما حدث في تلك الفترة و ضمن سياقه الصحيح غير المعزول عن بيئته العامة و حتى يكون الحكم سليماً موضوعياً و دقيقاً و الأهم منصفاً .. لا بد من رؤية شاملة لكل التفاصيل مهما صغرت في نظر البعض من جماعة “ما أنا بقارئ” .. و في هذا المجال تعرض الوثيقة التالية (صادرة عن معهد واشنطن لبحوث الشرق الاوسط و تم حذفها عن موقع المعهد و لكننا تمكنا من الحصول عليها بوسائلنا الخاصة) تطور العلاقات التركية الاسرائيلية زمنياً و بعد تصفحها نود من الجميع التوقف عند عام 1998 ..

هل تعلم عزيزي المغرر بك أنه في كانون الثاني / يناير تم ابرام عقد بقيمة 75 مليون دولار، بموجبه قامت إسرائيل بتحديث 48 طائرة F-5S تركية. في وقت لاحق من هذا الشهر، اشترت تركيا من اسرائيل خزانات وقود ضخمة لأسطول F-16 مع تكنولوجيا متقدمة للمعدات العسكرية، في حين اشترت إسرائيل 50 عربة مدرعة من تركيا؟ وأنه في 8 كانون الثاني / يناير انطلقت مناورات عملية حورية البحر ، بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية ، تركية و اسرائيل حيث أجريت تدريبات البحث والإنقاذ المشتركة للمرة الأولى؟ وأنه في 03-07 شباط/فبراير زار إسرائيل الجنرال حسين كيفريكوجلو، قائد القوات البرية التركية؟ و أنه في يوم 24 آذار/مارس 1998 وقعت إسرائيل وتركيا بروتوكول التجارة في أنقرة؟ و انه في يوم 28 أيار/مايو 1998 اجتمع وزير الدفاع الاسرائيلي اسحق موردخاي في تل أبيب مع رئيس الأركان التركي الجنرال سيفيك بير؟ و أنه في شهر تموز / يوليو 1998 زادت تركيا عدد الملحقين العسكريين في تل أبيب من 1 الى 3؟ و أنه في شهر أيلول / سبتمبر 1998 زار رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ إسرائيل؟ و أنه في شهر تشرين الأول / أكتوبر 1998 زار الرئيس الاسرائيلي عيزرا وايزمان تركيا للمرة الثانية؟

هل تعلم ان كل ذلك حدث في عام واحد هو عام 1998 و قبل توقيع ما يسمى بروتوكول ـ و ليس معاهدة ـ أضنة الشهيرة التي صدمناك ببنودها قبل قليل؟

هل تعلم أن تلك الاتفاقيات التركية الاسرائيلية وضعت سورية ـ الدولة الوحيدة يومها من دول الطوق المحيط بفلسطين المحتلة التي لم تخن القضية ولم توقع اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني والتي انقذت لبنان من مثل هذه الاتفاقيات بإسقاط اتفاق 17 ايار اللعين ـ بين فكّي كماشة؟ هل تعلم أن السياسة الاسرائيلية التي أدت للتحالف المذكور مع تركيا تدعى بالانكليزية (Peripheral Alliance Strategy) ومعناها سياسة “استراتيجية تحالف الأطراف” أي التحالف مع الدول المحيطة بدول الطوق العربي المعادية لاسرائيل ـ تحديداً سورية ـ من أجل ضمان كسر العزلة عن اسرائيل و فرضها على سورية؟ .. تطرقت في مقال سابق عن هذه السياسة التي تهدف لخنق دول الطوق العربي بطوق “بعيد” محيط بها متحالف مع اسرائيل فهل قرأت؟

هل يمكنك الآن تخيل الموقف؟

سورية بين فكّي كماشة .. فك جنوبي هو الكيان الصهيوني و الدول العربية الخائنة التي ارتبطت معه باتفاقيات سلام مذلّة .. و فك شمالي هو تركيا التي أصبحت تجري مناورات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة الامريكية و اسرائيل ..

لكنك لم تتخيل يوماً أن كل هذا لم يتمكن من اذلال السوريين لا قيادة و لا جيشا و لا شعبا .. أليس كذلك؟

.

اذاً لماذا قبلت سورية اجتماع أضنة 1998 ؟

في ضوء كل ما سبق وافقت القيادة السورية على الاجتماع بالأتراك بعد وساطة قام بها كل من الرئيس الايراني عبر وزير خارجيته و الرئيس المصري و وزير خارجيته بين تركيا و سورية لانهاء التوتر الذي كان ينذر بحرب طاحنة مدمرة .. بالتأكيد كانت اسرائيل تقف وراءها لتستغل انشغال السوريين بالجبهة الشمالية و تنقض عليهم من الجنوب في عملية تجعل طريق احتلال دمشق مفتوحاً أمامهم و بمباركة عربية عميلة و امريكية و عالمية .. وافقت القيادة السورية للأسباب التالية :

1. حين علم السيد عبد الله اوجلان بنية الاتراك بدء هجوم عسكري على سورية من الشمال اقتنع بأن الأوان قد حان لتخفيف الضغط عن دمشق قليلاً .. غادر أوجلان دمشق قبيل اجتماع أضنة متوجهاً الى روسيا (محضر اجتماع اضنة يبين انه اعتبارا من هذا الوقت اوجلان خارج سورية) و بعدها توجه الى ايطاليا و اليونان و تقول موسوعة ويكيبيديا انه خلال تواجده في ايطاليا في عام 1998 طالبت الحكومة التركية بتسليمه فنصحته المحامية الالمانية بريتا بوهلر بالمغادرة حيث تنقّل الى ان وصل اخيراً الى كينيا .. في كينيا تضارت الانباء عمن قام باعتقال اوجلان .. فالحكومة الكينية و ان التزمت الصمت الا انها لم تستطع مقاومة عملية للمخابرات الامريكية .. فقامت وحدة استخباراتية خاصة باعتقاله و تسليمه للاتراك (يقول الكاتب في احد الهوامش ان المخابرات التركية القت القبض عليه في نيروبي كينيا و لكنه في سياق الكلام يوضح و في الصفحة 123 انه قد تم تسليمه للمخابرات التركية من قبل الامريكيين الأمر الذي استند عليه الكاتب لتبرير الغضب الشعبي الكرد ضد الولايات المتحدة الامريكية تلك الفترة و المظاهرات التي قامت امام السفارات الامريكية)

2. اعتبرت تركية مغادرة اوجلان لسورية مبادرة طيبة من سورية تعلن عن حسن نية .. لكن المعارضة السورية بدأت بتحريض الأكراد على النظام في دمشق مستغلة عدم قدرة اوجلان على الحديث في التفاصيل سواء قبل اعتقاله في كينيا و ارساله الى تركيا (القي القبض عليه في كينيا بتاريخ 15 شباط/فبراير 1999 بعملية مشتركة بين المخابرات الامريكية و الاسرائيلية و التركية) او قبيله .. أوجلان لم يتحدث في أيّ من رسائله للأكراد عن غدر سوري .. و بالتالي يبدو ان هناك اتفاق معين بين القيادة السورية و اوجلان كان هدفه تغيير قواعد اللعبة .. تخفيف الضغط عن دمشق قليلا .. لكن المخابرات الامريكية و الاسرائيلية ارادت تقديم خدمة لتركيا لإفشال ما قد ينجم عن بروتوكول اضنة من تطور محتمل للعلاقات السورية التركية .. فتتبعت اوجلان خارج سورية الى ان تم اعتقاله .

3. أرادت القيادة السورية الخروج من بين فكي الكماشة الاسرائيلية ـ التركية و سحب تركيا من المحور الاسرائيلي الامريكي منطلقة من ايمان عميق بأن انضمام دولة اسلامية الى هذا المحور سيرسخ الخيانات على مستوى العالم الاسلامي و سيصعّب أكثر عملية استرجاع الحقوق المغتصبة ..

4. كانت القيادة في سورية تعلم أن سورية لن تستطيع ربح معركة على جبهتين شمالية و جنوبية مع دعم لوجستي امريكي كبير لكلا الطرفين العدوين ففضلت المناورة السياسية على المواجهة ..

5. الأخطر من كل هذا كان ما كشفه الباحث و الاكاديمي التركي البارز حسني محلي الذي شغل منصب نائب الرئيس التركي السابق سليمان ديميريل عن دور الرئيس المصري حسني مبارك في ازمة 1998 بين سورية و تركيا حين قال في حديث مع قناة “الميادين”: “سأكشف اليوم عن سر أتحمل مسؤوليته، وبإمكان محامي مبارك أن يلاحقني على هذا الأمر” وتابع “خلال أزمة العام 1998 بين تركيا وسوريا، وكنت آنذاك مستشارًا للرئيس سليمان ديميريل وأحضر جميع لقاءاته مع المسؤولين العرب، سمعت الرئيس مبارك خلال زيارته لأنقرة في أكتوبر 1998 من أجل الوساطة بين البلدين وهو يقول للرئيس ديميريل: اضربوا سوريا وستجدون العرب جميعًا يقفون وراءكم في ذلك!”. وأضاف: “الغريب هو أن مبارك ذهب إلى دمشق بعد ذلك مباشرة وقال للرئيس حافظ الأسد: إن الأتراك يريدون ضربكم، وأنا حذرتهم من ذلك!!” .. هذا الأمر و حسبما علمت من مصادر سورية بأنه كان معلوماً لدى القيادة السورية التي أدركت أن اللعبة تستهدف اشعال حرب طاحنة على سورية كانت مصر حسني مبارك مستعدة لتبريرها أمام العرب بحجة أن سورية رفضت وساطة مصرية لحل النزاع .. الأمر الذي تعاملت معه القيادة السورية بحنكة سياسية تاريخية ظلمتها أقلام الكثير من المحللين و لم تكتب عنها ما يفيها حقها حتى اللحظة.

شاهد الفيديو التالي بلسان حسني محلي نائب الرئيس التركي يومها

اذاً .. تهمة بيع لواء اسكندرون سقطتو بالضربة القاضية .. و لا زال لدينا ما يزيد عن عشرة وثائق تثبت ذلك اضافة لما سبق ان اضطر الأمر سننشرها لنفقأ أعين الجبناء و المتخاذلين ممن لا تقعنهم الحقائق و لا تنفع معهم الكلمات .. و اسألوا سونر چاغاپتاي و تايلر إيفانز عن مقالتهما التي نعيا فيها اتفاق أضنة في معهد واشنطن لبحوث الشرق الأوسط .. وليصمت كل القابعين في أحضان الغرب و سفاراته و المنظّرين علينا بالحقوق و الواجبات .. بالحرية و بالكرامة الوطنية ..

كلمة أخيرة أود قولها .. لن يستطيع أحد في الكون قهر السوريين أو جعلهم ينسون حقاً من حقوقهم .. حتى لو تآمر عليهم الكون كله .. و خانهم بعض ضعاف النفوس الذين يعرضون كل يوم أنفسهم للبيع على السفارات الغربية .. و أودّ أن أقول لحسن عبد العظيم و أعضاء هيئة التنسيق الوطنية ” صحتين على قلبكم” .. فآخر ورقة بين أيديكم احترقت الآن .. توقفوا عن نشر الاشاعات بين الناس .. و حبذا لو تعرضون علينا مشاريعكم الوطنية بدل النفاق و بدل حماية السفير الامريكي من غضب أهالي دمشق بقوة السلاح و بدل الانقلاب على من معكم في الهيئة .. أما لمجلس اسطنبول العميل .. فإن كنتم رجالاً طالبوا بتحرير لواء اسكندرون من احتلال الدولة التي تتناكحون فيها و تنشرون شرفكم على حبال غسيلها ليل نهار .. فأردوغان الجبان الذي سخر من عقول الأتراك و من قلوبهم و عاطفتهم طوال عام و نصف .. لن يستطيع ولا للحظة واحدة ان يسخر منا .. فنحن السوريون .. من قسمنا الكرة الأرضية الى نصفين .. و جعلنا من قاسيون مركز الأرض فأصبح خط الاستواء يحاول جذافاً الارتقاء الينا و أصبح قطبا الأرض بين يدينا .. و أصبح تطور العالم كله مرهون .. بنتيجة أعمالنا .. نحن الآن نقرر مصير نصف العالم الرافض للهيمنة الامريكية الصهيونية .. و نوقف تقدم نصف العالم الذليل الخانع للامريكيين .. و الى كل شبر محتل من أرض سورية الغالية ماضون محرّرون .. فهل عرفتم من نحن؟

الاسكندر طوسي ـ مركز عرين للمعلومات

النص الحرفي لرسالة كيسينجر للعميد اده —— وثيقة تاريخية تكشف وجوه المؤامرة

المميز

كثيرون من المحللين والمراقبين الذين واكبوا الحرب اللبنانية وعايشوا تفاصيلها ضاعوا في ‏تحديد ماهية هذه الحرب.
منهم من ذهب في وصفها بحرب لبنانية – فلسطينية، والبعض الآخر تحدث ‏عن الصراعات الطائفية والمذهبية وكيف ان العائلة اللبنانية تصدعت من داخلها، وكثيراً ‏ما كان الاشقاء المتحدرون من صلب واحد يتواجهون في خنادق متقابلة.
لم تترك صفة الا ولحقت ‏بهذه الحرب ولكي لا ندخل في متاهة التحليل الذي قد يصيب او يخطئ، او يرضي طرفاً ليغيظ آخر ‏يقول احد الضباط في المكتب الثاني، ان الحرب اللبنانية باختصار، وبدون ان نحمّلها اكثر ‏مما حملت هي ببساطة مطلقة خطة وضعها هنري كيسينجر وزير خارجية اميركا وكان الهدف من ‏ورائها الغاء الديموقراطية في لبنان، لان هذه الديموقراطية كانت الاساس وراء النظريات ‏التي تهاجم اميركا والغرب، بينما كان كيسينجر يريدها ان تعصف بمحيط لبنان العربي.‏
ويضيف الضابط المذكور: ان رد كيسينجر على العميد ريمون اده في رسالة مؤرخة في 14/6/74 ‏يتحدث فيها عن خطته التي عصفت لبنان ونشرتها آنذاك مجلة «الحوادث» في العدد الثاني من ‏حزيران هي وثيقة تاريخية تتحدث عن الخلفيات والاسباب والدوافع التي حدت بأميركا الى اشعال ‏الحرب في لبنان وجعله ساحة لحروب الآخرين.
وهذا نص الوثيقة من زاوية «من فمك ادينك يا ‏اسرائيل.» ‏
‏عزيزي مستراده،
وصلني النص الحرفي لترجمة كتابك المفتوح المؤرخ في 12/6/1976، عن طريق سفارة الولايات المتحدة ‏في بيروت.‏
وخيّل اليّ للوهلة الاولى، ان شيئا خطيراً قد حدث في لبنان لان السفير الجديد مستر فرنسيس ميلوي ‏نقله الى واشنطن مع اشارة «عاجل جداً. » لذلك تسلمته في مكسيكو خلال رحلتي الى بلدان اميركا ‏اللاتينية، وانا الآن أجيب عليه من المقصورة الصغيرة بالطائرة الخاصة المعدة لرحلاتي ‏المكوكية. لهذا اعتذر عن «المطبات» التي سأقع فيها لأن انشغالي بأمور كثيرة يجعلني عرضة ‏لأخطاء غير مقصودة.‏
أحب قبل كل شيء ان اهنئك لأنك سلمت بطريقة عجائبية، من محاولة اغتيال. وهذا ثمن يدفعه ‏كل سياسي في العالم، حتى في بلادنا.
وقد تستغرب ما نتكلفه – ماديا وامنيا – على حماية ‏الرؤساء والمرشحين بعد مقتل الاخوين كنيدي… وبعد المحاولات المتكررة التي تعرض لها الرئيس ‏الحالي مستر فورد.
كما أشكرك هذه المرة بالذات لانك رفضت ان تجعلني مسؤولا عن محاولة ‏اغتيالك، بعد سلسلة الاتهامات التي ألصقتها بي، بحيث صورتني للرأي العام إلها صغيراً أعطي من ‏القدرة والسلطان ما لم يعطه في الماضي للفراعنة والقياصرة!‏
لقد اكتشفت في العبارة الاولى التي افتتحت بها رسالتك كثيرا من النبل، عندما قلت «ليس لي ‏شرف معرفتك.»
وانا ايضا ليس لي شرف معرفتك، مع انك – حسب التقارير التي تصلني من ‏ديبلوماسيينا في بيروت – من اكثر السياسيين اللبنانيين شهرة وسط الجاليات الاجنبية. فأنت، ‏حسبما اقرأ عنك، تتمتع بشهرة خاصة كعازب ظريف، ومعارض محترف، ودون جوان. وهذه صفات ‏احبها.‏
ومع ان سيسكو قدم لي مذكرة بخلاصة حديثك الطريف معه، الا ان صراحتك زادتني فضولا وتشوقا ‏لفتح حوار مطول معك حول الامور التي طرحتها. وفي مقدمتها ما قلته بأنني شخصيا اخطط ‏لتقسيم لبنان، واعطاء قسم من جنوب بلادكم لاسرائيل، ثم السعي لتقسيم سوريا.
واخبرني ‏سيسكو بأنك سألته: «هل يتقبل ان يتآمر اللبنانيون لاقامة دولة زنجية انفصالية داخل ‏الولايات المتحدة؟ هذا ما يفعله كيسنجر في لبنان عندما يتآمر لاقامة دولة مسيحية ونسف صيغة التعايش»!‏
قبل ان اجيب على هذه الاتهامات يجب ان اعتذر لك مرة ثانية لانني تركت مكتبي عندما كنت انت ‏مجتمعا مع سيسكو في الجناح الآخر من وزارة الخارجية، ونزلت الى المدخل الرئيسي لاستقبل ‏السيدة غولدا مائير.
اني اعرف رأيك فيها كامرأة.. واعتقد اني سمعت رأياً مشابها لرأيك ‏عندما تناولت طعام الغداء في منطقة نائية عن بيروت مع رئيس جمهوريتكم مستر فرنجية.
يومها ‏سألني وزير خارجيتكم (اعتقد ان اسمه يبدأ بحرف الفاء لقد سقط اسمه من ذاكرتي) لماذا لا ‏ازور هياكل الاعمدة الضخمة. واجبته بأنني على موعد مع غولدا مائير في تل ابيب، ولا ‏استطيع ان اتأخر عن لقاء هذه العجوز لئلا ادفع ثمنا لا اريده. وسألني وزيركم عن الثمن، ‏فقلت له ضاحكا: «إنها تجبرني على تقبيلها.»
واذكر انه قال لي بحسرة: «انا لا اريد ‏لزيارتك للهياكل ان تكون سببا في عذابك. واعجنبي جوابه.‏
‏} الخداع }‏
وفي المرة الثانية علمت بانك عدت الى الولايات المتحدة لتجتمع بي بناء على وعد قطعته لك ‏الانسة «م» ولقد اخبرتك في باريس بانها تعرفني جيدا، وانها كانت صديقتي، هذا صحيح انا لا ‏انكر ذلك. ولكنها نسيت ان زوجتي تملك جهاز مراقبة يعمل لصالحها في مكتبي، مع انني بحكم ‏مركزي، اراقب كل العالم لذلك افضل في المرة المقبلة، اذا انت قررت المجيء الى اميركا، الا ‏تطلب موعدا عن طريق النساء!‏
والان مستر اده، لننتقل الى صلب الموضوع في كتابك المفتوح.
فانت تقول: «بان لبنان صائر الى ‏الزوال بسببي .. وان شعبه لا يقبل بالفناء لكي تعيش اسرائيل… وان خطتي السرية تقوم ‏على منح لبنان لسوريا – كما نسبت الي قول لبعض الاصدقاء كحل لتوفير السلم في المنطقة».‏
قبل ان ادافع عن نفسي احب ان اذكرك بزيارتي للبنان، يومها طلبت شخصيا من سفارتنا في ‏بيروت ان تتصل باجهزة الامن عندكم وتلح عليها بوجوب تغيير مكان الاجتماع برئيس جمهوريتكم ‏لاسباب تتعلق بسلامتي وذكر المسؤولون عن امني في السفارة الاميركية في بيروت، ان معلوماتهم تشير ‏الى وجود صواريخ ارض – جو سوفياتية الصنع ستوجه الى طائرتي قبل هبوطها في مطار بيروت، ‏وكنت بهذا العمل احاول ان امتحن مقدار السيادة اللبنانية… وقدرة السلطة على فرض ‏ارادتها.
وبدلا من ان ترفض الدولة اللبنانية هذا الاحراج فقد انتقل رئيس البلاد الى مكان ‏خفي، سري، ليجتمع بي عندئذ ادركت حقيقة انه لا وجود للدولة اللبنانية وان السيادة ‏معدومة. وصدقني ان اللقاء القصير كان مضيعة لوقتي الثمين.
فقد سئلت اكثرمن عشر مرات عن ‏الضمانات الاميركية لاستقلال لبنان وسيادته.‏ ولم اجد لدى المسؤولين اية رغبة وطنية في تأمين هذه الضمانات. ولا اكتمك انني اجريت ‏امتحانات عديدة من هذا النوع مع حكومات عربية اخرى.
ولكن جميع المسؤولين في الاردن او ‏سوريا او مصر او غيرها، رفضوا تغيير بند واحد في برنامج الزيارة، واعتبروا ان الدفاع عن ‏اي زائر رسمي هو مسؤولية داخلية.
لذلك اكتشفت خلال الساعات القلائل التي امضيتها في ثكنة ‏عسكرية عندكم، انني في وطن هارب يختبئ من واقعه المتردي!‏
طبعا انا اعرف جوابك على هذه الصورة.
فالمسؤولية دائما وابدا تقع على الولايات المتحدة ‏وانما ثق باننا حاولنا مرارا وتكرارا ان نتآمر على انظمة عديدة في العالم العربي – ولا ‏نزال – وانما باءت كل محاولاتنا بالفشل.
لماذا؟ لاننا اصطدمنا بمقاومة وطنية وبمناعة ‏داخلية. والزلازل لا تحدث الا في الارض المشقوقة. ولا اكتمك ان لبنان هو بلد مثالي لتحقيق ‏المؤامرات. ليس ضده فقط، وانما ضد العالم العربي ككل من هنا اكتشفت في تناقضاته عناصر ‏جديدة لنصب فخ كبير للعرب جميعا.‏
ولقد ابلغني الرئيس فورد مرة بفرح، ان النجاح الذي حققته خطتي في لبنان قد غطى على ‏الاخطاء التي اقترفتها في التشيلي وقبرص وبنغلادش وانغولا. وانا شخصيا ما كنت اتوقع هذا ‏القدر من النجاح.
صحيح ان وجود اسرائيل وسع حجم العمل، لكن التناقضات اللبنانية هي ‏التي كانت تؤمن لنا استمرارالخطة وسلامتها .
مرة واحدة حدث خطأ عربي – اوروبي كاد يجمد ‏حركة العملية -وسارعت بارسال دين براون (وهو مهندس سياسي اختصاصي بعمليات الشرق ‏الاوسط) ولقد كشف بسرعة عن موضع الخلل، ثم اعاد ضبط الجهاز الكبير الذي يحرك الامور حسب ‏الاهداف المطلوبة والخطة المرسومة.‏
‏ }الخطة }‏
وقد تسأل، مستر اده، عن طبيعة هذه الخطة!‏
لا اكتمك بانني بدأت بشيء ثم انتهيت بشيء آخر، كان همي الوحيد ان ابعد الاتحاد السوفياتي ‏عن مجال التدخل والحسم والمشاركة في حل ازمة الشرق الاوسط كما اسعى الى تأجيل مؤتمر جنيف ‏والاعتراف بمنظمة التحرير الى ما بعد انتخابات الرئاسة الاميركية والانتخابات النيابية في ‏اسرائيل اي مدة سنتين على الاقل.
ثم تشعبت مطامحي بعدما رأيت ان خصوبة الاحداث الدامية في ‏لبنان قد اسقطت صيغة التعايش المطروحة، وبعد ان بدا لي ان ما كان يحلم به «موسى شاريت» ‏عندما كتب رسالته الشهيرة الى بن غوريون (18/3/1954) اصبح سهل المنال.
فقد تحدث الرجلان ‏الاسرائيليان يومها عن وجوب تقسيم لبنان الى دولتين طائفيتين.
وما دعاني استعمل عبارة ‏شاريت حرفيا: «لا جدوى ولا فائدة في محاولة اثارة حركة من الخارج اذا لم يكن تعزيز روح ‏حية اذا كانت تنبض من تلقاء نفسها. وليس من الممكن بعث الروح في جسد لا تبدو عليه دلائل ‏الحياة».‏
هذا ما قاله حرفيا عن لبنان.
لذلك اريدك الا تجعلني مسؤولا عن خطة كانت اسرائيل تمهد لها ‏منذ عام 1954.‏
صحيح انني افكر بخلق دويلات شبيهة باسرائيل بعدما فشلت في اقناع الدول العربية بفكرة ‏الصلح الانفتاحي وفي قبول هذه الدولة الجديدة جزءا من المنطقة.
ولكن الصحيح ايضا ان ‏الاحداث الدامية التي افتعلناها امنت لنا ارضية مثالية لتقسيم النفوس الموحدة، وتدمير ‏صيغة التعايش، واحداث خلل اساسي في النظام الديمقراطي الوحيد في المنطقة.
وانا ارى بعكس ‏ما يراه قداسة البابا والرئيس الفرنسي ديستان واكثر زعماء اوروبا، بان لبنان اصبح ‏عبئا على الغرب لكثرة ما اعطت حريته من افكار كانت تستعمل ضدنا وليس ضد دول المنطقة.
‏لهذا قررت الغاء هذه الحرية بالرغم من معارضة فرنسا والفاتيكان وبريطانيا ودول اميركا ‏اللاتينية.
ثم اجعل من نظامه نظاما ذيليا.
وانت تعرف جيدا ان طمس النظام اللبناني – ‏ولو لمدة سنتين على الاقل – هو امر ضروري للتسويات المطلوبة. هذا، الا اذا نجحت في نقل ‏الحروب العربية الى ساحته، كما حدث في اسبانيا، مع العلم بان هذه المغامرة قد تؤدي الى ‏حرب عالمية.‏
تقول في آخر رسالتك «ان لبنان ما اساء قط الى اي بلد. ومن الواجب انقاذ استقلاله ‏وسيادته، لان وجوده لا يزال ذا نفع للعالم».‏
وهذه نظرة عاطفية لا تليق برجل مثلي يتطلع الى جغرافية العالم من خلال مصالح اميركا… ‏ومن خلال مصالح اسرائيل في المنطقة… والدليل على ذلك ان الحرب لن تتوقف في بلادكم اذا ‏هددت امن اسرائيل.‏ لان كل ما يحدث في المنطقة يجب ان يخضع لهذا المنطق.‏
وختاما تطلب مني، يا مستر اده، ان اثق بصداقتك المخلصة التي تكنها للشعب الاميركي.
‏وبالمقابل، اريدك ان تثق بان اخلاصي لاسرائيل (وانا يهودي الماني عرف الاضطهاد النازي) لا ‏يعادله الا اخلاصي لزوجتي وبلادي الثالثة اميركا.
ولا تسألني ماذا افعل لكي اجعل اميركا تخدم ‏مصالح اسرائيل.
لقد ساعدتني المنازعات العربية على توفير كل اسباب النجاح لهذه الخطة.
فهل ‏انا مخطئ؟
اتمنى لك الشفاء العاجل، وارجو ان اراك بعد حين، لانني علمت بانك ما زالت تحلم بان الظروف ‏قد تأتي بك رئيسا بعد ستة اشهر او سنة على الاكثر وهذا امريتوقف على ارادة الاحداث..‏
واحب في ختام هذه الرسالة ان اذكرك بعبارة ملهمي مترنيخ: «البعض يصنعون التاريخ. ‏والبعض يكتبونه».‏
وانا شخصيا قررت ان اكون من صانعي التاريخ، وانت ماذا قررت؟
بانتظار جوابك
دمت ‏للمخلص،

ميشيل تشوسودوفسكي——— تجارة الأفيون في أفغانستان؟

المميز

ميشيل تشوسودوفسكي
من هو المستفيد من تجارة الأفيون في أفغانستان؟
10-11-2012
وفقاً لتصريح الأمم المتحدة:من المتوقع زيادة زراعة نبات الخشخاش في أفغانستان بنسبة 59% عام 2006، و قد بلغت نسبة الزيادة في إنتاج الأفيون 49% عام 2005.
ألقت جوقة الإعلام الغربي المسؤولية على أمراء الحرب و طالبان، بينما تعهدت إدارة بوش بمكافحة تجارة المخدرات الأفغانية: ” ترعى الولايات المتحدة الجهود الضخمة لتحرير أفغانستان من الأفيون”.
المفارقة المرّة: الوجود العسكري للولايات المتحدة في أفغانستان ساهم في إحياء تجارة المخدرات بدلاً من استئصالها.
كان لدى نظام طالبان برنامج عملي و ناجح لاستئصال المخدرات في أفغانستان بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة، و هذا ما لم تستطع وسائل الإعلام الاعتراف به.
ساهم برنامج نظام طالبان لاستئصال المخدرات في انخفاض زراعة الخشاش بنسبة 94% بين عامي 2000 -2001 وفقاً لأرقام منظمة الأمم المتحدة، و انخفض إنتاج الخشخاش إلى 185 طن و الذي ما لبث أن عاد بسرعة مذهلة إلى مستوياته التاريخية نتيجة للغزو الأمريكي لهذا البلد في عام 2001.
قدّرت فيينا استناداً إلى معطيات مكتب منظمة الأمم المتحدة الخاص بالمخدرات و الجرائم أن حصاد عام 2006 سيكون حوالي 6100 طن، أي أنه تضاعف 33 مرة عمّا كان عليه في عام 2001 تحت حكم نظام طالبان ، نسبة الزيادة 3200% خلال خمس سنوات!.
بلغت المساحات المزروعة 165000 هكتار في عام 2006 مقارنة بـ 104000 هكتار عام 2005 و 7606 هكتار عام 2001 تحت حكم نظام طالبان.
تجارة بمليارات الدولارات
بلغت نسبة إنتاج أفغانستان من الأفيون وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة 92% من مجمل الإنتاج العالمي، و يستخدم هذا الأفيون لإنتاج الهيروين.
قدّرت منظمة الأمم المتحدة في عام 2006 أن مساهمة تجارة المخدرات في اقتصاد أفغانستان بلغت مرتبة 2.7 مليار دولار، لكنها أخفت حقيقة أن 95% من عائدات عمليات التهريب هذه ستعود لمؤسسات الأعمال و الجريمة المنظمة و البنوك و مصادر التمويل، بينما لا يصل للمزارعين و التجار المحليين إلا نسبة ضئيلة من عائدات هذه التجارة.
انظر أيضاً مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، اقتصاد الأفيون في أفغانستان – فيينا – 2003 – الصفحات 7-8 .
” يُباع الهيروين الأفغاني في سوق المخدرات العالمي بمائة ضعف الثمن الذي يحصل عليه المزارعون لقاء محصولهم من الأفيون” – صوت أمريكا 27 شباط 2004
تقود المقارنة بين أسعار الجملة و أسعار التجزئة للمخدرات الأفغانية إلى ملاحظة الربح الفاحش الذي تحصل عليه الأسواق الغربية من هذه التجارة. يبلغ سعر غرام الهيروين في بريطانيا 54 جنيه استرليني (102 دولار).
المخدرات في شوارع أروبا الغربية.
يُنتج الكيلوغرام الواحد من الأفيون حوالي 100 غرام هيروين تقريباً، و بالتالي يُستخلص من 6100 طن من الأفيون 1220 طن من الهيروين النقي بنسبة 50%.
تختلف نسبة نقاء الهيروين المباع بالتجزئة من مكان لآخر، معدل نقاء الهيروين المباع في بريطانيا 36% وسطياً، و نادراً ما يتجاوز نقاء الهيروين 50%، بينما يصل نقاء الهيروين في الولايات المتحدة الأمريكية لـ 50% – 60%.
تبلغ قيمة تجارة الهيروين الأفغاني باعتبار سعر التجزئة في بريطانيا 124.4 مليار دولار بافتراض نسبة نقاء 50%. و في حال افتراض نسبة نقاء 36% و بالاستناد على معدل الأسعار في بريطانيا تبلغ قيمة تجارة الهيروين الأفغاني 194.4 مليار دولار.
على الرغم من أن الأرقام المذكورة أعلاه تُعتبر تقديراً يفتقد للدقة إلا أنها تلقي الضوء على حجم تجارة المخدرات الأفغانية. و بالاعتماد على الرقم الأول و الذي يُعتبر تقديراً محافظاً لحجم العائدات المالية لهذه التجارة عندما تصل إلى الأسواق الغربية و تباع بالتجزئة نجد أن حجمها لا يقل عن 120 مليار دولار في العام.
(انظر أيضا تقديراتنا المفصلة لعام 2003 في مقالنا غنائم الحرب : مليارات الدولارات عائدات تجارة الهيروين الأفغاني ، قدّر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) سعر غرام الهيروين المباع بالتجزئة بـ 157 دولار لنسبة النقاء الوسطية).
تجارة المخدرات تحل في المرتبة الثانية ثانياً بعد النفط و تجارة الأسلحة.
تتوافق التقديرات السابقة مع تقديرات منظمة الأمم المتحدة لحجم تجارة المخدرات في العالم.
تُشكّل المخدرات الأفغانية (92% من الإنتاج العالمي) الجزء الأكبر من دورة التجارة العالمية بالمخدرات و التي تُقدّر قيمتها من قبل منظمة الأمم المتحدة بـحوالي 400-500 مليار دولار.
(دوغلاس كيه، أموال المخدرات في عالم متغير، وثيقة تقنية رقم 4 لعام 1998 ، فيينا ، UNDCP ، الصفحة 4. انظر أيضاً برنامج منظمة الأمم المتحدة لمكافحة العقاقير المخدرة، تقرير مجلس مكافحة المخدرات لعام 1999، E/INCB/1999/1 منظمة الأمم المتحدة، فيينا 1999 الصفحات 49-51، ريتشارد لابر، مخاوف منظمة الأمم المتحدة من تنامي تجارة الهيروين،فايننشال تايمز، 24 شباط 2000).
تشكل المخدرات استناداً إلى أرقام عام 2003 ثالث أكبر سلعة من حيث القيمة المالية بعد النفط و الأسلحة (صحيفة الاندبندنت 29 شباط 2004).
تُعتبر أفغانستان و كولومبيا أكبر اقتصادين منتجين للمخدرات في العالم يغذيّان ازدهار الجريمة المنظمة. عسكرة هذين البلدين واضحة و تجارة المخدرات فيها محمية. لكن هناك أيضاً فائض من الوثائق عن الدور المحوري للمخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في تطوير مثلث المخدرات في أمريكا اللاتينية و آسيا.
قدّر صندوق النقد الدولي (IMF) حجم غسيل الأموال العالمي بقيمة تتراوح بين 590 – 1500 مليار دولار في العام، و تشكل هذه القيمة 2% -5% من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في العالم (مدراء المصارف الآسيوية 15 آب 2003). الحصة العظمى من غسيل الأموال في العالم مرتبط وفقاً لصندوق النقد الدولي بـ عمليات تجارة المخدرات.
تداخل التجارة المشروعة مع المحظورة
تقف خلف تجارة المخدرات مصالح مالية و اقتصادية ضخمة و نافذة، و انطلاقاً من هذه النقطة يوجد أيضاً تحكّم عسكري و جيوسياسي بطرق انتقالها، تماماً مثل النفط ومسار خطوط أنابيبه.
فوق ذلك تؤكد الأرقام المذكورة أعلاه بما فيها تلك العائدة لحجم غسيل الأموال أن معظم عائدات تجارة المخدرات العالمية لا تعود إلى المجموعات الإرهابية و أمراء الحروب كما اقترح تقرير UNODC (مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة)، في حالة أفغانستان قدّر مكتب منظمة الأمم المتحدة للجريمة و المخدرات عائدات هذا البلد من تجارة المخدرات بـ 2.7 مليار دولار. وفقاً لـوزارة الخارجية الأميركية “تؤمن المخدرات الأفغانية عائدات داعمة لنشاطات الإرهابيين وطالبان ضد الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها و الحكومة الأفغانية. (بيان House Appropriations foreign operations، اللجنة الفرعية لتمويل التجارة الخارجية، 12 أيلول 2006).
ما يميز تجارة المخدرات عن تجارة السلع المشروعة أن عائداتها تُعتبر المصدر الأساسي لثروة عصابات الجريمة المنظمة و لأجهزة المخابرات أيضاً والتي يزداد نفوذها و مساهمتها في عمليات التمويل و المصارف في كافة أنحاء الكرة الأرضية. تم توثيق هذه العلاقات في عدة دراسات بما فيها تلك التي كتبها ألفرد مكوي (آثار المخدرات: أربعون عاماً على تورط وكالة المخابرات المركزية في تجارة المخدرات، ذا بروغرسيف ، 1 آب 1997).
أي أن: وكالات الاستخبارات و الشركات النافذة و تجّار المخدرات و عصابات الجريمة المنظمة تتنافس على التحكم الاستراتيجي بطرق إمداد المخدرات. يتم إيداع معظم عائدات هذه التجارة و التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في البنوك الغربية، معظم البنوك العالمية الكبيرة و فروعها المنتشرة في العالم موطن لعمليات غسيل ضخمة لدولار المخدرات.
لا يمكن لهذه التجارة أن تنمو و تزدهر إلا إذا امتلك المتورطون بها أصدقاء سياسيين في أعلى المناصب، يوجد تداخل و ترابط بين المقاولات المشروعة و الفاسدة، و الحدود بين رجل الأعمال و المجرم أصبحت مبهمة و يصعب تحديدها، و بدوره توطد العلاقات بين المجرمين و السياسيين و أفراد المخابرات أفسد بنية الدولة و دور مؤسساتها بما فيها المؤسسة العسكرية.
زراعة الخشاش في أفغانستان

Who benefits from the Afghan Opium Trade? | Global Research
http://www.globalresearch.ca

مؤامرة و خيانة في قناة السويس موسكو

المميز

http://www.albadeeliraq.com/article18530.html

مقالة مهمة لكاتب إسرائيلي : مؤامرة و خيانة السادات ضد سوريا في قناة السويس/ أسرار حرب تشرين18 آذار (مارس) 2012 , بقلم إسرائيل شامير إستلمت هنا في موسكو مؤخراً مغلفاً أزرق اللون غامقه يعود في تاريخه إلى عام 1975 يحتوي على أعمق أسرار الشرق الأوسط و الدبلوماسية الأمريكية المدفونة بعناية. تصف الإضبارة السرية التي كتبها السفير السوفييتي في القاهرة فلاديمير فينوغرادوف، و التي يبدو أنها مذكرة موجهة إلى المكتب السياسي، حرب أوكتوبر 1973 كصفقة مؤامراتية بين الولايات المتحدة و القادة المصريين و الإسرائيليين و بإدارة هنري كيسنجر.
ما الذي حدث فعلاً يوم عيد الغفران؟
مؤامرة و خيانة في قناة السويس
موسكو
(نشر هذا المقال في موقع Counter Punch بتاريخ 22 شباط 2012) ترجمة حسين الحاجبي عن الإنجليزية
إستلمت هنا في موسكو مؤخراً مغلفاً أزرق اللون غامقه يعود في تاريخه إلى عام 1975 يحتوي على أعمق أسرار الشرق الأوسط و الدبلوماسية الأمريكية المدفونة بعناية. تصف الإضبارة السرية التي كتبها السفير السوفييتي في القاهرة فلاديمير فينوغرادوف، و التي يبدو أنها مذكرة موجهة إلى المكتب السياسي، حرب أوكتوبر 1973 كصفقة مؤامراتية بين الولايات المتحدة و القادة المصريين و الإسرائيليين و بإدارة هنري كيسنجر. إذا كنت مصرياً فإن هذا الكشف سيصدمك. و أنا، كإسرائيلي حارب المصريين عام 1973 إنزعجت أيضاً، بالرغم من أن هذا الإكتشاف قد أثار لدي التشويق. و قد تصعق هذه الحقيقة الفرد الأمريكي أيضاً.
بموجب مذكرة فينوغرادوف هذه (و التي سننشرها في Expert الروسية الأسبوعية الإثنين القادم) فإن أنور السادات ذا ألقاب الرئيس و رئيس الوزراء و القائد العام و الحاكم العسكري الأعلى قد اشترك في مؤامرة مع الإسرائيليين، و خان سوريا الحليفة مما أدى إلى تحطيم الجيش السوري و إلى قصف دمشق، و سمح لدبابات الجنرال شارون أن تعبر إلى الضفة الغربية لقناة السويس بدون أية إعاقة، و في الحقيقة إلى هزيمة القوات العسكرية المصرية في حرب أوكتوبر. لقد حارب الجنود و الضباط المصريون العدو الإسرائيلي بشجاعة و نجاح، و بنجاح أكبر مما كان يتمناه السادات الذي بدأ الحرب لكي يسمح للأمريكان بالعودة إلى الشرق الأوسط. و لكنه لم يكن المتآمر الوحيد، فالعجوزغولدا مائير أيضاً ضحت بألفين من أحسن المقاتلين الإسرائيليين حسب قول فينوغرادوف. ربما اعتقدت بأن عدداً أقل كان سيقتل – في سبيل أن تمنح السادات لحظة من المجد و أن تدع الأمريكان أن يضمنوا مواقعهم في الشرق الأوسط. إن هذه المذكرة تفسح المجال لفهم جديد كلي لاتفاقية كامب ديفيد على أنها بنيت على الخديعة و الخيانة.
كان فلاديمير فينوغرادوف دبلوماسيا مهماً و ألمعياً. لقد عمل سفيراً في طوكيو في الستينيات و في القاهرة من عام 1970 حتى 1974 و كرئيس مساعد لمؤتمر جنيف للسلام و سفيراً في طهران أثناء الثورة الإسلامية و وكيل وزارة الخارجية ثم وزير الخارجية للإتحاد الروسي. كذلك كان رساماً موهوباً و كاتباً مبدعاً. و يحتوي أرشيفه على مئات الصفحات من الملاحظات و التعليقات الفريدة التي تغطي الشؤون العالمية، إلا أن درجة الشرف تذهب إلى مذكراته القاهرية و من ضمنها وصف مئات من اجتماعاته مع السادات و كل مراحل الحرب التي تابعها في مقر السادات حيث اتخذت القرارات الكبرى. و عندما تنشر هذه الملاحظات ستسمح بإعادة تقييم تاريخ مصر ما بعد مرحلة ناصر.
وصل فينوغرادوف إلى القاهرة كي يشترك في تشييع ناصر لكنه بقي هناك كسفير. و لقد سجل انقلاب السادات التدريجي، هذا الرجل الأقل ذكاء من بين رجال ناصر الذي أصبح رئيسا لمصر بالصدفة، حيث كان نائبا للرئيس عند وفاة ناصر. و سرعان ما طرد أو سجن و أبعد عملياً جميع السياسيين المصريين المهمين، رفاق جمال عبد الناصر في السلاح، و هدم صرح ناصر الإشتراكي.
كان فينوغرادوف مشاهداً لماحاً، و بعيداً عن العناد أو الجمود النظري كان صديقاً للعرب و مدافعاً دؤوباً عن سلام عادل و دائم بين العرب و الإسرائيليين، سلام يحقق طموحات الفلسطينيين و يضمن ازدهار اليهود.
إن جوهرة أرشيفه هي الإضبارة المسماة الألعاب الشرق أوسطية و التي تحتوي على حوالي عشرين صفحة مطبوعة مع بعض التنقيحات بالحبر الأزرق، يبدو أنها كانت مسودة مذكرة إلى المكتب السياسي و الحكومة تحمل تاريخ كانون الأول 1975 بعد عودته من القاهرة مباشرة. تحتوي الإضبارة على السر الرهيب عن الخيانة التي لمسها. و قد كتبت بلغة روسية رائعة و مفهومة، لا بالأسلوب البيروقراطي الذي نتوقعه. و قد أضيفت إلى الإضبارة صفحتان في مايس 1975 تشرحان زيارته إلى عمان و حديثه غير الرسمي مع أبو زيد الرفاعي، رئيس الوزراء، و تبادل الرؤى مع السفير السوفياتي لدى دمشق. لم يصرح فينوغرادوف بآراءه قبل عام 1998، و حتى عندما فعل ذلك لم يتكلم بالصراحة التي كتبت بها هذه المسودة. و في الواقع كونه دبلوماسياً رصيناً فإنه لم يعلق عندما تحدث إليه رئيس وزراء الأردن عن المؤامرة.
إن الصيغة الرسمية عن حرب 6 أوكتوبر 1973 تقول بأن السادات شن هجوماً مفاجئاً على القوات الإسرائيلية بالتنسيق مع حافظ الأسد. و قد عبر القناة و تقدم بضعة أميال داخل سيناء المحتلة. و مع تطور الحرب عبرت دبابات آريل شارون قناة السويس و طوقت الفرقة الثالثة المصرية. و أدت مباحثات وقف إطلاق النار أخيراً إلى المصافحة في البيت الأبيض.
بالنسبة لي فإن حرب عيد الغفران (كما نسميه) كانت جزءً مهماً من سيرتي الذاتية. كمظلي شاب قاتلت في تلك الحرب و عبرت القناة و احتللت مرتفعات جبل عتاقة و نجوت من القذائف و من معارك بالسلاح الأبيض و دفنت زملائي و أطلقت النار على كلاب الصحراء الحمراء آكلة البشر و على الدبابات المعادية. كانت وحدتي قد نقلت بطائرات الهيليكوبتر إلى الصحراء حيث قطعنا خط الإتصال الرئيسي بين الجيوش المصرية و قاعدتها و هو طريق السويس- القاهرة الرئيسي. و قد استخدم موقعنا في الكيلو 101 لأول محادثات وقف إطلاق النار. لذلك فأنا أعرف هذه الحرب ليس بالكلام فقط، و من المؤلم أن أعرف أني و رفاقي في السلاح كنا مجرد أدوات في هذه اللعبة البالغة الوحشية التي خسرناها نحن الناس العاديين. بالطبع لم أكن أعرف ذلك عندئذ حيث كانت الحرب بالنسبة لي مفاجئة، فأنا لست جنرالاً.
ينفي فينوغرادوف فكرة المفاجأة: ففي نظره كان عبور المصريين القناة ثم اقتحام شارون مخططاً له و متفقاً عليه مسبقاً من قبل كيسنجر و السادات و مائير. و اشتملت الخطة على تحطيم الجيش السوري كذلك. يتسائل أولاً كيف يكون العبور مفاجئاً إذا كان الروس قد أخلوا عوائلهم قبل الحرب ببضعة أيام؟ كان تحشيد القوات مكشوفاً و لم يمكن أن يمر على الإسرائيليين. لماذا لم تستمر القوات المصرية بالتقدم بعد العبور، بل توقفت؟ لماذا لم تكن لديهم أية خطط للتقدم؟ لماذا كانت هناك فجوة غير محروسة عرضها 40 كيلومترا بين الجيشين الثاني و الثالث، هذه الفجوة التي قدمت الدعوة لهجمة شارون؟ كيف استطاعت الدبابات الإسرائيلية التسلل إلى الضفة الغربية للقناة؟ لماذا رفض السادات إيقافها؟ لماذا لم تكن هناك قوات احتياطية في الضفة الغربية للقناة؟
يقتبس فينوغرادوف عن شرلوك هولمز الذي قال: إذا كنت قد أسقطت من حساباتك المستحيل فكل ما تبقى يجب أن يكون الحقيقة مهما كان بعيد الإحتمال. إنه يكتب: لا تمكن الإجابة عن هذه الأسئلة لو اعتبرنا السادات وطنياً مصرياً حقيقياً. و لكننا نستطيع ذلك إذا أخذنا بالإعتبار إمكانية التآمر بين السادات و الأمريكان و القيادة الإسرائيلية – مؤامرة سعى كل طرف مشارك فيها إلى تحقيق أهدافه الخاصة. مؤامرة لم تكن تعرف أية جهة مشاركة فيها تفاصيل لعبة الأطراف الأخرى. مؤامرة حاول كل طرف الحصول على المزيد من المكاسب بالرغم من الإتفاق الشامل بينهم.
خطط السادات كان السادات قبل الحرب في الحضيض من سلطته، فقد خسر امتيازاته داخل مصر و خارجها. كان السادات، ألأقل ثقافة و الأضعف شخصية بين أتباع ناصر، معزولا. كان يريد حرباً، حرباً محدودة مع إسرائيل التي لا تنتهي بالهزيمة. حرباً كهذه كانت ستزيح الضغط داخل الجيش فيستعيد سلطانه. و قد وافق الأمريكان على إعطاءه الضوء الأخضر للحرب، الشئ الذي لم يمنحه الروس أبداً. لقد حرس الروس سماء مصر و لكنهم كانوا ضد الحروب. لذلك كان على السادات الإعتماد على الأمريكان و جزئياً على الإتحاد السوفييتي. و كان مستعداً لفعل ذلك لأنه كان يكره الإشتراكية. ثم أنه لم يكن بحاجة إلى النصر، بل إلى مجرد عدم الإندحار. كان يريد أن يرجع سبب عجزه عن النصر إلى رداءة السلاح السوفييتي. لذلك فإن الجيش قد أعطي الحد الأدنى من الواجبات: عبور القناة و الثبات في رأس الجسر إلى أن يدخل الأمريكان اللعبة.
خطط الأمريكان عند التحرر من الإستعمار خسر الأمريكان الموقع الستراتيجي في الشرق الأوسط و معه بتروله و قناة السويس و سكانه الهائل. و كان يجب دعم حليفهم إسرائيل، و لكن العرب كانوا يزدادون قوة باطراد. كذلك كان يجب أن يدفعوا إسرائيل إلى أن تكون أكثر مرونة لأن سياساتها الوحشية تعارضت مع الخطط الأمريكية. و هكذا كان على أمريكا أن تحافظ على إسرائيل حليفةً، و لكن كان يجب في الوقت نفسه كسرعجرفتها. كذلك احتاجت أمريكا فرصة لحماية إسرائيل بعد السماح للعرب أن يضربوها لبعض الوقت. و لذلك سمحوا للسادات بأن يبدأ حرباً محدودة.
إسرائيل كان على الإسرائيليين أيضا أن يساعدوا الأمريكان، حماتهم و مجهزيهم الأساسيين، بينما كان الأمريكان بحاجة إلى أن يحسنوا مواقعهم في الشرق الأوسط، إذ كان لديهم صديق و حليف واحد فقط و هو الملك فيصل (حكى كيسنجر لفينوغرادوف أن فيصل حاول أن يثقفه على شر اليهود و الشيوعيين). و إذا استعاد الأمريكان موقعهم في الشرق الأوسط فإن وضع إسرائيل سيتحسن بشكل كبير. كانت مصر الحلقة الأضعف حيث السادات يكره الإتحاد السوفييتي و القوى التقدمية في الوطن، فكان من الممكن استمالته. أما سوريا فيمكن أن تعامل عسكرياً و أن تحطم.
لقد قرر الأمريكان و الإسرائيليون السماح للسادات أن يستولي على القناة بينما يمسك الإسرائيليون بالممرات الجبلية لمتلا و الجدي، و هي خط الدفاع الأفضل. و هذه كانت في الواقع خطة روجر لعام 1971 و المقبولة من قبل الإسرائيليين. و لكن كان يجب أن تمنح هذه بالحرب و ليس مجاناً. أما بالنسبة لسوريا فكان يجب أن تهزم عسكرياً كلياً. و لهذا السبب دفعت بكل قواتها المتوفرة إلى الحدود السورية بينما تركوا القناة مكشوفة برغم أن الجيش المصري كان أكبر بكثير من الجيش السوري، إذ كان يجب أن يضحى بالقوات الإسرائيلية على القناة في هذه اللعبة. كان يجب أن يموتوا لكي يعود الأمريكان إلى الشرق الأوسط. إلا أن خطط الشركاء الثلاثة فشلت نوعاً ما بعوامل معينة على الأرض، و هذه هي المشكلة الطبيعية الملازمة للمؤامرات حيث لا تسير الأمور كما يجب، كما كتب فينوغرادوف في مذكرته التي ستنشر كاملة الأسبوع القادم في Expert الموسكوفية.
لقد فسدت لعبة السادات الشيطانية منذ البداية، إذ لم تتحقق افتراضاته. فخلافا لتوقعاته دعم الإتحاد السوفييتي العرب و بدأ فوراً بنقل أحدث الأجهزة العسكرية جواً و بشكل مكثف. و بهذا جازف الإتحاد السوفييتي بمواجهة الولايات المتحدة، بينما لم يعتقد السادات بأنهم سيفعلون ذلك لأن السوفييت كانوا ضد الحرب بشدة قبل أن تبدأ. و كانت مشكلته الثانية، كما يقول فينوغرادوف، في النوعية المتفوقة للأسلحة السوفييتية بأيدي الجنود المصريين و هي أفضل من الأسلحة الغربية في أيدي الإسرائيليين. وأنا كجندي إسرائيلي في حينها أؤكد صحة كلام السفير. فالمصريون كان لديهم بنادق كلاشنيكوف AK-47 الهجومية الأسطورية، و هي الأفضل في العالم، بينما كان عندنا بنادق FN التي تكره الرمل و الماء. و عندما سنحت أول فرصة رمينا جانباً بنادقنا و استعضناها بالكلاشنيكوف. كانوا يستعملون صواريخ الساجر الخفيفة و القابلة للحمل و الدقيقة التصويب و التي يحملها جندي واحد. و قد قتلت الساجر بين 800 و 1200 دبابة إسرائيلية. أما نحن فكنا نملك بنادق عديمة الإرتداد عيار 105 ملم تحمل على سيارة جيب و هي من الطراز القديم (هي في الواقع مدفع صغير) و كانت كل واحدة منها بحاجة لأربعة رجال لقتال الدبابات. فقط الأسلحة الأمريكية الجديدة استطاعت أن تقيم التوازن.
لم يتوقع السادات أن تتفوق القوات المصرية المدربة على أيدي الخبراء السوفييت على عدوهم الإسرائيلي – و لكنهم فعلوا، فلقد عبروا القناة بأسرع و بخسائر أقل كثيرا مما هو مخطط لها. أن ينتصر العرب على الإسرائيليين كان خبراً سيئاً للسادات. و لهذا السبب توقفت القوات المصرية و لم تتحرك. لقد انتظروا الإسرائيليين و لكن الجيش الإسرائيلي كان حينذاك يحارب السوريين، إذ أنهم شعروا بالأمان من جانب السادات فبعثوا بكل قواتهم إلى الشمال. و بهذا تلقى السوريون ثقل القوات الإسرائيلية كله لوحدهم فاضطروا إلى التراجع. و طلبوا من السادات التقدم لكي يخفف قليلاً من الضغط عليهم و لكنه رفض بل توقف و لم يتحرك، في حين لم يكن هناك إسرائيلي واحد بين القناة و الممرات الجبلية. شعر القائد السوري الأسد بأن السادات قد خانه، و قد عبر عن رأيه صراحة إلى السفير السوفييتي لدى دمشق ألسيد محي الدينوف و الذي نقل الكلام بدوره إلى فينوغرادوف. كان فينوغرادوف يرى السادات يومياً و كان يسأله عن سبب عدم التقدم، و لكنه لم يحصل على جواب معقول. كان السادات يتمتم بأنه لا يريد ان يأخذ سيناء كلها لملاحقة الإسرئيليين الذين سيأتون إليه عاجلاً أم آجلاً.
كان القادة الإسرائيليون قلقين لأن الحرب لم تجر كما هو متوقع، فقد أنزلت بهم خسائر فادحة على الجبهة السورية. كان السوريون يتراجعون و لكنهم كانوا يحاربون بضراوة في كل متر. موقف السادات السلبي وحده هو الذي أنقذ الإسرائيليين من النتيجة العكسية. لقد فشلت خطة هزيمة الجيش السوري الماحقة، إلا أن السوريين لم يستطيعوا القيام بهجوم معاكس فعال.
كان هذا هو الوقت المناسب لمعاقبة السادات: كان جيشه فعالاً جداً، و تقدمه سريعاً جداً، و الأسوأ هو أن اعتماده على السوفييت ازداد بفضل الجسر الجوي. أوقف الإسرائيليون تقدمهم نحو دمشق و حولوا قواتهم باتجاه الجنوب إلى سيناء. كان باستطاعة الأردنيين في هذا الوقت أن يقطعوا طريق الشمال- الجنوب، و هذا ما اقترحه الملك حسين على السادات و الأسد. وافق الأسد فوراً لكن السادات رفض العرض. و برر هذا التصرف لفينوغرادوف بأنه لم يكن يثق بقدرات الأردنيين القتالية. فإن دخلوا الحرب يجب على المصريين أن ينقذوهم. و في مناسبات أخرى قال إن من الأفضل خسارة كل سيناء على خسارة ياردة واحدة من الأردن، و هذه مقولة غير مخلصة و حمقاء من وجهة نظر فينوغرادوف. و بهذا تدفقت القوات الإسرائيلية جنوباً بدون أي عائق.
كنا نحن الإسرائيليين أيضا نعتقد أثناء الحرب بأنه لو تقدم السادات لاحتل سيناء بوقت قصير جداً. و قلبنا في ذهننا عدة افتراضات حول توقفه ولم تسعفنا أية إجابة. أما فينوغرادوف فيفسرها بشكل جيد: إنتهى السادات من دوره في المسرحية فطفق ينتظر دور الأمريكان. و لكن ما حصل عليه هو هجوم شارون في العمق.
يقول فينوغرادوف إن اختراق القوات الإسرائيلية للضفة الغربية للقناة كان الجزء الأكثر لفتاً للإنتباه في هذه الحرب. فقد سأل قادة جيش السادات في بداية الحرب لماذا تركت فجوة بعرض 40 كيلومتراً بين الجيشين الثاني و الثالث فقيل له بأن هذه هي توجيهات السادات. و حتى أن الفجوة لم تكن مراقبة بل تركت مفتوحة كأنها الباب الخلفي لفايروس تروجان في برنامج حاسوب. و لم يأبه السادات بهجمة شارون، بل كان لاأبالياً تجاه هذا التطورالدراماتيكي. و قد طلب منه فينوغرادوف أن يتعامل معها عندما عبرت أول خمس دبابات إسرائيلية فقط القناة غرباً، و لكن السادات رفض ذلك قائلاً بأن هذا ليس ذا أهمية عسكرية، بل هو مجرد حركة سياسية، أياً كان معنى ذلك. و كرر هذا على مسامع فينوغرادوف فيما بعد، عندما تحول موقع القدم الإسرائيلي في الضفة الغربية للقناة إلى رأس جسر ضخم. لم يستمع السادات إلى نصيحة موسكو بل فتح الباب أمام إسرائيل نحو أفريقيا.
هناك تفسيران لهذا السلوك كما يذكر فينوغرادوف: ألأول وهو المستحيل أي الجهل العسكري المصري التام، و الثاني و هو بعيد الإحتمال أي نوايا السادات. أن بعيد الإحتمال هو الأرجح كما يلاحظ شرلوك هولمز.
يقول فينوغرادوف إن الأمريكان لم يوقفوا التقدم الإسرائيلي مباشرة لأنهم كانوا يريدون سبباً لئلا يغير السادات رأيه حول الصفقة برمتها. و يبدو أن الفجوة أوجدت لاستثمارها لهذا الغرض. و لهذا فإن فكرة فينوغرادوف عن “المؤامرة” هي أنها تواطؤ ديناميكي. فهناك خطوط عريضة و اتفاقيات، لكنها قابلة للتغيير حسب قوة الأطراف. لقد “أنقذ” الأمريكان مصر بإيقاف تقدم القوات الإسرائيلية. و بفضل مساعدة السادات السلبية سمح الأمريكان بضرب سوريا بعنف حقاً. و أنقذت أمريكا إسرائيل لسنوات قادمة باتفاقيات فك الإشتباك في حين كانت تفصل قوات الأمم المتحدة بين المتحاربين.
في وثيقة مهمة أخرى، “ملاحظات حول كتاب هيكل ألطريق إلى رمضان”، يرفض فينوغرادوف فرضية حتمية الحروب العربية – الإسرائيلية حيث يقول إنه طالما كانت مصر مستعبدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية فالحرب ليست محتملة. و في الواقع لم تثر حروب كبرى بعد عام 1974 إلا إذا اعتبرنا “العمليات” الإسرائيلية في لبنان و غزة حروبا (و هذا ما كرره السادات باستمرار بأن حرب أكتوبرهي آخر الحروب، في حين أنه أرسل قوات مصرية إلى الكونغو لمحاربة المتمردين ضد الحكومة المدعومة من البلجيك بعد فترة قصيرة من حرب أكتوبر- ألمترجم).
لقد “أنقذت” الولايات المتحدة إسرائيل بالتجهيزات العسكرية، و بفضل السادات عادت الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط و نصبت نفسها “الوسيط النزيه” الوحيد في المنطقة.
يقول فينوغرادوف بأن السادات بدأ معركة شرسة ضد السوفييت و الإشتراكية محاولا تشويه سمعة الإتحاد السوفييتي في عيون العرب. كانت أطروحته الرئيسية هي أن الإتحاد السوفييتي لم و لن يستطيع تحرير الأرض العربية بينما تستطيع أمريكا ذلك، و استطاعت. يشرح فينوغرادوف في مكان آخر إن الإتحاد السوفييتي كان يعترض على الحروب العدوانية لأسباب، منها أن نهاياتها لم تكن مضمونة. إلا أن السوفييت كانوا مستعدين أن يمضوا أشواطا في الدفاع عن البلدان العربية. أما بخصوص التحرير فالسنوات 1973 و ما بعد أثبتت بأن الأمريكان لم يستطيعوا، بل لم يرغبوا في ذلك – في حين أن إعادة سيناء إلى مصر مقابل سلام منفرد كان أيضاً ممكناً دائماً بدون حرب.
تحسن وضع السادات بعد الحرب بشكل جذري، فقد اعتبر بطلاً و حازت مصر على مكانة الشرف بين الدول العربية. و لكن بمرور الزمن إنشرخت صورة السادات مرة أخرى بسبب أن مصر عادت إلى الحضيض، كما يكتب فينوغرادوف.
لقد فهم السوريون لعبة السادات في وقت مبكر جداً، ففي 12 أكتوبر 1973 و عندما توقف الجيش المصري و امتنع عن القتال قال الرئيس حافظ الأسد للسفير السوفييتي بأنه واثق من أن السادات يخون سوريا بإصرار. سمح السادات للإسرائيليين باختراق القناة نحو الضفة الغربية عمدا ليعطي الفرصة لكيسنجر للتدخل و تحقيق خطته لفك الإشتباك، و ذلك حسب قول الأسد لرئيس وزراء الأردن أبو زيد الرفاعي و الذي نقله بدوره إلى فينوغرادوف أثناء تناول الفطور في بيته في عمان. يقول فينوغرادوف بأن الأردنيين أيضاً شكوا بأن السادات كان يلعب لعبة ماكرة. إلا أن فينوغرادوف الحكيم رفض أن ينجر إلى مناقشة القضية برغم أنه أحس بأن الأردنيين قد “قرأوا أفكاره”.
عندما عين فينوغرادوف رئيساً مساعداً لمؤتمر جنيف للسلام واجه موقفاً مصرياً- أمريكياً القصد منه إفساد المؤتمر، في حين أن الأسد رفض حتى الحضور إليه. سلم فينوغرادوف الأسد ورقة عمل المؤتمر و سأله إن كانت مقبولة من قبل سوريا. أجاب الأسد: نعم و لكن في نقطة واحدة. سأل فينوغرادوف المتفائل أية نقطة، فأجاب الأسد النقطة التي تشير إلى أن سوريا توافق على الإشتراك في المؤتمر. و انتهى المؤتمر في الحقيقة إلى لا شئ مثلما انتهت إليه كل المؤتمرات و الترتيبات الأخرى.
بالرغم من أن شكوك فينوغرادوف المكتوبة في وثيقته السرية قد عبر عنها كذلك مختلف الخبراء العسكريين و المؤرخين إلا أنه لم تسمع تلك من أي شخص اشترك في تلك الأحداث، شخص في مثل هذا الموقع الرفيع و بمثل هذه المعرفة و الحضور في اللحظات الحاسمة. إن ملاحظات فينوغرادوف تسمح لنا بفهم و تتبع تاريخ مصر بحرمانها من التصنيع و البؤس و الخلافات الداخلية و الحكم العسكري المرتبط بقوة بحرب 1973 الكاذبة.
لقد أغتيل السادات بعد الحرب ببضعة سنوات ليخلفه تابعه الذي اختاره أي حسني مبارك ليحكم مدة طويلة، ثم ليتبعه مشارك آخر في حرب أكتوبر، المشير طنطاوي. و لا تزال اتفاقية كامب ديفيد التي ولدت نتيجة الأكاذيب و الخيانة تحمي المصالح الإسرائيلية و الأمريكية. ألآن فقط، حيث النظام المصري ما بعد كامب ديفيد على حافة الإنهيار، يمكن للمرء أن يأمل بالتغيير. كان إسم السادات ناصعاً في قائمة أبطال مصر لحد الآن. و لكن سينكشف في النهاية كل ما تم إخفاؤه.
ملاحظة: لم يتوقع فينوغرادوف في العام 1975 أن حرب 1973 و الإتفاقيات اللاحقة ستغير العالم. فقد ختمت على مصير الوجود و المنزلة السوفييتية في العالم العربي بالإضافة إلى أن الجبروت الأمريكي قضى على ما تبقى بعد مدة طويلة: فقد نسفت في العراق عام 2003 و في سوريا الآن (كان هذا التصور قبل أن تتطور الأمور في سوريا مؤخرا في غير صالح الأمريكان – المترجم). لقد نسفوا قضية الإشتراكية في العالم التي بدأت سقوطها الطويل. و قد خسر السوفييت، البلد الأنجح عام 1972، الحرب الباردة التي كادوا أن يربحوها. و بفضل سيطرة الأمريكان على مصر بدأ بتشكيل برامج البترودولار، و تعافى الدولار ليصبح العملة العالمية الرئيسية بعد أن كان قد تهاوى اعتبارا من عام 1971 حيث خسر غطاءه بالذهب. و أصبح نفط السعودية و المشيخات الذي صار يباع بالدولارعصب حياة الإمبراطورية الأمريكية. إذا نظرنا الآن إلى الخلف مسلحين بكتابات فينوغرادوف نستطيع بكل ثقة أن نميز عامي 1973-74 كنقطة تحول حاسمة في تاريخنا.

..

الباحث : عبد الوهاب محمد الجبوري —- اتجاهات الخطاب السياسي الأمريكي المعاصر / دراسة علمية تحليلية

المميز

اتجاهات الخطاب السياسي الأمريكي المعاصر / دراسة علمية تحليلية

الباحث : عبد الوهاب محمد الجبوري
عضو منتديات المعهد العربي

مقدمة

لم يكن موضوع دراستنا هذه وليد ردود فعل النخب الأمريكية المثقفة تجاه الأعلام الأمريكي وما كتب عن مختلف القضايا التي تهم منطقتنا العربية والإسلامية خاصة نتيجة الأحداث التي مر بها العالم منذ انتهاء الحرب الباردة والأحداث التي عصفت بالولايات المتحدة في أكثر من موقع ، وما تلا ذلك من تداعيات سياسية وعسكرية وإعلامية واجتماعية وثقافية اتخذت من مسار الأحداث مسوغا لتمرير الكثير من الأفكار والرؤى والنظريات التي لم يكن لها أن تطرح علانية قبل انهيار الاتحاد السوفيتي وأحداث الحادي عشر من أيلول واحتلال العراق ..
وهذه الدراسة هي خلاصة متابعة لسنوات عديدة أعدت عن حقيقة الأعلام والخطاب السياسي الأمريكي بأقلام الإعلاميين والمفكرين والخبراء الأمريكيين أنفسهم .. وان ما نشاهده اليوم وما نقراه من أفكار وتنظيرات أمريكية إنما تحمل قيم ومفاهيم أصحابها ، في نفس الوقت يعبر معظمها عن وجهة النظر الرسمية للإدارات الأمريكية المتعاقبة والمسنودة باللوبي الإسرائيلي في واشنطن وإسرائيل ، وهذه الرؤى والنظريات هي حقائق اقرها أصحاب الاختصاص قبل أن ينكرها من خدع بقناع الديموقراطية وزيف الثقافة الحرة والكلمة الموضوعية المحايدة ..
وفي هذا المجال يقول ( روبرت ويكس ) أستاذ الأعلام في جامعة أركنســاس الأمريكية في كتابه ( فهم جمهور الإعلام ) الذي صدر عام 2001 : ( إن الإعلاميين يبنون رسائلهم على ثقافتهم ومعتقداتهم ومواقفهم ، ورسائلهم الإعلامية هي انعكاس لمواقف مسبقة قد تؤثر على بناء الرسالة الإعلامية ومضمونها ، وان المؤسسات الإعلامية تؤثر أيضا في بناء الرسالة الإعلامية وتوجهاتها ، وإذا اتفقت توجهات الأفراد مع توجهات المؤسسات فان ذلك يعزز من الأثر الذي تحدثه الرسالة الإعلامية المصبوغة بصبغة الإعلاميين ومعتقداتهم ) وينطبق الشيء ذاته على تحليلات ورؤى المنظرين الأمريكيين وخبرائهم .. باختصار فان هذا يمثل ما يمكن أن نسميه بالأيديولوجية الفكرية والإعلامية للخطاب السياسي الأمريكي ، وهي الأيديولوجية التي أخذت تظهر إلى العلن في إطار ما سمي بتيار صراع الحضارات ، الذي رسمه وخطط له عدد من فلاسفة السياسة والتنظير الأمريكيين وأهل الاختصاص والرأي في دوائر التخطيط ألاستراتيجيي من أمثال ( صموئيل هنتنغتون )، ونفذها صناع القرار السياسي والمستثمرون في العقل البشري العالمي من خلال وسائل الأعلام ذات السيطرة والهيمنة على كثير من مصادر المعلومات والتحليل في عصـــر الرقمية والفضائيات …
ولأهمية هذا الموضوع فإننا مطالبون بقراءة تفاصيل الخطاب السياسي الأمريكي بسياقه الصحيح وتحولاته وأبعاده وأهدافه خاصة ما يتعلق بمنطقتنا العربية والإسلامية كي نكون على بينة وصورة واضحة مما يخطط ويرسم لنا في السر والعلن للاستحواذ على إرادتنا وقراراتنا وسيادتنا وثرواتنا ووحدة امتنا .
فبعد الحرب العالمية الثانية قامت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على ثلاثة ثوابت : احتواء النفوذ السوفيتي ، ضمان امن إسرائيل وتفوقها العسكري وحماية المصالح الأمريكية في المنطقة ، وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر القرن الماضي ظهر ما سمي بالنظام العالمي الجديد والشرق الأوسط الجديد .. بعد حرب الخليج الثانية واتفاقيات اوسلو 1993 حدث تحول في الخطاب السياسي الأمريكي ، فحسب بعض المحللين الاستراتيجيين تراجعت الديمقراطية ، التي احتلت المقام الأول في هذا الخطاب خلال الحرب الباردة وتقدم عليها مبدأ التفوق الأمريكي واستقرار النظام العالمي ..
وحول هذا التحول في الفكر السياسي الأمريكي يتفق محللون سياسيون عالميون على أن هناك أجماعا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي على ضرورة ترسيخ دعائم المؤسسات الدولية وإعطائها دورا من اجل معالجة أي محاولة تعيد النظر في المصالح القائمة مع بقاء الجدل قائما حول طبيعة تدخل الأمم المتحدة ومداه في ألازمات الجديدة مع إبقاء خيار استخدام القوة قائما وحسب ظروف ألازمة وتأثيراتها على المصالح العليا للولايات المتحدة .. ولإلقاء الضوء على موضوع الدراسة تم تناولها على النحو آلاتي :

1. الديموقراطية حسب الرؤية الأمريكية ..
2. ابرز نظريات ورؤى الخطاب السياسي الأمريكي ..
3. نظرية السيطرة على قلب روسيا ..
4 . نظرية صدام الحضارات
5. سياسة احتواء منطقة الشرق الأوسط ..
6. تقرير فريق العمل الأوربي- الأمريكي حول الشرق الأوسط ..
7.الخطاب السياسي واحتلال العراق ..
8.الحرب من اجل إسرائيل ..
9.تقسيم العراق ..
10.المستنقع العراقي ..
11. الصلة بين العراق وفلسطين ..
12.الخاتمة..

الديموقراطية حسب الرؤية الأمريكية

يرى باحثون ومحللون استراتيجيون أن الحزب الديمقراطي يصر على ضرورة التدخل ضمن اطر قانونية دولية حتى يتسنى إشراك الدول الكبرى الأخرى في تحمل الأعباء والمسؤوليات ، بينما يصر الحزب الجمهوري على أن الولايات المتحدة يجب أن لا تعتمد على الأمم المتحدة ، بل عليها إعطاء الأولوية لدور الولايات المتحدة وحلفائها .. ويزعم مناصرو التفوق الأمريكي أن الحفاظ على هذا المبدأ وتطبيقه هو كون الولايات المتحدة الدولة الوحيدة القادرة على تامين الاستقرار وفرض احترام النظام الدولي القائم ..
وبالنسبة للديمقراطية نجد باحثين أمريكيين يعارضون تهميش دورها أو تقليل أهميتها في حركة الأحداث والتطورات العالمية ومن هؤلاء الدكتور ( فرنسيس فوكاياما ) مؤلف كتاب ( نهاية التاريخ ) الذي يدعو إلى تحقيق الديمقراطية الليبرالية وحسب رأيه فان الديمقراطية تمنع العدوانية ويعتبر الانتقال إلى الديمقراطية مصدر استقرار في النظام العالمي وضمان للأمن القومي الأمريكي ويذهب ابعد من هذا عندما يفترض أن الدول الديمقراطية سوف تتقيد ببنيتها الداخلية في سلوكها الدولي ..ويشاطر الخبير الاستراتيجي ( جون أوين ) فوكوياما هذا الطرح ويسير معه في نفس الاتجاه ..
لكن هذه الطروحات تعرضت إلى الانتقاد من قبل أصحاب المدرسة الواقعية ومنهم ( صموئيل هنتنغتون ) صاحب تيار ( صدام الحضارات ) و( كنيت والتز ) احد منظري هذه المدرسة الذي يصف طروحات أصحاب المدرسة المثالية بأنها تتجاهل القوانين الخاصة بالنظام العالمي الذي يفرضه منطقه على سلوك الدول ، فالغايات التي تسعى وراءها كل دولة أيا كان نظامها ، هي البقاء ومد النفــــــــــــــوذ .. أما ( كيسينجر ) فانه يحذر من المثالية في التعامل مع روسيا ، فعلى الرغم من تبنيها للديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي ، فهو يرى أنها لم تتخل عن أطماعها الإقليمية ولها توجهاتها الثابتة النابعة من مصالحها كدولة والتي لا يجب حصرها في طبيعة نظامها السياسي ..
خلاصة هذا الاتجاه هو أن السير نحو الديمقراطية لا يؤدي بالضرورة إلى انتهاج سياسة سلمية وخاضعة لمتطلبات النظام الدولي ، بل أن ذلك سـيوفر فرصة لشعوب ،هي في صراع مع الغرب ، بان تعبر عن عدائها له .. وحسب أصحاب هذا الاتجاه ، فان الأفضل للغرب هو المساهمة في إجهاض المسيرة الديمقراطية في مثل هذه الحالات وهم يرون انه مع سقوط الشيوعية تحول الصراع من المستوى الأيديولوجي إلى المستوى الحضاري ولم تعد الديمقراطية هي الحد الفاصل بين الكتل الدولية ولهذا لا يسع الاستراتيجية الأمريكية إلا أن تتحدد بمضمون حضاري والدفاع عن الحضارة الغربية وعن سيطرتها الكونية ..
والاستنتاج الذي نستخلصه هو أن المناهج الفكرية الأمريكية ، التي يعبر عنها الخطاب السياسي الأمريكي ، لا تترجم خلافا في الممارسة السياسية لان القرار الأمريكي يعتمد التوليف بين هذه التيارات ، والذي يرجح كفة احدهما على الأخر هو ظرف استراتيجي مناسب له ..

أبرز نظريات ورؤى الخطاب السياسي الأمريكي

1 . نظرية ( التدخل الديمقراطي ( وهي النظرية التي طرحها ( فرنسيس فوكوياما ) التي تقسم المجتمعات إلى كتلتين) المجتمعات التاريخية ) الدكتاتورية
و( مجتمعات ما بعد التاريخ ) الديمقراطيات..
ولا يدخل ( فوكوياما ) في تفاصيل التحليل الجيوسياسي للوطن العربي ، بل يرسم ، بصورة غير مباشرة ، حدود الشرق الأوسط كوحدة جيوسياسية تجمع بين النفط وإسرائيل ودول الجـــوار لها ( على حد تعبيره ) .. وحسب هذه النظرية فان تدخل الديمقراطيات في شؤون ( العالم التاريخي ) يظل ضروريا من اجل ضبطه باعتباره مصدر تهديد سياسي وعسكري لها ويتم ذلك عن طريق التضامن فيما بينها ، ويجب إعادة النظر في دور الأمم المتحدة ومشاركة ( العالم التاريخي ) في اتخاذ القرةار .. وفي هذه الحالة يكون حلف شمال الأطلـــسي هو البديل لها بسبب تجانسه وقدرته على الردع ..
2. نظرية ( التوسع الديمقراطي ) : وهذه النظرية التي عبر عنها ( انطوني لابك ) تحدد أن غالبية الدول في أوربا الشرقية وفي العالم الثالث لم تعد حاملة لاستراتيجية المواجهة مع أمريكا وأنها انضمت إلى الفكر الليبرالي وسلَكَ العديد منها مسلك الديمقراطية السياسية ، لذلك يقتــــرح ( لابك ) رســـــــــــــــم خارطة جيو اقتصادية بحيث يستعاض عن مبدأ الاحتواء بمبدأ التوسع الديمقراطي ، وبما أن هذه الدول تعيش أزمات اقتصادية فلا بد من دعم اقتصادي أمريكي لها ..
3. نظرية ( النموذج الواقعي ) : يبين ( كينيث والتز ) في نظريته هذه أهمية موازين القوى ويتوقع ابتعاد الدول الكبرى الأخرى عن الولايات المتحدة ، بوصفها القوة العظمى ، فتتجه ألمانيا نحو أوربا الشرقية وروسيا وتتجه روسيا نحو ألمانيا واليابان ..وحسب رؤية ( والتز ) فــــــــأن ( الدول العاصية ) الموجودة في الشرق الأوسط لم تعد مصدر تحدٍ أساسي بقدر ما أصبــحت تصنف علـى أنها دول خارجة عن إطار اللعبة المتفق عليها دوليا ..
4 . (نظرية موازين القوى ) : تبرز هذه النظرية ، التي حددها ( هنري كيسينجر) أهم موازين القوى وتدعو إلى ضرورة التخلي عن المقاييس الأيديولوجية الصرفة وتحذر من التعاون الروسي الألماني في أوربا الوسطى والشرقية وبالمقابل تحذر من النزاع الروسي الألماني الذي قد يؤدي إلى فوضى سياسية في المنطقة ..
5 . نظرية ما يسمى ( بالحرب على الإرهاب( وتتلخص هذه النظرية التي يتبناها أكثر من مسئول وخبير أمريكي ومنهم ( كولن باول) بالادعاء بأن الناس عندما يفكرون بالسياسة الخارجية الأمريكية فإنهم يفكرون بأوجه) الحرب على الإرهاب ) وإعادة أعمار العراق وأفغانستان والاضطرابات في الشرق الأوسط وما تسميه النظرية ( بخلايا الإرهاب المختبئة ) في جنوب شرق آسيا وأوربا وحتى الولايات المتحدة ، وكلام باول عن ( الناس) يؤكد الرغبة الأمريكية في أن تكون الولايات المتحدة هي الوصية عن العالم والمهيـمنة على مقدراته وإرادته.. وفي مقال نشره ( باول ) في صحيفة نيويورك تايمز نهاية عام 2003 ، عاد وأكد لهجة الخطاب السياسي الأمريكي عندما حدد ما اسماه) الحرب على الإرهاب ) وان هذه الحرب ستظل الأولوية القصوى في السياسة الخارجية الأمريكية طالما كان ذلك ضروريا ، على حد تعبيره .. ويعتبر الخطاب الأمريكي أن هذا التوجه يمثل استراتيجية واسعة النطاق وعميقة ، لكن البعض من المحللين الغربيين يرى بأنها تفردية بشكل متعمد وأنها غير متوازنة تحبذ الأساليب العسكرية وأنها تعاني من اسـتحواذ ( هاجس الإرهاب ) عليها ومنحازة بالتالي إلى جانب الحرب الاستــــباقية الاجهاضية على الصعيد العالمي .. لكن باول يرد على أصحاب هذا الرأي ويعتبره غير صحيح ..
أما رؤية ( باول ) حول الديمقراطية فتتمثل في التشجيع على ممارستها إلى جانب التنمية والصحة العامة العالمية والحقوق الإنسانية ، ولكنه يعود فيذكر بان الولايات المتحدة لن تستطيع العمل طوال الفترة اللازمة لتحقيق ذلك إلا إذا تمت المحافظة على توسيع نطاق سلام عالمي والمحافظة عليه .. ويعترف( باول) في رؤيته بان سياسة حكومة بوش الخارجية ارتكبت مجموعة من الأخطاء ويعلل ذلك (بأننا بشر وكلنا نرتكب أخطاء ) ..
6 . رؤية ( المنافسين والأعداء ) : وهي الرؤية التي يتبناها كثير من الخبراء والاستراتيجيين الأمريكان ، فهناك من يرى أن هذا الخطاب يستخدم لغة اللين مع الاتحاد الأوربي واليابان وروسيا والصين فيدعو إلى الشراكة مع الطرفين الأول والثاني والى استيعاب الطرفين الثالث والرابع من اجل عدم تحولهما إلى دول معادية توسعية ، بينما تشتد اللهجة الأمريكية عندما يتعلق الأمر بدول أخرى مثل إيران وكوريا الشمالية وسوريا والــسودان ( والعراق قبل احتلاله ) التي ترد في هذا الخطاب على أنها ( دول عاصية ) و( محور الشر ) تنزع لان تكون عنصر تهديد للمصالح الأمريكية الاستراتيجية أو أنها ( دول ارتداد ) ارتدت بعنف عن النظام العالمي الجديد ، وبحسب هذا الخطاب ، فهي تشكل تهديدا للمنطقة وللمصالح الأمريكية على حد سواء ..

7 . نظرية السيطرة على ( قلب روسيا )

تبنى هذه النظرية مستشار الأمن القومي الأســـــبق ( زبيغنو بريجنسكي ) .. فقد حددت هذه النظرية أن من يســــيطر على ( قلب روسيا )يسيطر على المعمورة بأكملها .. ووفق هذه الرؤية فان الولايات المتحدة سعت خلال الحرب الباردة إلى احتواء هذه المنطقة من خلال السيطرة على الأراضي الطرفية ، اليابان وكوريا الجنوبيـة وتركيا ، لذلك يحذر بريجنسكي ، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ، من إمكانية تكوين إمبراطورية روسية جديدة ويرى أن المهمة الملقاة على عاتق الولايات المتحدة هي الحفاظ على استقرار المنطقة والحيلولة دون ســـــــــــيطرة قوة واحدة عليها ..وبين بريجنسكي أن الشرق الأوسط هو إحدى البوابات إلى روسيا الوسطى وحسب رأيه فان الجزء العربي في هذه المنطقة لا يؤدي دورا أساسيا لان الأمر منوط بتركيا وإيران ، من هنا فانه لا يتناول الجزء العربي إلا ليذكر بإيجاز مسألة ما اسماه بالمد الإسلامي ويعتبره ظاهرة عاجزة على خلق منطقة نفوذ جيدة تهدد الموقع الجيوستراتيجي للولايات المتحدة على الرغم من قدرة الأصولية الإسلامية ، حسب تعبيره ، على تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة ويخلص إلى القول بان التأثير المحتمل لهذه الحركات إنما ينحصر في تحويل المنــــــــــطقة إلى بؤرة أضطرابات دورية بسبب عجزها عن تأســيس دولة محور ..
وللتوسع في رؤيته وإلقاء المزيد من الضوء عليها بعد التطورات الدراماتيكية التي شهدها العالم منذ انتهاء الحرب الباردة نشر بريجنسكي كتابا عن أمريكا وميزان القوى في العالم عكس فيه آراءه حول رصد وتشخيص العوائق والتحديات التي تحول دون تحقيق أمريكا لحلمها في إقامة نظام عالمي جديد يأخذ شكل الحكومة العالمية وتنتظم فيه دول العالم كله خلف أمريكا وتسلم لها بالزعامة المطلقة ، وحسب رأيه فان هذا هو الهدف الاستراتيجي لبلاده وهو ما تصبو إلى تحقيقه خلال هذه المرحلة المهمة من تاريخ العالم .. كما أنها تسعى ، في حالة تعذر قيام الحكومة العالمية ، إلى تحقيق نظام عالمي يأخذ شكل الكونفدرالية العالمية التي تتمتع فيها أمريكا بزعامة عالمية تشاطرها في بعض مظاهرها ، بالتراضي ، أهم قوتين عالميتين بعدها وهما أوربا واليابان ..ويستبعد بريجنسكي أن يتم لأمريكا أي شكل من أشكال الزعامة الحقيقة على العالم لحقبة من الزمن ليست بالقصيرة ويُرجع ذلك إلى سببين أساسيين :
الأول ( داخلي ) : يتعلق بما وصفه تداعي النمـوذج الحـضاري الأمريكي من الداخل ..
الثاني ( خارجي ) : يتعلق بموقف القوى العالمية والإقليمية وقوى أخرى رافضة بدرجات متفاوتة للهيمنة الأمريكية وسيطرتها على العالم وبتطلعاتها هي الأخرى للزعامة والنفوذ على المستويين الإقليمي والعالمي .. وقد صنف بريجنسكي القوى العالمية والإقليمية التي ستستمر لفترة قادمة تنازع أمريكا الزعامة والنفوذ إلى ثلاثة أصناف رئيسية :
أ . قوى عالمية تنافس أمريكا على الزعامة والسيطرة على العالم ويحددها بريجنسكي في قوتين هما أوربا واليابان ..
ب. قوى إقليمية كبيرة تنازع أمريكا الزعامة على مستوى قاري أو إقليمي موسع هما الصين وروسيا ..
ج. قوى إقليمية صغيرة ، حسب تعبيره ، تنازع أمريكا النفوذ على مستوى إقليمي ضيق ، وانطلاقا من نظرة عنصرية ضيقة حدد بريجنسكي أن نموذج هذه القوى : الإسلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واسيا الوسطى وإيران والهند ..
وآيا كانت دقة هذا التصنيف ورأينا فيه فان الباحث توخى عرضه دون تعليق تاركا ذلك لأراء القراء والباحثين والاستراتيجيين ..

8 . نظرية صدام الحضارات

أما ( هنتنغتون ) فيضع المسألة في إطار ( صدام الحضارات ) ويدعو الدول الغربية إلى التضامن فيما بينها ، ويسعى ليبدو أكثر وضوحا في طرح نظريته هذه حين نشر في العدد السنوي لمجلة نيويورك الأمريكية مقالا بعنوان ( حروب المسلمين ) التي وصفها بأنها احتلت مكان الحروب الباردة كشكل أساسي للصراع الدولي .. وهذه الحروب ، حسب( هنتنغتون ) تتضمن : حروب ( الإرهاب ) ، حروب العصـــــابات ، الحروب الأهلية ، الصراعات بين الدول … الخ والرسالة التي أراد ( هنتنغتون ) إيصالها هي ( أن العرب يشكلون مصدر الخطر الذي يهدد العالم ) ..وذهب ابعد من ذلك عندما حاول إظهار العرب والمسلمين بصورة المتخلفين الذين يضـــــمرون الحقد والكراهية للثقافة وروح العصر ..
و(هنتنغتون ) يرى بهذه الرؤية (العنصرية والعدوانية) انه حتى لو استعدى العالم كله فانه يسعى إلى منع حدوث مثل هذا الصدام المفترض من قبله بين العرب والإسلام من جهة والغرب والحضارات الأخرى من جهة ثانية وفي ظل ما يسميه مسؤولية العالم العربي والإسلامي عن ( الإرهاب ) الذي تسبب قبل أحداث أيلول بقتل (299( شخصا في هجوم عابر عام 1983 على معسكرات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت وقتل( 554) شخصا في الهجمات على سفارتين أمريكيتين في أفريقيا ..
ويمكن تلخيص نظرية ( هنتنغتون) بان منطق القوة هو الأساس في دفع العالم للاستسلام .. وبالنسبة لمسألة ( خلق العدو ) التي افترضها ( هنتنغتون ) في( صدام الحضارات) فان عددا من الباحثين الاستراتيجيين يرون أن هذه النظرية هي إحياء للعدوان في الخطاب السياسي الأمريكي لان ( هنتنغتون ) يتوقع أن تتضاعف الحروب عند ما اسماها بخطوط التماس الحضارية للعالم الإسلامي لأنه على حد زعمه هو الأشد تطرفا تجاه الغرب ..
وفي السياق نفسه يعتبر الباحث والخبير الأمريكي ( جيفري كيمب ) و( روبرت هركابي ) أن الجبهة السورية هي احد محوري الحرب المحتملة ، وحسب رايهما فان السيناريو الأفضل للولايات المتحدة وإسرائيل هو الانفراد بسورية كي لا تدخل أي دولة عربية أخرى في الصراع ..
ومن الناحية العسكرية فان القواعد الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط والتي تريد الولايات المتحدة تحويلها ، ولو نظريا لحلف الأطلسي ، تكتسب أهميتها من أهمية منطقة الشرق الأوسط وموقعها عند ملتقى القارات الثلاث ، وكذلك من أهمية دورها الاقتصادي كمنتج ومصدر للنفط والغاز حيث تعتبرها الولايات المتــــحدة موقعا مهما من الدرجة الأولى ..
فالأهداف الرئيسة للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط حسب الخطاب الأمريكي هي :
أ . إقامة الرقابة على استخراج ونقل الطاقة والسيطرة عليها ..
ب . تقديم المساعدة لإسرائيل ودعمها بكل الإمكانيات المتاحة ..
ج . المحافظة على الحكومات التي تسير في ركب السياسة الأمريكية ، ولهذا فان أمريكا تبقي بشكل دائم سفن الأسطول السابع في المحيط الهندي عند مداخل الخليج الهندي وسفن الأسطول السادس في البحر المتوسط القريب من مصر وإسرائيل وسفن الأسطول الخامس في الخليج العربي ..

سياسة الهيمنة والزعامة الأمريكية على العالم

من خلال قراءتنا لنظريات ورؤى كبار السياسيين والمفكرين والخبراء الأمريكيين ، كما مر بنا سابقا ، والتي شكلت القاعدة التي تنطلق منها أيديولوجية الخطاب السياسي الأمريكي يتبين أن هذا الخطاب اعتمد مباديء محددة في تعامله مع المناطق الساخنة في العالم وبما ينسجم والمصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة .. هذه المباديء حددها مخططو السياسة الأمريكية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، فقد سعى هؤلاء إلى خلق نظام عالمي تتزعمه الولايات المتحدة يعتمد على القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية الأمريكية وعلى قيم أمريكية خاصة بالشخصية والــــــــسلوك الأمريكيين ..وقد شكلت هذه المباديء والقيم جوهر السياسة الأمريكية الخارجية ..وفي هذا يقول الخبير الاستراتيجي (جون لويس غاريس ) : ( إن الولايات المتحدة كانت تتوقع أن تصبح زعيمة النظام العالمي الجديد بعد العام 1945) ويضيف ( قّلّ بين المؤرخين من ينكر اليوم أن الولايات المتحدة كانت تتوقع السيطرة على المسرح الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وأنها كانت تسعى إلى هذا قبل أن يبرز الاتحاد السوفيتي كخصم ظاهر وحاضر ) ..
واليوم ، كما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية ، تسعى الاستراتيجية الأمريكية إلى توسيع دائرة التحكم في النظام الدولي عن طريق منع بروز دول عظمى منافسة لها في أوربا وشرق آسيا .. واليوم أيضا يحدد الخطاب السياسي الأمريكي أن الاستراتيجية الأمريكية تعتمد على منطق مؤلف من ثلاث خطوات :
الخطوة الأولى : الاعتماد المتبادل أو( التوافق) هو المصــــلحة العليا التي تشجعها الاستراتيجية الأمريكية ..
الخطوة الثانية : اعتبار عدم الاستقرار تهديدا للاعتماد المتبادل ..
الخطوة الثالثة : الردع الموسع هو الوسيلة التي تلجا إليها الاستراتيجية لمواجهة هذا التهديد ..
فالهيمنة أو الزعامة ، حسب الخطاب الأمريكي ، هي استراتيجية واقعية تسعى إلى إدامة السيطرة الجيوسياسية لما بعد الحرب الباردة .. ويعتقد أنصار هذه الاستراتيجية أن على الولايات المتحدة أن تسعى إلى زيادة قوتها النسبية إلى أقصى حد ، وذلك لان السياسة الدولية على قدر كبير من التنافسية ، وتقوم هذه الاستراتيجية على افتراض أن الدول تكسب الأمن وليس من خلال توازن القوى ، بل عِبر اختلال القوى لمصلحتها ( أي بسعيها إلى الزعامة ) ..
وتفترض هذه الاستراتيجية أن للولايات المتحدة مصلحة حيوية في الحفاظ على الاستقرار .. ومن حيث الجغرافيا تنظر استراتيجية الزعامة إلى كل من أوربا وشرقي آسيا والخليج العربي كمناطق تقوم فيها للولايات المتحدة مصالح أمنية حيوية ..
وتعد أوربا وشرقي آسيا مهمتين لأنهما يمكن أن تبرز منهما دول عظمى جديدة وان تندلع فيهما في المستقبل حروب بين الدول القوية ، حــــــــسب تعبير ( غاريس ) الذي يضيف بان الخليج العربي مهم بسبب وجود النفط فيه..
ويرى الخطاب الأمريكي أن الضمانات الأمنية الأمريكية لأوربا وشرقي آسيا هي الوسيلة التي تحافظ بها استراتيجية الهيمنة والزعامة على نظام سياسي دولي سليم يؤدي إلى الاعتماد المتبادل ..
ويرى مناصرو ومخططو هذه الاستراتيجية أنها ذات حظ من الاستحسان بالحدس والمنطق ، أما القوة فمهمة جدا في السياسة الدولية وللولايات المتحدة الحظ الأوفر منها ، ويعتبرون أن لا أفضل من أن تكون أمريكا هي القوة العظيمة الوحيدة في عالم أحادي القطب .. لكن أصحاب الرأي الآخر يرون أن الاعتقاد بان أمريكا يمكن أن تكون زعيما ناجحا هو اعتقاد شخصي خاطيء ، فما من دولة تستطيع احتمال إقامة أمنها على الثقة بالنوايا الطيبة للآخرين ، لان النوايا تزول بسرعة ونوايا اليوم السليمة يمكن أن تتحول غدا إلى نوايا شريرة ، ولهذا السبب تقيّم الدول استراتيجياتها على تقديرات إمكانيات الآخرين ، أي ما لديهم من قوة فعلية كافية ..
والذي يقلق الدول الأخــــــــرى هي القوة الهائــــــــلة لدولة ما تريد أن تكون زعيــــــــمة ومهيمنة ..وكون أمريكا ذات قوة لا تكبح ( حتى الوقت الحاضر ) هو الذي يرى فيه الآخرون مصدر قلق لهم .. وإذا عدنا إلى تحليل ( بريجنسكي ) يتبين أن الرعب الذي يبثه في قلوب الآخرين زعماء طامحون يفسر إلى حد بعيد سبب عدم تمكن أمريكا من منع قيام دول عظمى جديدة وبالتالي عدم قدرتها على إقامة الحكومة العالمية .. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أيضا أن الشواهد التاريخية تدلل على أن ظهور زعيم طامح يعتبر عاملا مساعدا قويا في ظهور دول عظمى جديدة ..
وبهذا المعنى يمكن أن يكون قيام مثل هذه الدول بمــثابة رد فعل دفاعي إزاء تهـديد الدولة الزعيمة ، وبهذا المعنى أيضا يمكن أن نفهم سبب حرص الولايات المتحدة على عدم ظهور زعيم طامح .. والمفارقة في الأمر هي أن هؤلاء يرون عدم وجود سبب قاهر للاعتقاد بان الولايات المتحدة سوف تستثنى من هذا المصير ..ففي السنوات العشر القادمة أو العشرين القادمة سوف تقود سياسة الهيمنة الأمريكية إلى ظــهور دول طامـحة كألمانيا واليابان والصـين ( وربما تعود روسيا أيضا إلى الظهور من جديد ) كدول عظمى قادرة على العمل كقوة توازي قوة الولايات المتحدة وبالتالي منافستها على خلق معطيات جديدة في الــــسياسة الدولية ..

الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط

من خلال تناولنا لاستراتيجية الخطاب السياسي الأمريكي تجاه سياسة الهيمنة الأمريكية والقوى الدولية التي تنازع الولايات المتــحدة ، السيطــــــــــــــــرة والنفــــــوذ عــــــلى العـــــــالم فان ( بريجنسكي ) وباحثين استراتيجيين آخرين أمثال ( انطوني لابك ) و( هنري كيســـــــنجر ) و( صمؤئيل هنتنغتون ) و( فوكوياما ) و ( روبرت هركابي ) يرون أن النفط وإسرائيل هما المحوران الأساسيان للسياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط كونهما يمثلان المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة ..فبالنسبة للمحور الأول يعتقد ( فوكوياما ) أن ثمة أمرين من شأنهما أن يبررا تدخل ما اسمــــــاه ( بعالم ما بعد التاريخ) في (عالم التاريخ ) وهما النفط والهجرة . وفي تصــــــــــور مماثل يؤكد ( جيفري كامب ) و ( روبرت هركابي ) الأهمية الاستراتيجية لنفط الخليج العربي ..
أما فيما يتعلق بمبدأ الدفاع عن إســـرائيل ، الذي يمثل المرتبة الأولى في سلم الاولويات الأمريكية ، فان الخطاب السياسي الأمريكي ينظر إليها على أنها ( دولة ديمقراطية ) على غرار الديمقراطية الغربية وأنها موقع متقدم للحضارة الغربية ، وان العداء لإسرائيل هو التعبير الواضح عن الشك بالقيم الأمريكية وفضائلها بشكل خاص ..
استنادا إلى هذا فان استراتيجية الخطاب السياسي الأمريكي تتعامل مع الشرق الأوسط على انه يضم دولا محورية تشكل قاعدة أساسية للنفوذ الأمريكي ودولا محورية نقيضة تشكل تهديدا للمصالح الأمريكية ، لــــــذلك يدعو الباحث والخبير ( كنيدي ) الولايات المتحدة أن تتبنى سياسة انتقائية في علاقتها بالدول النامية وان تحشد طاقاتها في دعم الدول المحورية بدلا من أن تبعثر اهتمامها عبر المعمورة بأسرها .. ويرى الخطاب الأمريكي أن مصر دولة محور في الشرق الأوسط إلى جانب تركيا ، لأنها ، حسب تعبير الخطاب ، وظيفة للاستراتيجية الأمريكية ، فالسلطة فيها قادرة على احتواء المد الإسلامي ، حسب تعبير كنيدي ، ودبلوماسيتها تركز جهودها على استمرار ديمومة الحياة لعملية السلام مع إسرائيل ، لذا يرى ( كنيدي ) أن سقوط هذه السلطة من شانه أن يؤدي إلى انتشار الفوضى السياسية وبالتالي إلى امتداد النفوذ الإسلامي إلى بلدان أخرى في الشرق الأوسط والى سقوط عملية السلام واتساع دائرة الأنظمة المعادية والمهددة للمصالح الأمريكية ..
مقابل هذه الرؤية فقد سعى ( هنتنغتون ) إلى وضع حد للجدل القائم حول موقع مصر ، فحسب رأيه ، ليس لمصر مقومات المركز وبنظره فهي لاتملك مقومات الدولة المركزية ، وأشار إلى تركيا واندونيسيا على أنهما دولتا مركز لتوفر عناصر التنمية فيهما ..
وفي نفس الاتجاه سار ( بريجنسكي ) الذي ذهب إلى حد تغييب دور مصر والدول العربية ، فاعتبر تركيا وإيران دولتان محوريتان في المنطقة بسبب تأثيرهما على ( قلب روسيا ) ..
أما بالنسبة لدول المحور النقيضة أو ( العاصية ) ، على حد تعبير الخطاب الأمريكي ، فهناك تباين في أسلوب هذا الخطاب ويمكن تلمس ذلك في استراتيجية الاحتواء الأمريكية إزاء هذه الدول :
1. فالدول المطلوب احتوائها رسميا ، حسب قائمة الإدارة الرئاسية الأمريكية ، كانت تضم في الأساس : العراق ( قبل الاحتلال ) وليبيا ( وقد حصل جدل تجاهها بعد مواقفها الأخيرة ) وإيران وكوريا الشمالية ، أما الدول المطلوبة حسب قائمة أعضاء الكونكرس الموالين لإسرائيل فتضم بالإضافة لما ورد ، سورية والسودان .. ويطالب هؤلاء بضمهما إلى ما يسمونه الدول الداعمة للإرهاب .. أما بريجنسكي فيعتبر بان المصالحة مع إيران ضرورة جيوستراتيجية لضبط آسيا الوسطى ..
2. إن التعامل مع ما يسميها الخطاب الأمريكي بالدول العاصية يكمن في مبدأ الاحتواء الذي يرمي إلى عزل القوة الإقليمية باستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي لمنع مجرد الاقتراب منها ..
وحول استراتيجية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل حتى لا تقع بأيدي الدول والمنظمات المهددة للمصالح الأمريكية ، حسب الخطاب الأمريكي ، فمن وجهة نظر ( اليوت برانر ) تبقى ( الدول العاصــية ) وما يســـميه هذا الخطاب بالمنظــــــــــمات ( الإرهابية ) هي المستهدفة ..

تقرير فريق العمل الأوربي- الأمريكي حول الشرق الأوسط

واستكمالا للموضوع نجد أن ابرز ما يميز الخطاب الأمريكي لمرحلة الألفية الجديدة تجاه منطقة الشرق الأوسط قد ورد في تقرير أعده فريق عمل أمريكي – أوربي برئاسة ( هنري كيسنجر ) وزير الخارجية الأمريكي الأسبق وعضوية ( 26 ) شخصية أمريكية وأوربية بارزة إلى الرئيس بوش يتضمن انتقادا قاسيا لاستراتيجية أدارته وخططها في منطقة الشرق الأوسط .. وصدر هذا التقرير عن ( مجلس العلاقات الخارجية ) الأمريكي المعروف ويحمل عنوان ( إحياء الشراكة الأطلسية ) .. ولأهمية إطلاع القاري والباحث العربي على هذا التقرير كونه يمثل أجمالا عاما لمعظم اتجاهات الخطاب الأمريكي سيتم تناوله بصيغة مركزة ومباشرة لعكس هذه الاتجاهات :
1. دعوة الرئيس بوش إلى القيام بعملية نقد ذاتي والاعتراف بان الولايات المتحدة لن تتمكن من النجاح وحدها ، سواء في العراق أو في منطقة الشرق الأوسط أو في أي منطقة من العالم وفي أي قضية كبرى أخرى ، وأنها تحتاج إلى حلفاء ودعم أوربي لتشكيل تحالف من عدة دول لمواجهة الأخطار والتحديات المختلفة في الشرق الأوسط والعالم ..
2. أن يكون التعاون بين الولايات المتحدة وأوربا مبنيا على أساس التكامل لا التنافس مع تجاوز مرحلة الخلافات حول الحرب ضد العراق ..
3. تخلي الولايات المتحدة عن اعتمادها على القوة العسكرية وحدها وعلى تفوقها العسكري لان القوة وحدها ليست كافية للنجاح وتحقيق النصر والعمل على تعزيز الديمقراطية ونشرها والدفاع عن حقوق الإنسان ..
4. وضع استراتيجية موحدة بين الولايات المتحدة وأوربا تتضمن تحديد شروط استخدام القوة العسكرية ضد الدول الأخرى ، عربية وأجنبية ، سواء لمكافحة ( الإرهاب ) أو لوقف انتشار أسلحة الدمار الشامل أو لمنع قيام تعاون خطر ومدمر بين ما اسماه التقرير بالتنظيمات الإرهابية والدول غير المسئولة ..
5. قيام إدارة بوش بالعمل على التوصل إلى اتفاق موحد مع أوربا وحلف الأطلسي حول الشرق الأوسط لان هذه المنطقة تؤثر على الأمن والاستقرار والنمو في العالم الغربي أكثر من أي منطقة أخرى ولأنها تحتوي على اكبر احتياط للنفط والغاز في العالم ..
6. تسعى الولايات المتحدة وأوربا على تركيز الجهود على قضايا رئيسية أربع هي :
أ . إنقاذ العراق من الانهيار وضمان الأمن والاستقرار في هذا البلد وإقامة نظام شرعي جديد مستقر فيه وإعادة أعماره .. ويتفق التحليل لكلا الجانبين أن انهيار العراق ( لا سمح الله ) ستكون له عواقب وخيمة وخطيرة على سائر دول المنطقة والعالم وليس فقط على أمريكا ، لذلك يدعو الجانبان إلى وضع العراق تحت المسؤولية العسكرية لحلف الأطلسي بصورة مؤقتة ..
ب. منع إيران من امتلاك السلاح النووي بأي ثمن وتشجيع الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذا البلد ، ويدعو الجانبان روسيا للتعاون معهما لتنفيذ هذه الاستراتيجية ..
ج. الاتفاق على خطة موحدة مشتركة لتسوية ما اسماه التقرير بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي ، وهو ما يتطلب أن يتخذ المسئولون الأمريكيون خطوات عملية محددة للعمل على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة والاستمرار ..
د. تخلي أمريكا عن أية خطط لديها لفرض الإصلاحات على الدول العربية وقيامها مع الدول الحليفة بجهود مشتركة لمساعدة دول الشرق الأوسط على تحسين وتطوير أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية وذلك لتجنب نشوب نزاعات داخلية في عدد منها ..

الخطاب السياسي الأمريكي واحتلال العراق

أما بالنسبة لاحتلال العراق فان الخطاب السياسي الأمريكي توسع كثيرا في التحدث عنه ، ولكن لأغراض الدراسة هذه سيشير الباحث إلى ابرز اتجاهات هذا الخطاب :
يعترف محللون غربيون أن الحرب على العراق واحتلاله عام 2003 لم تكن حربا تكتيكية بأي حال من الأحوال ، بل هي استراتيجية وفقا لجميع المعايير .. ويوضح هؤلاء بأن هذه الحرب كانت من اجل النفط والسيطرة الأمنية وحسم الصراع الثقافي وإعادة رسم الخرائط السياسية والأيديولوجية وإعادة النظر جذريا في العلاقات الدولية للمرحلة الممتدة من الحرب العالمية الثانية إلى الوقت الحاضر ، بالإضافة إلى تثبيت أقدام إسرائيل في الشرق الأوسط ليس فقط كدولة إنما كلاعب رئيس في تقرير شؤون المنطقة برمتها ..هذه هي باختصار شديد أهداف الولايات المتحدة من غزو العراق والتي عبر عنها الخطاب السياسي الأمريكي كما سنلاحظ ذلك في سياق الحديث ..
من هنا فان هذه الحرب ليست فقط منازلة بين الجيوش ، إنما هي منازلة استراتيجية لها تفرعات وتداعيات تمس جميع مظاهر الواقع العربي والإقليمي والدولي بكل هيكليا ته المتداخلة والمتبادلة التأثير ..
لقد كُتب عن هذا الموضوع مقالات ودراسات وكتب غربية كثيرة عكست حقيقة أهداف الحرب الأمريكية على العراق وأشارت هذه المصادر إلى ابرز هذه الأهداف وهي احتلال هذا البلد وإسقاط نظامه وما ترتب على ذلك من تدمير لمؤسسات الدولة فيه ومرافقها كافة والعبث في وثائقها أو حرقها وحل الجيش ومؤسسات الأمن الوطني والتأسيس لنظام حكم طائفي وإشاعة الفوضى في البلاد وحرمانها من الأمن والاستقرار لفترة طويلة وسرقة ثرواتها عبر مشاريع وهمية أو غير منتجة وخلق الأجواء لانتشار الفساد الإداري والترويج لتجارة القتل والحرق والسلب والتخريب والمخدرات … إلى غيرها من الأعمال التي تصب كلها في هدف استراتيجي مركزي هو إنهاء الدولة العراقية ومحاولة قتل الروح الوطنية والقومية لدى أبنائها وإعادة بنائها وتأسيسها من جديد على أسس مغايرة لما تربى عليه العراقيون الشرفاء أصحاب التاريخ والحضارة من قيم وطنـــية وعربية وإسلامية نبيلة ، وذلك من اجل خلق جيل جديد يؤمن بالمباديء والقيم الغربية المؤسسة على الفكر الصهيوني والماسوني ويقبل بالتعايش مع إسرائيل كأمر واقع ومفروض ..
ولأغراض بحثنا هذا سنشير إلى ثلاث دراسات أمريكية ، على سبيل المثال لا الحصر ، تناولتا مسألة التعامل مع حرب العراق : أسبابها ، خلفياتها ، أهدافها ودوافعها الاستراتيجية ..
الدراسة الأولى أعدها ( تشارلز ويليام مينز ) رئيس تحرير مجلة السياسة الخارجية الأمريكية والثانية أعدها الدكتور ( جون شتاينبر ) مدير معــــهد ( بروكنكز ) لدراسات السياسة الخارجية ، والدراسة الثالثة أعدها ونشــــرها ( هنري كيسنجر ) عام 1992 ..
عنوان الدراسة الأولى ( عنوان رئيـسي في واشنطن : هل الحرب ضرورية ) والثانية تحت عنوان ( نتائج فرض النظام العالمي الجديد وفق جدول زمني محدد ) ..ويؤكد مضمون الدراستين أن إعلان الرئيس بوش الحرب على العراق لم يكن نتاجا مباشرا لأحداث أيلول / سبتمبر ، كما يذهب إلى ذلك بعض المحللين الاستراتيجيين ، إنما هي مشروع خطط له قبل الحرب على العرق عام 1991 بعشر سنوات ..
فالحرب على العراق عام 2003 تم برمجتها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وسقوط التوازن الدولي الهش مباشرة ..في هذه الفترة بالذات اقتنعت أمريكا بان السياسة التقليدية المؤسسة على الاحتواء والردع لم يعد معمولا بها ، فاستبدلتها بسياسة الهجوم والضربات الاستباقية ، وحــــــــسب الدراستين ، فان الأسلوب الأمريكي الجديد هو خرق الشرعية الدولية ، فبعد الانتهاء من حرب عام 1991 قامت الولايات المتحدة بعقد مؤتمر مدريد لحل القضية الفلسطينية على مضض ، وبتكتيك لامتصاص غضب الشارع العربي ولمكافأة الأنظمة العربية التي تحالفت معها عسكريا وإنقاذها ، ولكن هذا العرس المغشوش سرعان ما تم تدميره وذلك باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين قبل أن يوقع أي اتفاق سلمي جدي .. ولقد اتبعت أمريكا سيناريو الخطوة خطوة ، وذلك بعدم إدراج قضية الجولان السوري أو الجنوب اللبناني ضمن الحل الوهمي الذي لوحت به ، وتستمر الأحداث التي لن نخوض فيها هنا لكننا نقول أن هذا السيناريو قد سحب البساط من الدول العربية التي تحالفت عسكريا مع أمريكا ضد العراق وجعلت المكافأة التي لوحت بها من قبل مجرد سراب ووهم ..
وعلى الصعيد نفسه عملت الإدارة الأمريكية على تطبيق تكتيك جديد من اجل إعداد الخطط لاحتلال العرق ، تمثل بفرض مناطق الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبه وفرض حصار ظالم لم يشهد له التاريخ مثيلا ضد الشعب العراقي وبمباركة هؤلاء الزعماء العرب الذين سيحاسبهم الله والتاريخ على فعلتهم هذه ، لان ما أسفر عنه هذا الحصار الأشد إيلاما وقسوة في التاريخ هو موت وتشريد الملايين من أبناء هذا الشعب المجاهد الذي لم يبخل يوما في تقديم الغالي والنفيس من اجل أمته ، وترافق هذا مع تطبيق استراتيجية الضربات العسكرية المستمرة واستخدام اليورانيوم المنضب ( المستنفد) ضد الأهداف الحيوية العراقية والسكان المدنيين على حد سواء لإحداث خسائر كبيرة بين المواطنين وتلويث البيئة العراقية بالإشعاعات النووية الناتجة عن استخدام هذه الأسلحة ..
فقد قامت الولايات المتحدة والدول الحليفة باستخدام اليورانيوم المنضب المحرمة دوليا بكميات كبيرة خلال حربي 1991 و2003 ضد العراق مما نتج عنه تأثيرات خطيرة على الواقع الصحي والبيئي في العراق تسبب في موت الآلاف وإصابة عشرات الآلاف منهم بأمراض خطيرة كالسرطانات والتشوهات الخلقية والإجهاض المتكرر عند النساء وغيرها من الأمراض التي سيظل يعاني منها العراقيون لعشرات السنين القادمة ..
وترى هاتان الدراستان أن هذا الاحتواء لم يسفر عن حدوث مجاعات أو ثورة شعبية أو عصيان مدني ، الأمر الذي جعل الأمريكيون يطورون خططهم لاحتلال العراق مع الإبقاء على سياسة الاحتواء ، وجاءت أحداث أيلول ، التي تشير مصادر مطلعة أن الإدارة الأمريكية على علم بها أو بجانب منها ، كي تتخذ منها ذريعة لإيهام العالم ، والشعب الأمريكي خاصة ، بوجود علاقة بين العراق وتنظيم القاعدة ، ثم برز الادعاء بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي أثبتت الأحداث وعمليات المفتشين الدوليين بالعراق كذب هذا الادعاء وبطلانه ..
وهنا نتوقف قليلا لنشير إلى أن هذه التطورات التمهيدية للحرب على العراق واحتلاله شهدت موافقة معظم الأنظمة العربية أيضا على مبدأ تجريد العراق من أسلحته الاستراتيجية بالكامل ولم تشترط أن يتم ذلك على الأقل بالتزامن مع نزع أسلحة إسرائيل الاستراتيجية كحل شامل لسباق التسلح في المنطقة وإخلائها من جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل ، وإقرار الدولة الفلسطينية وفق حدود ما قبل حرب 1967 وإخراج القوات الإسرائيلية من مرتفعات الجولان ومن جنوب لبنان وفي إطار جدول زمني محدد وشامل ووفقا للشرعية الدولية والأمم المتحدة .. لقد كان الموقف العربي المتردد وراء عدم حسم هذه المعضلات الحيوية وبالتالي لا بد من القول أن أمريكا قد نجحت فعلا في جعل الأنظمة العربية تستبدل المصير المشترك الممهد بالوعود الجزئية التي ليست من صلب القضية الكبرى للعالم العربي الإسلامي ، وهكذا تم تحييد إسرائيل وإخراجها من لعبة تدمير أسلحتها التدميرية الشاملة .. تلك هي باختصار الإخفاقات العربية التي أدت إلى وقوع الحرب على العراق دون شرعية دولية ..فالأنظمة العربية مقتنعة تماما أن أمريكا لها مخططات اكبر من تغيير النظام في العراق أو البحث عن أسلحته ، ولكنها رغم ذلك نجدها تتفرج على هذه التحولات الخطيرة التي ستطالها في يوم من الأيام طال الوقت أم قصر لكننا ندعو لله أن يحفظ شعوبنا العربية والإسلامية من كيدهم وخططهم ..
وهنا نشير إلى ما جاء في دراسة ( تشارلز ويليام ما ينز ) الذي يؤكد بان الإدارات الأمريكية ومخططي استراتيجياتها لا يخفون أبدا إطماعهم النفطية في الشرق الأوسط ، كما أن أمريكا لا تفشي سرا بان النظام الدولي الذي تريد تأسيسه مشروط بالهجوم العسكري على أي نظام يختلف معها في المسائل المتعلقة بمصالحها ، وتستبعد اللجوء إلى الحوار في إطار المؤسسات القانونية والسياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية ..

الحرب من أجل إسرائيل

وفي عنوان فرعي من دراسته هو ( الحرب من اجل إسرائــــــيل ) ابرز ( ماينز ) ما يأتي :
يمثل امن إسرائيل احد الأسباب الرئيسية للحرب ، إذ اتخذ عدد من أنصار إسرائيل الأقوياء في الولايات المتحدة قرارا باستغلال ألازمة لتعزيز الأمن الإسرائيلي ، ومنذ بدء تطبيق سياسة الحصار على العراق عام 1990 عارض هؤلاء سياسة العقوبات الاقتصادية ، لأنهم كانوا يرون أن أقصى ما يمكن أن تحققه على المدى القريب هو تحرير الكويت ، حسب الدراسة التي تشير إلى أن هؤلاء أصروا على أن تواصل الولايات المتحدة سياسة الاحتواء وعدم رفع الحصار حتى بعد انتهاء الحرب عام 1991 دون أن تحقق الأهداف التي كانوا يتوخونها وهي تدمير العراق بشكل كامل وإسقاط نظامه ، وهكذا يتأكد لنا بان الحرب على العراق عام 2003 وتدميره كانت بتشجيع ودعم اللوبي الصهيوني في أمريكا حتى قبل دخول العراق الى الكويت عام 1990 ، وهذا يعني أن مشكلة الكويت لم تكن سوى مسوغا وفرصة أما المخططات فكانت جاهزة منذ سنوات تنتظر التنفيذ العملي وعلى أساس أن إدارة الرئيس بوش قد قبلت مشروع اللوبي الصهيوني ، وهو استبدال الحصار الاقتصادي بالحرب المباشرة ..
أما دراسة ( جون د. شتانبر ) فهي تقييم لنتائج ما أسمته بحرب الخليـــــــج الثانية أو ( عاصفة الصحراء ) ..
أما الدراسة الثالثة التي أعدها ( كيسنجر ) ونشرها في (نيويورك تايمز ) عام 1992 ، فهي توضح البعد الاسـتراتيجي للخطاب الأمريكي في تعامله مع مسألة احتــلال العراق ، فــــقد ذكر ( كيسنجر ) أن حربي الخلــــــيج الأولى ( الحرب العراقية الإيرانية ) والثانية ( العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 ) لم تحققان اهد افهما الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة ، لذلك دعا صراحة إلى شن حرب ثالثة على العراق تحقق فيها الولايات المتحدة أهدافها التي ذكرها وهي :
إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد كي تتلاءم مع المصالح الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة وتحقيق أمنها القومي على الصعيدين الإقليمي والدولي من خلال احتلال العراق بالكامل وإسقاط نظامه والسيطرة على نفطه ونفوط المنطقة وحماية امن إســـــرائيل ، وهذا يتطلب ، حسب رؤيته ، إقامة نظام ليبرالي في العراق يؤْمن بما اسماها القيم الديمقراطية الغربية ..

تقســيم العــراق

ولو عدنا إلى مسالة تقسيم العراق في الخطاب الأمريكي لوجدنا أن ما تقوم به قوات الاحتلال حاليا هو جزء من استراتيجية تقسيم العراق وتفتيته ، فالمعروف أن العراق كان في السابق دولة منفتحة يتعايش مواطنها بإخوة ومحبة دون تمييز أو تفريق سواء على الصعيد الجماهيري أو على المستوى الرسمي والوظائف الحكومية التي شاركت فيها نخب متعددة تمثل جميع أطياف الشعب العراقي حتى على مستوى القيادات العليا والوسطى سواء أكانت مدنية أو عسكرية أو تابعة ل